روحاني في بغداد.. رسائل الداخل والخارج

روحاني في بغداد.. رسائل الداخل والخارج

المرجع السيستاني مع حسن روحاني مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف (تويتر)

منذ انتهاء الحرب على تنظيم الدولة "داعش"، ومطارات العراق لا تتوقف عن استقبال الوفود الرسمية من دول الجوار وغير الجوار. لكن زيارة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، لأول مرة منذ توليه المنصب عام 2013 لا تندرج على قوائم الزيارات الأخرى، لثقل النفوذ الإيراني في العراق أولًا، وملف الصراع الأمريكي الإيراني ثانيًا.

استهل الرئيس روحاني زيارته بالذهاب إلى العتبة الكاظمية  قبل أن يلتقي برئيس الجمهورية، وهي خطوة خارج الأعراف الدبلوماسية لكنها لا تخلو من مداعبة المشاعر "المذهبية" لدى شيعة العراق

روحاني، وخارج الأعراف الدبلوماسية، استهل زيارته بالذهاب إلى العتبة الكاظمية ببغداد قبل أن يلتقي برئيس الجمهورية في قصر السلام. وهي زيارةٌ لا تخلو من مداعبة المشاعر المذهبية لدى شيعة العراق.

لعل الصورة أدق من أن يُعلق عليها. ترامب في قاعدة عين الأسد يتحدث عن مراقبته لإيران، وروحاني في بغداد وكربلاء والنجف يُهاجم الولايات المتحدة ويتهمها بدعم الإرهاب في المنطقة.

اقرأ/ي أيضًا: 3 أيام لروحاني في العراق مقابل ساعات ترامب السرية.. ولقاء مرتقب بالسيستاني

يقودنا السياق الزماني إلى تفسير شيء من التطلعات الإيرانية. الجانب الاقتصادي أحد أهم أهداف زيارة روحاني، فإيران المُحاصرة من قبل الولايات المتحدة استطاعت مقاومة العقوبات الأمريكية عبر التجارة مع العراق منذ سقوط نظام صدام حسين حتى الآن. الغاز، المواد الغذائية، السيارات، الأسلحة، البضائع والسلع التجارية الأخرى، وحتى الرايات الدينية تدخل ضمن المواد المُستوردة من إيران، فضلًا عن التجارات الأخرى غير الرسمية.

وفي خضم الانفتاح العربي/ الخليجي على العراق حديثًا، والعزم السعودي على اقتحام السوق العراقية، والحديث عن مشاريع زراعية سعودية في الجنوب العراقي، فضلًا عن المنطقة الغربية، لن تسمح طهران لهذه المنطقة بسهولة أن تُخترق من قبل خصيمتها، المملكة السعودية. وظني أن رسائل إيرانية واضحة وصلت للحكومة العراقية حددت خطوطًا حمراء في هذا الجانب، فالسماح للدول الخليجية بالاستثمار في مناطق التواجد الإيراني الاقتصادي يُعادل إعطاء المرء لعدوه سلاحًا ليرميه ويرده قتيلًا.

يُمكن لإيران التفاهم على تموضع ما في سوريا رغم أهمية هذه الورقة في مفاوضاتها مع الغرب، وعلى تفاهمٍ ما في اليمن؛ لكن أي تنازلٍ إيراني في العراق يُعادل أضعافه في بقية الدول التي لطهران أذرع فيها، نظرًا للواقع الجيو سياسي للبلدين، والطبيعة السكانية لشعب العراق، وثرواته الكبيرة.

وللسياق المكاني حقه بهذا الشأن رغم عدم تطرق المهتمين له. لقد حضر ترامب إلى قاعدة قواته العسكرية في الأنبار، وغادر دون المرور بالعاصمة بغداد، وأرسل رسائله التي يُريد للداخل العراقي ودول المنطقة تاركًا للمسؤولين العراقيين إصدار الاستنكارات تباعًا، ولرئيس الدولة إصدار التوضيحات الخجولة. وقد سخر منه الإيرانيون بوصفهم للزيارة بـ "زيارات اللصوص"، تهكمًا على دخوله وخروجه خلسة إلى العراق، وهي تصريحات تحمل الشيء الكثير من التباهي واستعراض القوة الذي أكمله روحاني بزيارته الأخيرة.

أي تنازلٍ إيراني في العراق يُعادل أضعافه في بقية الدول التي لطهران أذرع فيه، إذ تعد الورقة العراقية مركزية جدًا لطهران

إن زيارة ترامب والأحاديث التي جرت داخل الأروقة السياسية عن ضغوط مارسها مبعوث ترامب السابق بريت ماكغورك على الكتل السُنية فيما يخص التصويت على الحكومة، وكذلك حديث العديد من الوجهاء السُنة عن رغبتهم بالبقاء الأمريكي يُفيد بأن الولايات المتحدة رسخّت عمليًا وجودها داخل بعض المناطق السُنية، وربما اعتراض الحشد الشعبي لدورية أمريكية راجلة في الموصل رسالة مفادها أن الاحتكاك سيجري في المناطق التي تعتقدون أن وجودكم محسوم فيها، وليس في مناطق الجنوب التي لا تتواجدون فيها من الأساس.

اقرأ/ي أيضًا: ردود فعل إيران بعد العقوبات الأمريكية.. هل ستدفع العراق الثمن؟

أما روحاني فقد هبط في بغداد وزار العتبة الكاظمية ثم الحسينية فالنجف ملتقيًا المرجع الأعلى للطائفة الشيعية "السيستاني". ورغم حديثه المتكرر ـ والمبالغ فيه قصدًاـ عن تفاهمات كبيرة مع من يلتقيه من مسؤوليين عراقيين، فظني أن الغاية سياسية إعلامية، ولا وجود لخلاف بينه وبين من التقاهم قبل أن يلتقيهم في بغداد!. 

جرى التفاهم على موضوع التأشيرة بين البلدين سابقًا ووقعت الاتفاقيات التجارية مرارًا قبل وصول روحاني، وزيارة الأخير كانت بمثابة "تقفيل" الملفات وأهمها دور العراق في الصراع الأمريكي على إيران والملف التجاري. وقد حسم المسؤولون العراقيون أمرهم من هذا الملف خصوصًا بعد أن ساهمت إيران "مع البصرة وأحداثها الكبيرة" بإقصاء رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي من حلمه بولاية ثانية، رغم التوافق الأمريكي والأوروبي والعربي على شخصية العبادي، وذلك على خلفية إعلانه المُستَعجَل وغير المدروس عن التزامه بقرارات الولايات المتحدة ضد إيران. وبات المسؤولون العراقيون يخشون هذا المصير إذا ما حاولوا تكرار ما قاله العبادي ـ وهو تصريح فقط ـ عن العقوبات الأمريكية.

رسائلُ خارجية وصلت بسرعة مُستفزِةً، مبعوث أمريكا للشؤون الإيرانية برايان هوك الذي تحدث عن رغبة إيران بتحويل العراق محافظة تابعة لها، وكأن العراقيين لا يعرفون من سمح لإيران بالتمدد في أراضيهم.

ستزيد هذه الرسائل المتبادلة بين الأمريكيين والإيرانيين من حدة الخلاف على الأرض العراقية. وستُعزز من الانشطارات السياسية الداخلية والتخوين المُتبادل.

إن زيارة الرئيس الإيراني رفقة وزير الخارجية ظريف للمرجع السيستاني هي الأهم باعتقادي. لقد سحب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الكتل السياسية لخانة "تأييد" المرجع للحكومة الجديدة عبر تفاهماته معه ـ أو مع نجله محمد رضا ـ قبيل اختيار رئيس الوزراء المُكلف، ولدى العراقيين انطباع شبه مؤكد أن المرجعية مسؤولة بشكل مباشر عن اختيار الحكومة الحالية. لقد وضع هذا اللقاء رصيدًا مهمًا في جعبة حلفاء إيران العراقيين في محاججتهم وحواراتهم السياسية والإعلامية مع شركائهم الذين يضعون مسافة فاصلة بينهم وبين إيران. وستزيد هذه الزيارة من وزن فريق روحاني/ظريف في الداخل الإيراني إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار عدم لقاء السيستاني بأحمدي نجاد وقاسم سليماني.

ستزداد كفة التوجه نحو الاعتدال في الداخل الإيراني. وإذا ما أخذنا كلام أمير الموسوي كرسالة إيرانية من أبواب خلفية تخبر الولايات المتحدة بانتقال ملف العراق من الحرس الثوري إلى وزارة الخارجية، فمعناها لا يحتاج الكثير من التحليل: خيارُ التفاهم مُفضلٌ على الخيار العسكري؛ لكني أدعو إلى عدم الانجرار وراء التفاؤل المُبالغ فيه. ليس بالضرورة أن يكون التنازل الإيراني يصب في مصلحة العراق، ولملفات المنطقة ـ خصوصًا إسرائيل ـ حضورها في حقيبة العم السام.

تنظر طهران  للعراق على أنه خط الدفاع الأخير على جميع الأصعدة

من المُنتظر بحسب المعطيات أن تتحرّك عجلة الإعمار في العراق بمشاركة العديد من دول العالم؛ إلا أن الصراع الأمريكي الإيراني قد يكون العصا في تلك العجلة، حتى تُصار الأمور إلى تفاهمٍ "جديد" بين الدولتين. أقول جديد لأن الولايات المتحدة والدول العربية الحليفة لها عازمون على تحجيم الدور الإيراني في المنطقة، ولا بد لإيران من تنازلات إذا ما أرادت المُشاركة بالتشكيلة الشرق أوسطية الجديدة. وفي ذات الوقت، وما يجب ألّا يَنساه المعولون على الدور الأمريكي، إن العراق هو خط الدفاع الأخير بالنسبة لإيران على جميع الأصعدة، وإنها ليست بذلك العود الضعيف الذي يَسهل كسره في العراق على وجه الخصوص.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تصفية معلنة لحسابات طهران وواشنطن على مائدة العراق.. بومبيو "يتحرش" بالحشد

العقوبات الأمريكية ضد إيران.. ارتباك يخيم على العراق أيضًا