شعبوية زرقاء

شعبوية زرقاء

لمواقع التواصل الاجتماعي ميزة "مشاعية" لأنها متاحة للجميع (فيسبوك)

معظمنا يميل على أن مواقع التواصل الاجتماعي تقدم إسهامًا كبيرًا في صناعة الرأي العام. حتى شاعت قناعة واسعة، على أثر انتفاضات الربيع العربي، بفاعلية هذه المواقع في إسقاط أنظمة الاستبداد العربية، قبل شيوع ما يسمّى بـ"الجيوش الإلكترونية". وكان للكثير من المدونين دور بارز في هذه الانتفاضات من دون "تنظيمات فيسبوكية" إن صح التعبير؛ كان "الهم الأقصى" هو من يجمعهم فحسب.

لهذه المواقع ميزة "مشاعية" لأنها متاحة للجميع بمعزل عن بيروقراطية الدولة ورقابتها المُحكَمة

 معنى هذا، يمكن لهذه المواقع أن يكون لها دورًا حاسمًا في تغيير السياسات وقلب الأنظمة: إنها تحمل إمكانيات تنظيمية شعبية وراديكالية يمكنها الإطاحة بالنظم الرجعية. أي أن لهذه المواقع ميزة "مشاعية" لأنها متاحة للجميع بمعزل عن بيروقراطية الدولة ورقابتها المُحكَمة. غير أن هذا الحلم سرعان ما تبدد بعد التدجين الذي حصل لهذه المواقع، وجماهير من نوع آخر تم رهنها لهذا الرئيس، وذاك الحزب.

اقرأ/ي أيضًا: عن عالمنا الموازي الجديد.. فيسبوك!

إن مفهوم الحرية لدى فئة كبيرة تتواجد في مواقع التواصل، ينحصر في مدونة شخصية تتمتع بحرية مطلقة يتفوهون فيها ما يشاءون. وهؤلاء يمثلون شريحة واسعة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من الصحة النسبية لهذا الرأي، إلا أن حرية التعبير وحدها لا تفضي إلى حل سوى التفريغ النفسي المريح، لكن سرعان ما يتبخر هذا الارتياح.

معلوم أن الفوائد التي قدمتها هذه المواقع لا سبيل إلى نكرانها؛ اتساع دائرة التواصل الاجتماعي، التشجيع على القراءة، ظهور مدونين جدد يتخذون من سردياتهم الخاصة منطلقا لتحليل الواقع!، فضلا عن الفائدة الكبيرة التي حققها بعض المثقفين للترويج لنتاجاتهم الفكرية والأدبية، واتساع دائرة جمهورهم، فكانوا، من هذه الناحية، هم الفئة الأكثر استثمارًا لهذه المواقع، مضافًا إلى بعض المدونيين الذين انخرطوا في مشاريع مربحة تدار من قبل مؤسسات غايتها كيفية التأثير على الرأي العام. لذلك يمكن تقسيم هذه المواقع، من حيث التأثير، إلى عدة أقسام: قسم المدونيين الغارقين في سردياتهم الخاصة، وتنمرهم الفيسبوكي، وافتعال قضايا لا تمت للواقع بصلة، ونصبهم الكراهية للمثقفين، ليس من باب النقد والاهتمام بالثقافة،- فالمثقفون أولى بالنقد من غيرهم- ، وإنما هي حالة عصابية ضخمها وهم "التدوين الحر" في صفحاتهم الشخصية. وهؤلاء بعيدون جدًا عن التأثير على الرأي العام، فضلًا عن التأثير على أنفسهم، وهم مستمرون في إعادة إنتاج أوهامهم بأشكال تعبيرية مختلفة. وهؤلاء يشكلون الأغلبية الساحقة في مواقع التواصل الاجتماعي.

وقسم المثقفين الذين يسهمون في التأثير على الرأي العام عبر الترويج لنتاجاتهم وتوسيع دائرة جمهورهم. ومما لاشك فيه، إن دائرة الجمهور هذه آخذة بالاتساع، فالإقبال على شراء الكتب والاهتمام بالقراءة - السردية بشكل أكبر- دليل بارز على ما حققته مواقع التواصل الاجتماعي من من هذا الجانب الذي كان للمثقفين دور بارز فيه. وهؤلاء يأتون بالسلم الثاني من حيث الأهمية مقارنة بالفئة الأولى!.

والقسم الأخير، وهو الأهم من حيث التأثير، هو فئة المدونين الممولين من قبل مؤسسات وشخصيات سياسية وإعلامية (ويقال أن هناك مؤسسات دولية) ويتقاضون أجورًا مقابل ما ينتجونه من "أفكار" ذات محتوى تافه وسطحي، غايتها تشويه الوعي السياسي، وحرفه عن مسار الواقع. والكثير منهم، ربما، انخرط في هذه النشاطات لا من أجل التجسس على شعبه أو العمالة للأجنبي، وإنما ضيق الحال والتطلع إلى نوعية حياة أفضل هو الدافع الأبرز للعمل هناك. فمن هذه الناحية، قد نجد معظم ما يكتبه هو انعكاس لوضعه الاجتماعي المُتَخَيل، بمعنى أنه يعكس مصالحه الشخصية بعيدًا عن هموم الناس.

تبقى الكتابات الجادة والرصينة هي وجمهورها الخجول، خارج دائرة التقليعات الشغّالة، لا تساهم في التأثير في هذا العالم الأزرق إلا بدوائر ضيقة للغاية

 بالطبع لا توجد عندي إحصائيات حول عدد هذه المؤسسات، لكن اعتمادًا على المتابعة وما نقرأه ونشاهده من الصفحات الممولة وكثرة متابعيها، يكشف لنا حجم اهتمامها اللافت في التأثير على الرأي العام. لكن التأثير في أي اتجاه؟ المزيد من الغرائزية والتأثير العاطفي. يمكننا أن نعثر على منشور لأحد الفتيات يحمل في طياته بعض الإيحاءات الجنسية، سنجد "حجيج" الفيسبوك ناصبًا خيامه هناك، عسلًا ولعل أن يفوز ببعض ما يتمناه حتى لو كان خيال في خيال.

اقرأ/ي أيضًا: مساعٍ غربية للهيمنة على فيسبوك العراق.. حديث صناعة الوهم

وتبقى الكتابات الجادة والرصينة هي وجمهورها الخجول، خارج دائرة التقليعات الشغّالة، لا تساهم في التأثير في هذا العالم الأزرق إلا بدوائر ضيقة للغاية، ذلك إن هذا المكان ينتقي جمهوره بعناية فائقة، " وثقافته" المفضلة وطريقة ترويجه لها وعنوانه المفضل: مرحبًا بك  في الشعبوية الزرقاء!.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فيسبوك والسياسة القذرة.. خادم مطيع للأوامر الإسرائيلية والأمريكية

العالم الأزرق.. الحياة داخل مصباح علاء الدين