روزنامتي مع ترامب
21 يناير 2026
قبل تسع سنوات من الآن، كانت ليلتنا الأخيرة؛ صوت المطر الشديد في الخارج وجلوسي قرب المدفأة الكهربائية كانا وراء عدم خروجي تلك الليلة كما جرت العادة عندما أكون بين أهلي في الحلة. في تلك الليلة جلسنا أبي وأنا نتابع حفل تنصيب دونالد ترامب بعد فوزه في الانتخابات لرئاسته الأولى.
"من اليوم فصاعدًا، ستحكم رؤية جديدة بلادنا، من هذه اللحظة فصاعدًا ستكون أميركا فقط أولاً، أميركا أولاً"، بهذه الجملة افتتح الرئيس الجديد كلمته بعد أن حيّا الحضور، بمن فيهم أربعة رؤساء أميركيين سبقوه في تولي المسؤولية، وهذا أول ما علقنا عليه: خمسة رؤساء في باحة البيت الأبيض!
مثل كل جلسةٍ تجمعني بأبي، بعد أن فرقتنا الحياة واقتصرت لقاءاتنا على يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع، نخوض لساعاتٍ طويلة من الليل نقاشًا في كل شيء، تبدأ بآخر الأخبار، خاصة المتعلقة بالاحتجاجات التي كانت شبه يومية في بغداد وقتذاك، وأخبار النازحين ومشاكلهم، وتقدم العمليات العسكرية ومعارك تحرير مدننا التي سيطر عليها الإرهاب. ننتقل بعدها إلى آخر القراءات، وآخر الإصدارات في المتنبي وما أحمله له من هناك، وآخر المآسي والأحلام.
في تلك الليلة التي بدت غريبة لشيء لا أعرفه وقتها، حدثني أبي –الشيوعي العتيق– عن الولايات المتحدة، عن لوبياتها ومصالحها داخليًا ودوليًا، ركز كثيرًا على الرأسمال، وعن مصالحه الحاكمة والمسيطرة، وعن خطورة الرئيس الجديد، وما يمثله كونه واحدًا من أصحاب الرأسمال المنفلت الذي لا يريد أن يتوقف عند حد معين. كل تلك النقاشات كانت لإيجاد بلدنا على خارطة هذا الرجل ومنظومته، أتذكر جيدًا ما حاول أبي أن يختتم نقاشه به، قال إن سيمون دي بوفوار قالت ذات مرة: "لا يمكن استخراج خط مستقيم من خط منحنٍ". ساد صمت طويل ونحن نتابع ما تبقى من مراسم التنصيب، وخيمت أجواء تدل على الإحباط ليلتها، لا أعرف دوافعها؛ هل كانت الأحاديث التي تناولناها، أم محاولة استشراف أبي لسوداوية القادم على يد الرئيس الجديد؟
"سنعزز التحالفات القديمة، ونشكل تحالفات جديدة، ونوحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، الذي سنزيله بشكل كامل من على وجه الأرض". تلك كانت جملةً من كلمة الرئيس الجديد. لاحقًا سيجتمع ترامب مع "الإرهاب الإسلامي المتطرف" على طاولةٍ خليجية، أو برعايتها، ويغير محمد الجولاني إلى أحمد الشرع، ويحاول أن يجد له موقعًا على خارطة الأحداث في المنطقة!
بعد أربع ساعات تقريبًا من تلك الليلة، أيقظتني أمي مسرعةً: (تعال بسرعة، أبوك تخربط....)، هذه الجملة هزتني؛ أبي الذي لم يعانِ من شيء مطلقًا، وصلته وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، مات أبي بهدوء تام بعد تنصيب ترامب بساعات. مات بعد احتشاء عضلة القلب، لاحقًا عرفت لمَ كان شعوري ليلتها موحشًا!
بعد وفاة أبي بخمسة أشهر فقط، ماتت أمي، بلا مقدمات سوى رفضها العيش بعد حبيبها الذي دفنته في يوم ممطر، ماتت في 14 حزيران من العام ذاته، وطبيعي أن لا ينتبه أحد منكم الآن لهذا التاريخ، لأنه تاريخ يعنيني أنا، ولكن ثمة ربط؛ ففي 14 حزيران من العام 1946 وفي مركز مستشفى جامايكا الطبي في نيويورك كان هناك مولودٌ وضعته ماري آن ماكلويد المهاجرة من اسكتلندا اسمه دونالد جون ترامب!
في ذروة احتجاجاتنا ضد السلطة في العراق، وأيام ما كانت خيام المحتجين هادئة وباردة، تحاول أن تناقش شعاراتها وتدافع عنها أمام القناصين ومطلقي الرصاص، وتلك السيارات التي خطفت منهم عددًا ليس بالقليل، تخطط تلك الخيام بظرف عراقي خاص واستثنائي مستقبلاً بدا للحظة وكأنه في صالحهم، كان ترامب قد وجه بتنفيذ عملية اغتيال قاسم سليماني، الجنرال الإيراني البارز. تم الاغتيال في بغداد دون غيرها من العواصم التي كان يزورها الأخير دون خشية من شيء. شخصيًا أعتقد أن هذه العملية ساعدت بطريقة أو بأخرى على إنهاء الاحتجاجات بعد أن توحّد خصومها من جديد جراء عملية الاغتيال تلك، وهددتهم الضربة تلك وأعادتهم إلى الطاولة الواحدة التي تجمعهم كل مرة، بعد أن قلبت تشرين واحتجاجاتها هذه الطاولة.
منذ بدء العام الحالي، تبدو شهية ترامب مفتوحة على صراعات جديدة يريدها أن لا تنتهي، صراعات بعيدة عنا جغرافيًا مثل عمليته في اختطاف الرئيس الفنزويلي، وأخرى قريبة من الدين والجغرافيا والاقتصاد، والهدف منها إيران، البلد المتأزم ونظامها السياسي الذي خنق مواطنيه. جاء هذا التهديد بعد أن عمت إيران تظاهرات واحتجاجات عارمة طالت محافظات عديدة، بعد أن انطلقت من البازار في طهران، وواجهتها السلطات هناك كالعادة بالرصاص والنار، وهذه حجة ترامب هذه المرة، إن إيران أعدمت الكثير من المحتجين وقتلتهم، ويبدو أن ترامب وإدارته قد عرفا توًا أن إيران تعدم مواطنيها وتقمعهم، وليس ثمة حديث عن مشروع إيران النووي وصواريخها الباليستية، كما يغيب في العلن دور إسرائيل وموقفها من النظام الإيراني، إلا أنه معلوم وحاضر قطعًا.
تنقسم الآراء الآن هنا في العراق بين مؤيد لتوجيه الضربة المزعومة وبين رافض لها، وتجري نقاشات مطوّلة على وسائل التواصل الاجتماعي حول ذلك. يراد من بعض تلك السجالات تسطيح موقفنا مما يجري، والاختيار بين الأبيض والأسود. لا أحد يريد النظر إلى المجتمع الإيراني الذي يجوع بفعل أميركا والنظام معًا.
الأمر معقد للغاية؛ إيران ونظامها السياسي متورطان بالخراب العراقي على الأقل منذ تغيير النظام السياسي عقب الغزو الأميركي، كما أنها تورطت بدماءنا إلى حدٍ مقزز، وهذا لا يخفيه متابع منصف، كما هو ذاته تورط أميركا بكل ما يحصل لنا منذ قرابة عقدين من الزمن، بعد أن خربت أميركا الدولة والمجتمع والاقتصاد وغيرها، مذ سمحت لديكتاتورية صدام حسين ومنظومته الإجرامية بالاستمرار وحتى لتغاضيها عما فعلته إيران في العراق. وهنا يحضر الاستشراف العظيم الذي تركه لنا كارل ماركس يوم كتب عمله المهم (رأس المال) قال إن "الدول الأكثر تقدمًا صناعيًا، تقدم للدول الأقل تقدمًا صورةَ ما سيكون عليه مستقبلها".
الكلمات المفتاحية
منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة
أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي
مسعود بارزاني والقائم بالأعمال الأميركي يؤكدان على استقلال القرار العراقي
لقاء بين رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني والقائم بالأعمال الأميركي