صراع المحاور ووعي الاحتجاج العراقي

صراع المحاور ووعي الاحتجاج العراقي

أمام الشباب المتظاهر في العراق تحديات كبيرة تتعلّق بصراع المحاور في البلاد (Getty)

لسوء حظ شعوب الشرق الأوسط أنها تعاني صراع المحاور على الصعيد الاستراتيجي، فهي في منطقة النار التي لا يخمد لهيبها لحظة، ولكون منطقة الصراع هذه غير محسومة نتيجة الإصرار العنيد عليها لأسباب ستطرح لاحقًا، فإنها كما يبدو ستبقى ملتهبة، حصيلتها مكاسب لأطراف الصراع وخسائر فادحة لمنطقة الصراع نفسها، فهل لبنية الاستقطاب الإقليمي من دورٍ رئيس في أزمة مشروع العراق الجديد (ما بعد ٢٠٠٣م)؟ وكيف يتم استيعاب كل الأزمات في مخروط هندسي عنوانه الرئيس "صراع المحاور"؟ وما هو تفسير مجازر السلطة بحق المحتجين في العراق؟

تحاول دول الصراع إفراغ المنطقة من خصوصياتها لتعيش هوية غير هويتها، فبين موالٍ لطرفٍ ومعادٍ لآخر وما يستتبعه من انكفاء وجودي

يعتقد المفكر المغربي محمد عابد الجابري بأن الوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية هو سكين في خاصرة أي ديمقراطية عربية ممكنة، ويعني بذلك أن الكيان الإسرائيلي خلخل التطور  الطبيعي للشعوب العربية، بخلاف الشعوب الأوروبية التي تطورت بعيدًا عن إكراهات النموذج الكامل، فتجد العربي يعادي مكتسبات الحضارة الغربية نتيجة اختزالها ببعدها السياسي الاستعماري، محاولًا الركون إلى هويته الماضية التي ليس لديه غيرها، فيتمسك بطريقة أصولية بالإسلام، فحاضره الذي يفرض عليه التعامل النقدي مع الآخر الغربي والأنا التراثي في الحالة الطبيعية، لا مجال له هنا، وإنما معادلته هي: استبعاد الغربي كعدوٍ، واستدعاء الإسلامي كحرفية سلفية بالمقابل.

اقرأ/ي أيضًا: "الدولة المستقيلة" في العراق

مفارقة مشاريع التنمية العربية ما بعد الفترة الكولونيالية، أنها منطلقة من ضغوط الدول الغربية، حيث العولمة التي تهمش من لا ينطوي تحتها، وهذا سبب عدم إنجاز أي مشروع منها، إذ يقتضي الإنجاز وجود أرضية وبيئة تسمح بذلك، مما أدّى إلى نوع من التعسف التطبيقي المقيت، حيث الاستيراد النظري والعجالة التطبيقية، وهنا تكون المآلات عكس الأمنيات المعلنة، وذات مرة لخص المثقف والشاعر السوري أدونيس بنية الصراع على الشعوب العربية، بكون الأخيرة تقع في منطقة مغرية من الموارد والنفوذ، وهو تشخيص صائب يلخص الموجهات البنيوية لدول الصراع، لكنني أضيف إلى الموارد المغرية، بأنها منطقة سوق استهلاكي لمنتجات الغرب، وهذا ما يجعل الدول العربية غير منتجة ولا فاعلة بسبب البقاء على ثقافة التراث  في جانبه السيئ والتعبوي لا الفكري الخلاق، وذلك من أجل تأكيد الهوية بطريقة مشوهة كرد فعلٍ على تهديد الهُوية من قبل أقطابُ الصراع.

تقتضي الاستقلالية الوجودية فاعليةً إنتاجية على الصعد كافة، وتجعل الشعوب تغادر التقوقع في سوق استهلاكي، فيما يخص الإنتاج الثقافي أو الاقتصادي على حد سواء، والعكس صحيح أيضًا وبالتمام.. ولهذا تحاول دول الصراع إفراغ المنطقة من خصوصياتها لتعيش هوية غير هويتها، فبين موالٍ لطرفٍ ومعادٍ لآخر وما يستتبعه من انكفاء وجودي، تكف الهوية الوطنية الرئيسية عن السيادة وتبدأ بالتراجع أمام الهويات الفرعية المستفحلة في نفوس شعوب منطقة الصراع.

إذًا، تعبّر الأصولية عن قلق الحضور في الواقع الراهن، ليتم استدعاء الماضي بشكل أحادي أيديولوجي مدمر، فهي - أي الأيديولوجيا - الطريق الخطأ لغايةٍ مشروعةٍ، غاية حضور الواقع، لكن ما الحيلة والنار مشتعلة تطبخ عليها مغذيات دول المحور والرماد حصيلة الشعوب العربية؟ إذ أنك محكوم بالانفصام عن خصوصيتك الحضارية لتكون منقسمًا بين هذا وذاك، في حلب الموارد، أو ميدان السيطرة، أو سوق الاستهلاك، ويا ويل من تسوّل له نفسه التفكير خارج النسق السائد، لتتلاقفه التهم من كل حدبٍ وصوبٍ!

لا يحصل تطور في أي دولةٍ ما إلا إذا كانت من إحدى دول المحاور أو تحت سيطرة محور ما بالكامل، ولكون المحاور قليلةً، وذلك مقتضى طبيعة الصراع الذي يحاول دائمًا حصر المنافسين في أقل عدد ممكن، لا يكون أمام منطقة الشرق الأوسط/منطقة الصراع إلّا أن تكون ضمن محورٍ بالكامل، وإلا ستكون متأرجحةً بين استحالة الاستقلال وواقع التمزق بين الأطراف.

اقتصاد الدولة العراقية "ريعيًا" يكون بيد السلطة الحكومية، وليس قطاعًا خاصًا يتيح المجال لتنوع مصادر الدخل والسيطرة ويحرر الناس من عبودية الدولة كشرطٍ لأشغال وظيفة ما

تحاول دول المحاور التغلغل إلى عمق أي دولة، ليس من خلال القوة المادية فحسب، بل عبر وسائل الإقناع والإنهاك الذهني لشعبها، حيث الشعبوية ترادف الاستحمار، المصطلح المفضل للمعلم علي شريعتي. والشعبوية هي أساليب التأثير في وعي عامة الناس من نقاط ضعفهم مستثمَرًا لصالح المستفيد. فهي إذًا أيديولوجيا تزييفية على حدّ سواء مع ايديولوجيا الرأسمالية، التي تقتضي إقناع الطبقات الكادحة بالقيم الدينية لأجل إدامة الوضع القائم دون المساس بثروة الرساميل الهائلة.

اقرأ/ي أيضًا: الثابت والمتحوّل في احتجاجاتنا: دروس للمشرق العربي

وهنا وصلنا إلى بنية اقتصاد الدولة، وخطورة تغذيته لطرفي الصراع على حدّ سواء، فاقتصاد كالاقتصاد العراقي، هو نموذج رهيب لهذا الامتثال المزدوج، تغذية الطرف الأمريكي الذي ينظر إلى العراق كبقرةٍ حلوبٍ لا بد من السيطرة عليها، والطرف الإيراني الذي ينظر إلى العراق كميدان حرب بالوكالة وأداة لتحييد النفوذ الأميركي.

كل سلطةٍ لها أيديولوجيتها، لكونها تنطلق من مسعى المحافظة على الوضع القائم، مهما كانت ثورية وراديكالية أو انقلابية رجالها قبل تسنمهم السلطة، وهذه الأيديولوجيا تفرض نفسها بقوة الإقناع الشعبوي، أساليب المكافئة والمعاقبة، حيث انتشار "ثقافة السلطة"، وهنا يأخذ الاقتصاد دوره في تمثيل الأيديولوجيا ليبسط قوة السلطة في السيطرة والتحكم بمقدرات الشعب من جميعِ الجوانب الممكنة.

اقتصاد الدولة العراقية "ريعيًا" يكون بيد السلطة الحكومية، وليس قطاعًا خاصًا يتيح المجال لتنوع مصادر الدخل والسيطرة ويحرر الناس من عبودية الدولة كشرطٍ لأشغال وظيفة ما، بذلك ينعدم وجود منظمات المجتمع المدني، نتيجة فقدان الاستقلالية في الدخل وفقدان القوُّة في التأثير، لتتطاول السلطة في قوّتها مسخرةً مثقفيها في إدامة وجودها وتعاقب معارضيها أشد معارضة.

هذا الوضع مناسب لأيديولوجيا شعبوية تحاول السيطرة "أصوليًا" على وعي الشعب، وهو ما يرمي إليه الطرف الإيراني، وهو كذلك مناسب للمحور الأمريكي الذي يحاول التأثير على بعض أفراد السلطة ليحصل على موارده ومحيّدًا لمنافسه الإيراني في صراع مرير يدفع ثمن العراق نفسه. إنَّها المعجزة العراقية الفريدة، اقتصاد أحادي البنية تديمه صراعات أطراف متنوعة.

لا يقتنع أي مسؤول عراقي بخدمة الشعب، إذ أن هذا مخالف لغايات دول المحور، فالقاعدة هي: النهب والسيطرة قدر الإمكان، وليحصل ما يحصل للعراقيين

ولهذا السبب لا يقتنع أي مسؤول بخدمة الشعب، إذ أن هذا مخالف لغايات دول المحور، فالقاعدة هي: النهب والسيطرة قدر الإمكان، وليحصل ما يحصل في الشعب العراقي. كذلك - بالتبع منطقيًا - لا يفكر أيّ مسؤول بتطوير القطاع الخاص عبر استغلال ما يدرُّه المورد النفطي من أموال، بحكم كون المورد النفطي له أمد ما وينفد ومحكوم بتغيّر الظروف التي لا يمكن ضمانها على الأمد البعيد مطلقًا، لكون هذا التطوير سيحيّد من سيطرة القطاع العام، واستتباعاته السلطوية سالفة الذِّكر.

اقرأ/ي أيضًا: نريد وطن!

وبلغت الشعبوية سيطرتها الفريدة من خلال اقتصاد البلد حين وصلت السلطة الحكومية إلى قمع شعبها وليس مجرد التغافل عن خدمته أو إسكات المثقفين بطريقة ناعمة/ضمنية، إنها دكتاتورية قمعٍ صريحٍ وعلنيّ وذات تبريرات واهية مضحكة تكذبها تصريحات أيّ مسؤول بعد استقلاله، ويساعد على هذه التبريرات ما لحق بالمجتمع من تزييف للوعي جعله يستقبل هذه التبريرات ويعيد إنتاجها ليمارس قمع المحتج معنويًا نيابة عن المسؤول.. وبذلك، هل من شك أننا في محنة الصراع القطبي نتنفس الموت الحي من جميع الجوانب، ولا مخرج لنا سوى الوعي بالأسباب والكيفيات، التي شرحنا بعضا منها باختصار، كخطوة أولى في ثورة ناعمة بطيئة شرارتها الاحتجاج العراقي الحالي؟

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"لا علمانية ولا دينية".. عراقية هويتها الحقوق!

ثقافة السلطة تحت مطرقة الاحتجاج