صراع أمريكا وإيران.. هل يمكن مسك العصا من المنتصف؟

صراع أمريكا وإيران.. هل يمكن مسك العصا من المنتصف؟

لا يزال العراق أكثر الجبهات استعدادًا للحرب نظرًا للوجود العسكري الأمريكي مقابل الإيراني (المونيتور)

لعل السؤال السياسي الأبرز على مستوى علاقات العراق الخارجية والصراع الأمريكي الإيراني في المنطقة: هل يُمكن للعراق أن يمسك العصا من المنتصف؟ أبدو متشائمًا حين أخوض في هذه المسألة، لا لصعوبة الموقف فحسب، وإنما لضعف العقل السياسي العراقي وتشظي الطبقة السياسية وتموضعها بعيدًا عن الهوية الوطنية الجامعة؛ لكن النقاش من الناحية النظرية ممكنٌ، مع الأخذ بالاعتبارات العملية وترك العامل التنفيذي جانبًا قليلًا.

يُمكن الاستمرار في الحديث عن "ضرورة أن يتجنب العراق العقوبات الأمريكية"، في سياق الدفع باتجاه تقليل النفوذ الإيراني من أجل ترسيخ المصلحة الداخلية والتحذير من الضرر بها

تذهب الأطراف المائلة للكفة الأمريكية إلى التخويف من غضب واشنطن الذي قد يضرب العراق بعقوبات ستطيح باقتصاده المُعتمد على الريع، والمنهك بالديون الخارجية جرّاء الحرب على "داعش". أما الأطراف المائلة للكفة الإيرانية فتؤكد ضرورة أن يقف العراق إلى جانب إيران وتستخدم مفردات مثل "رد الدَين" و "الانتماء العقائدي" ثمّ "المصالح المشتركة".

اقرأ/ي أيضًا: عراق السلطتين بين درء الشر الأمريكي ورد "الدين" الإيراني

يبدو الطرف الأول أكثر عملانية وعقلانية من الطرف الثاني للوهلة الأولى، إذا نظرنا إلى حجته من الناحية المنطقية: أمريكا دولة عظمى، ونحن ضعفاء لا نتحمل عقوباتها. ولست بصدد دحض هذه الحجة لكونها تحمل منطقًا سياسيًا بالفعل. لكن فحص الأمور على الأرض يُجبِرُنا على التأني في اتخاذ مثل هذه المواقف. نعم، لا بدّ للعراق أن يتجنب العقوبات، قولًا واحدًا؛ ولكن، إذا كان العراق أضعف من أن يقفَ في الوقت الحالي بوجه العقوبات الأمريكية لقوّة نفوذها العالمي وإمكانيتها في فرض الحصار هنا وهناك، فهل يُمكنه الاستدارة بحركة واحدة وإعطاء قفاه لإيران؟ ببساطة شديدة: لا. لقد قُلنا سابقًا إن الصراع السعودي الإيراني لعبة محصلتها صفر، واستعرضنا الأسباب التي تمنع فرضَ نفوذٍ بديل لإيران في الجنوب العراقي على أقل التقدير، كما تعمل الولايات المتحدة عبر أداتها "السعودية"؛ لكن واقع الحال يؤشر وجود نواب وفصائل مسلحة وموظفين موالين فيما بات يُسمى الدولة العميقة، يرتبطون بأشكال مختلفة بإيران، يُمكنهم تعطيل المساعي الأمريكية ـ السعودية ولو نسبيًا.

يُمكن الاستمرار في الحديث عن "ضرورة أن يتجنب العراق العقوبات الأمريكية"، في سياق الدفع باتجاه تقليل النفوذ الإيراني وإحراج حلفاء الجارة في الداخل من أجل ترسيخ المصلحة الداخلية والتحذير من الضرر بها. أٌقول يُمكن الاستمرار في هذا الخطاب كجزء من الخطاب السياسي؛ لكن دون أن يتحوّل إلى محفوظة تُردد على ألسن السياسيين دون إيجاد بديل عملي لهذا الخطاب. كما أن البعض من أصحاب هذا الرأي لا يدركون خطورة الاعتماد التام على الولايات المتحدة وخصوصًا تحت قيادة ترامب، فما مصير العراق إن فعل تلك "الاستدارة" وعقدت أمريكا صفقة مع إيران شبيهة بالاتفاق النووي وتركت المتقوّين بالأمريكان فريسة لإيران؟ وما مسألة الولاية الثانية لحيدر العبادي ببعيدة عن الأذهان أو التاريخ.

أما الطرف الآخر، ويبدو الأضعف من ناحية الحُجج والقدرة على الإقناع، خاصّة وأنه راح يستخدم الحجج أعلاه التي لا تعني شيئًا سوى استنهاضًا للعواطف وتذكير الناس بما يسموه "موقف إيران مع العراق في حربه ضد داعش"، وتبعًا لعملية تحفيز الذاكرة راحوا يُذكرون بالانتحاريين السعوديين وموقف أمريكا الخجول في الحرب ضد داعش، وآخرها ـ حسب اعتقادي ـ الهجمة الشرسة التي شنوها ضدّ البحرين بعد إساءة وزير خارجيتها لمقتدى الصدر، بدعوى نصرة الأخير، وهي محاولة لدق الأسفين بين الطرف العربي وأحد أبرز المساهمين بإعادة العلاقات العراقية الخليجية.

لا يُعول على هذه الحجج في ترسيخ فكرة لدى عامة الناس بضرورة أن يقف العراق مع إيران إذا ما أصاب الأول ضررًا اقتصاديًا أو عسكريًا جراء ذلك الموقف. وظني أن المخزون العاطفي "العقائدي أو الشعور بالامتنان" تجاه إيران في تراجع مستمر منذ سنتين على الأقل، واستخدامه في مثل هذه المواقف سيستنزف ذلك المخزون حتى في داخل الجماعات الموالية إلى حدٍ كبير.

لا تُمحى مفردة "حصار" من ذاكرة العراقيين، بمآسيها وذكرياتها المؤلمة، وقد يصب ذلك في صالح الموالين لإيران في خطاب استنهاض العواطف لصنع رأي عام ما؛ لكن الأمر لا يتعدى التعاطف حسب رأيي فيما يخص الأغلبية الشعبية، وإذا ما تعرض الجنوب العراقي إلى تدهور في الوضع الاقتصادي فلن تكون الأوضاع أفضل مما شهدته البصرة في صيف العام الماضي، وظني أن ذلك لا يخفى على "العقلاء" في هذا الطرف.

إذا ما تعرض الجنوب العراقي إلى تدهور في الوضع الاقتصادي فلن تكون الأوضاع أفضل مما شهدته البصرة في صيف العام الماضي

يَستخدم المنتمون لهذا المعسكر عبارة "المصالح المشتركة" وعلى رأس تلك المصالح استيراد الغاز من إيران وهو أمر يتعلّق بمسألة تهم العراقيين بشكل كبير: الكهرباء في صيفهم اللاهب. ويُمكن استثمار ذلك في التحشيد ضد الولايات المتحدة إذا أقدم هذا المعسكر على لعبة مزدوجة: تعطيل الاستثمارات السعودية في مجال الطاقة وتحميل الأمريكان سوء الخدمة الكهربائية. وبغض النظر عن نجاعة هذه اللعبة، فهل يُفكر هؤلاء بنتائج إنعاش المناطق الغربية وإقليم كردستان بالكهرباء من خلال استثمارات خليجية مقابل تدهور للكهرباء في الجنوب؟ ـ هذا احتمالٌ وارد.

اقرأ/ي أيضًا: صراع السعودية وإيران في العراق.. لعبة محصلتها صفر

انهيارٌ جديدٌ للوحدة الوطنية وتعزيز للطائفية، مع انقسام داخلي في المناطق الشيعية. هذه النتائج الممكنة إذا ما حدث السيناريو أعلاه.. ولا أعرف إن كان يهمهم ذلك. وبكل تأكيد فاستثناء العراق مجددًا من منع استيراد الطاقة من إيران هو مطلب لهذا المعسكر؛ لكنه مرة أخرى لا يعني أن العراق "مسك العصا من المنتصف"، بل يعني جعل "بعضُ العراق" ثقبًا تتنفس منه إيران، دون أن تُحيي تلك الأنفاس جسدها المريض بسبب العقوبات، كما لا يؤدي هذا الأمر إلى اعتماد على العراق على إنتاج وطني محلي في مجال مشتقات النفط والكهرباء وغيرهما.

الحديثُ عن المصالح العليا للدولة، ومسك العصا من المنتصف، يتطلب معرفة دقيقة بمدى الاستفادة والضرر من الموقف الذي نتخذه. ودون حساب زوايا المصلحة بالمسطرة والقلم كما يقول العراقيون سيمسك العراق شكليًا "العصا من المنتصف"، لكنه عمليًا سيتعرض لاستنزاف من كلا الطرفين.

ومن السطحية أن نكون واثقين ونحن نطلق رأيًا حول الجهة التي ينبغي للعراق أن ينحاز لها دون حساب المصلحة بدقة، ومعرفة إمكانية الطرف الآخر على إيذاء العراق، وكيف سيؤثر الطرف المُتضرِّر على أرض الصراع "العراق"، من الناحية المرحلية، وكذلك الاستراتيجية.

إن الحديثَ عن انحياز العراق لطرف ما يتطلب ابتداءً معرفة المكاسب والخسائر لا على المستوى الاقتصادي فقط، أو الأمني فقط، أو السياسي فقط. لا بدّ من أخذ كل المفاصل في عين الاعتبار والخروج بمشروعٍ من "تزاوج" الملفّات أعلاه، وهنا سنعود إلى ما بدأنا به، فكل ما يُقال أمور نظرية فحسب؛ أما تطبيقها فيحتاجُ إلى ثلاثة شروط: غاية وطنية، إرادة صلبة، عقل منفتح وبراغماتي.

يُمكن حل تلك المعضلة دون هذا العناء: ترك القرار للآخرين والسماح لهم بتدمير العراق أو تقسيمه. ووجود فئة سياسية من النوع "الطفيلي" يُساعد على ذلك، وقد يكون حلًا مناسبًا لجميع الأطراف، عدا العراق، الدولة.

وقد يسأل سائل في نهاية الكلام، لا الانحياز إلى طرف في الغرب والشرق مفيد، ولا المنتصف ممكن، فما الحل؟ ـ ليس الانحياز بذاته مؤذٍ، بل الانحياز دون اعتبارات المصلحة الوطنية، كما أن مسك العصا من المنتصف ليس سهلًا بالمرة، لكنه يتطلب ابتداءً معرفة الآليات الممكنة والنتائج المرجوة من هذا الموقف، كما أن القرار الوطني لا ينحصر باتخاذ موقف معين. المنحازون وغير المنحازين ليسوا عملاء بالضرورة إذا ما طرحوا خطة لإنقاذ البلاد من هذا الصراع.

ليس الانحياز بذاته مؤذٍ، بل الانحياز دون اعتبارات المصلحة الوطنية، كما أن مسك العصا من المنتصف ليس سهلًا بالمرة، لكنه يتطلب ابتداءً معرفة الآليات الممكنة والنتائج المرجوة من الموقف

إنها معادلة صعبة ودقيقة، ويجب إدارتها من الأطراف التي "تعي وتعمل" على مصلحة العراق ـ إن وجدت ـ بطريقة سياسية علمية خالية من العواطف.

لا بد أن يستمر المتمسكون بـ"مسك العصا من المنتصف" بموقفهم هذا من خلال الخطابات والتصريحات والعمل على الأرض، بشرط واحدٍ فقط: أن يتبنون موقف الحياد دون قناعة أن ذلك ممكن التحقيق وبالتالي التصرف سياسيًا على أساسه دون النظر للمعطيات. الإيمان بإمكانية أن يقف العراق على الحياد يترتب عليه العديد من المواقف والأفعال التي تضر بالعراق ومصالحه.

والاستمرار بهذا الموقف لهدف واحد فقط: جر طرفي الصراع في الداخل إلى المنطقة الوسطى. الأمل من ذلك هو تبلور مشروع وطني قوي في قادم الأيام يُمكنه أن يجعل العراق رقمًا صعبًا في معادلة أمريكا ـ إيران. 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

العراق ساحة صراع مجددًا.. هل سنشهد مواجهة أمريكية -إيرانية؟

السفارة الأمريكية تهاجم خامنئي.. التوتر سيد الأجواء في بغداد