"زيادة بلا تخطيط".. لماذا يستمر إطلاق الوظائف الجديدة رغم اختناق الوزارات؟

من مليونين إلى أكثر من 4 ملايين موظف (فيسبوك)

رغم الأزمة المالية، وتضخم أعداد الملاكات، وقلّة تخصيصات الموازنة للوزارات ومؤسسات الدولة في العراق، تستمر ذات الجهات بطلب الدرجات الوظيفية الجديدة، فضلًا عما تعلنه الجهات المعنية بملف التعيينات من وجبات تلو أخرى لتوظيف الخريجين والفئات المشمولة بحسب الاستمارات الالكترونية التي يتمّ إطلاقها بين فترة وأخرى.

قطاع الدولة في العراق يشكل 90% من التوظيف مقابل 10% للقطاع الخاص

وبشكل شبه رئيسي، تعلن الحكومات الجديدة في العراق بفترات بداية مهامها عن عدة ملفات تمثل عائقًا أمامها، وآخرها حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي بدأ حكومته بقانوني اقتراض لسد رواتب الموظفين شرعها مجلس النواب السابق، نتيجة لانخفاض أسعار النفط بفعل جائحة كورونا، حيث يشكّل المصدر الوحيد لتسديد الرواتب شهريًا للموظفين والمتقاعدين في دوائر الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: 250 ألف خريج سنويًا دون عمل.. هل يحل مجلس الخدمة "سُنّة" النزول للشارع؟

ورغم عدم وجود إحصائية رسمية مثبتة لدى الجهات الحكومية للعدد الكلي للموظفين الذين يتقاضون رواتبًا من الدولة شهريًا، إلا أن هناك ما يثقل كاهل المؤسسات أيضًا، ويتمثل بعدد الموظفين الفضائيين، وهو المصطلح الذي بات منتشرًا منذ سنوات لموظفين يتسلمون مبالغًا مالية دون دوام رسمي أو خدمات يقدمونها للدوائر المنسوبين إليها، فضلًا عن مزدوجي الرواتب، حيث أقر المتحدث السابق باسم الحكومة، أحمد ملا طلال، خلال مؤتمر صحفي، تابعه "الترا عراق"، حينها، بوجود "18 ألف موظف مزدوج الراتب، بينهم 5 آلاف في وزارة التربية".

لا إجابات حكومية والتضخم مستمر

وبينما يشير المتحدث باسم وزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، عبر تصريح له في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، إلى بلوغ عدد المسجلين من الموظفين أكثر من مليونين ونصف المليون في بنك المعلومات المستحدث، لفت إلى أن "البنك لم يكمل أعماله بسبب عدم وصول البيانات الكلية من قبل الوزارات"، في وقت قال فيه وزير التخطيط خالد بتال، إن "التخطيط ووزارة المالية لا تملكان قاعدة بيانات لموظفي الدولة"، فيما رجح احتمالية تجاوز العدد 4 ملايين موظف منذ عام 2003 ولغاية تصريحه في أواخر العام 2020.

وبما أن التصريح أعلاه يوضح وجود مسؤولية لوزارة التخطيط بملف التوظيف والإحصائيات، طرق "ألترا عراق" أبواب الوزارة سائلًا المتحدث عبد الزهرة الهنداوي، عما وصلت إليه آخر قواعد بياناتهم بشأن أعداد الموظفين، وبدوره؛ استبعد الهنداوي قيام الوزارة بأي دور في هذا الملف، بقوله إن "ملف التوظيف والتشغيل مناط بوزارة المالية، وليس بوزارة التخطيط، لذلك فإن جميع الأسئلة يجب توجيهها لوزارة المالية".

وباللجوء إلى وزارة المالية لطرح نفس الاستفسار، لم تسفر محاولات "ألترا عراق"، للاتصال بإعلام الوزارة عن أي جواب يذكر بعد محاولات لأكثر من 48 ساعة متواصلة، وهو ما حصل أيضًا بمحاولات مشابهة مع إعلام مجلس الخدمة الاتحادي.

وتشكّل مجلس الخدمة، على أثر احتجاجات تشرين في العراق عام 2019، بقانون من مجلس النواب استجابة لمطالب المحتجين، ولمنع التشعب في قرارات التعيين لتحصر بالمجلس فقط، فيما يلغي القانون  قرابة 100 تشريع قانوني منها قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960 وقانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 وقانون الملاك الوظيفي رقم (25) لسنة 1960 وقانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم (22) لسنة 2008 وقرارات مجلس قيادة الثورة المنحل المتعلقة بالوظيفة العامة.

إلا أنه وعلى الرغم من الاختناق الكبير في مؤسسات الدولة بعدد الملاكات، والدعوات لتفعيل القطاع الخاص في البلاد لاستقطاب العاطلين والخريجين والكفاءات بمشاريع متعددة، فضلًا عن إجبار الشركات الاستثمارية على تخصيص نسبة لهم بمشاريعها، لكن مجلس الخدمة يواصل إطلاق الدرجات الوظيفية عبر موقعه الالكتروني في مختلف الوزارات وباختصاصات عدة أبرزها لحملة الشهادات العليا، وذوي المهن الصحية والساندة، بالإضافة إلى دوائر الاتصالات والكهرباء والخريجين الأوائل في الجامعات، حيث يمثل ذلك خطوات متناقضة لم يتمّ الحديث عنها من اكتظاظ الدوائر وعدم قدرة الحكومة على تلبية الغطاء المالي لسقف الرواتب المتصاعد.

بيانات ونسب

من جهته، يرى المختص في إدارة الأزمات، علي الفريجي، أنه "بحسب بيانات الحكومة العراقية، فالبطالة بين الشباب فقط للفئة العمرية بين 15- 29 عامًا تبلغ 22.6%، في حين البنك الدولي في بياناته يضع 40 % تعاني البطالة في العراق لذات الفئة، مؤكدًا أن "ذلك يوضح حجم عدم المبالاة في العراق لتوسع ومراقبة هذه الشريحة الفاعلة في جميع المجتمعات ووضع الحلول لها".

ويشير الفريجي، في حديث لـ"ألترا عراق"، إلى أن "قطاع الدولة يشكل 90% من التوظيف مقابل 10% للقطاع الخاص، بينما يبلغ عدد الموظفين في القطاع الحكومي نحو 4.6 مليون موظف، مبينًا أن "أسباب البطالة في العراق كثيرة ويتصدرها انحسار حركة العمل بالقطاع الخاص الذي تحول لحلقات سمسرة وعقود للدولة ضمن منظومة الفساد، حيث تتحكم فيه المافيات والأحزاب المتنفذة غير المنتجة، في حين كان من المؤمل مساهمته في بناء الاقتصاد".

ويعتقد المختص الفريجي، أن انعدام دور الدولة في بناء سوق اقتصادية ناشطة (صناعيًا، تجاريًا، زراعيًا) منتجة بمدن صناعية وغيرها يمكن أن تستوعب أعداد الباحثين عن العمل كسبب آخر أدى فقدانه لتضاعف الأعداد، مؤكدًا أن "السبب الآخر هو ترك فرص العمل البسيطة في السوق المحلية للعمالة الأجنبية التي لا تتردّد بالاستيلاء على أي وظيفة مهما تنوع شكلها".

الوظائف بعد 2003 والعدالة الاجتماعية

بالمقابل، يقول المستشار الاقتصادي الدولي، بارق محمد، إن "عدد الموظفين بعد 2003 بحسب بيانات وزارة المالية التي نشرت في موازنة سنة 2019 بلغ حوالي 3 مليون موظف في الجهاز الحكومي، مبينًا "من الواضح أن هذا العدد يعكس الموظفين على الملاك الدائم فقط، ولا يشمل العاملين بموجب عقود موقنة ولا المستخدمين بأجور يومية، كما لا يشمل عدد العاملين شبه الموظفين في ما يسمى بالقطاع الاشتراكي أو العام، أي الشركات المملوكة للدولة".

ولفت محمد في حديث لـ"الترا عراق"، إلى أن "دراسات بعض المطلعين أوضحت أن عدد المجموعتين من الموظفين المذكورين يبلغ حوالي المليون، مضيفًا أنه "بذلك يمكن تقدير مجموع عدد العاملين الناشطين في أجهزة الدولة حتى تشرين الأول من عام 2019 بحوالي 4 مليون شخص، يضاف لهم عدد غير معلوم من تعيينات أعلنت عنها الحكومة على إثر موجة الاحتجاجات التي بدأت في ذلك الحين ولا يعرف مصيرهم بعد استقالة الحكومة وعدم وجود موازنة لسنة 2020".

ويضيف محمد، أن "كل المؤشرات تدل على أن المبلغ الذي تم صرفه في سنة 2019 على الرواتب والبالغ أكثر من 40 تريليون دينار، واحتسبت على أساس بيانات وزارة المالية المشار إليها سابقًا شمل الموظفين على الملاك الدائم فقط، والبالغ عددهم أقل بقليل من 3 مليون موظف، وارتفع إلى 56 تريليون دينار في 2020، مبينًا أن "قوة العمل بمعنى الراغبين فعلًا، ويبحثون عن فرصة تقدر أعدادهم حاليًا بحوالي 12 مليونًا، يضاف إليهم داخلين جدد في سوق العمل بمقدار 450 ألف سنويًا".

وتابع أنه "من خلال الحساب البسيط يتم استنتاج أن نسبة الموظفين في الجهاز الحكومي إلى قوة العمل تبلغ 25 %، مشيرًا إلى أن "هذه النسبة من الناشطين في سوق العمل قد حصلت على 43 % من الريع النفطي".

عدد الموظفين بعد 2003 بحسب بيانات وزارة المالية التي نشرت في موازنة سنة 2019 بلغ حوالي 3 مليون موظف في الجهاز الحكومي

ويعتبر المستشار الدولي، أنه "بعدم تماشي الموقف الرافض للمساس برواتب الموظفين، أو تخفيض جميع الرواتب بنسبة معينة، مع مبادئ العدالة الاجتماعية، فإن الحل يكمن باستثناء شرائح الموظفين الصغار والعاملين في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم من التخفيض والنظر في فرض ادخار إجباري بنسبة 15% على مستلمين الرواتب من 2 إلى 5 مليون دينار، مضيفًا أن "ذلك يجب تطبيقه مع تحديد سقف أعلى لرواتب الموظفين الكبار لا يتجاوز 5 مليون دينار، مستدركًا "لكن في نهاية المطاف سوف تبقى قضية تحقيق العدالة الاجتماعية في العراق بعد التغيير في 2003 بعيدة المنال في ظل هيمنة الأحزاب والكتل السياسية التي تطبق المحاصصة في كل شيء".

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تفاصيل الدرجات الوظيفية التي أطلقها مجلس الخدمة الاتحادي

بـ16 نقطة.. الحلبوسي يعلن مهام مجلس الخدمة الاتحادي