ضياء جبيلي.. عنفٌ أقل في أرض الأسئلة

ضياء جبيلي.. عنفٌ أقل في أرض الأسئلة

ضياء جبيلي (فيسبوك)

الترا عراق - فريق التحرير

في مجموعته القصصية "لا طواحين هواء في البصرة" (دار سطور، 2018)، لا تغيب الحرب عن قصص الكاتب والروائيّ العراقي ضياء جبيلي الذي يبدو في هذا العمل منشغلًا بكلّ الحروب التي مرّت على العراق، لكن بإيجازٍ شديد هذه المرّة، وبأقلّ ما يُمكن من العنف، مع أخذه بعين الاعتبار نتائج وخلفيّات الحرب، الاجتماعية والنفسية، وتأثيرها على الفرد العراقيّ.

يتحوّل العراق، في مجموعة ضياء جبيلي القصصية "لا طواحين هواء في البصرة"، إلى أرضٍ للعجائب

قصص قصيرة وأُخرى قصيرة جدًا، تكاد لا تتجاوز نصف صفحة، ولكنّها، عبر الرمزية التي احتشد بها النص، ووزّعها الكاتب بين أفكاره، تضع القارئ إزاء مساحاتٍ كبيرة من التأويل، وبالتالي، إعادة قراءة النص بصوره المتعدّدة. 

اقرأ/ي أيضًا: "أسد البصرة".. نمذجة الشخصية العراقية

يُحاول الكاتب العراقيّ بذلك أن يضمن قصصًا تخلو من العنف بصوره التي عَرفَها القارئ العربيّ في الأدب العراقيّ في السنوات الأخيرة. لا دماء أو أشلاء أو مجازر أو انفجارات في القصص. أمّا الموت، فيجري تناوله بصورةٍ ساخرة، وبأريحية كاملة، كأنّك تتعامل مع كائن بشريّ من لحم ودم، فتبدو شخصيات القصص متحرّرة من أثقاله بشكلٍ كامل، ما ينعكس بالضرورة على الطريقة التي يتعامل فيها القارئ مع النص، والحيرة التي تصيبه لجهة الشبه الحاصل بين سلوك الموت وسلوك البشر، حيث من الممكن ألّا يجد ذلك الفرق الكبير. ويُمكن للقارئ لمس الدافع وراء طرح الموت بهذا الشكل، الموت الذي يخطف حياة مُبارك عبر تطييره في الهواء، وحياة جمال بذوبانه كفصّ ملح، هو الذي ولِد بجلدٍ ملحيّ غريب، وخضّوري الذي تنبأ التجشؤ بموته؛ وهو نزع كلّ الصفات التي تجعل من الموت حدثًا مكروه وغير مرحّب به بين العراقيين. ومن ثمّ الاشتغال على ترويضه ليكون حدثًا مُعتادًا لا يثير الحزن أو الغضب ومشاعر الكره، كما لو أنّه أحد أفراد الأسرة العراقية تمامًا، لا ضيفًا ثقيلًا.

يتحوّل العراق في قصص من قدّم "المشطور" إلى أرضٍ للعجائب. أو أنّ الكاتب يريد القول إنّ العراقيين فقدوا عقولهم، أو يكادون، بفعل الأهوال التي سبق وأن اختبروها، إن كان ذلك في الأمس أو اليوم. هكذا يصير من الطبيعي أن ينهض فصيل جنودٍ كامل من مخلّفات الحرب العراقية – الإيرانية من أرض مزارع قام باستصلاح الأرض، بعد أن كانت ملحيةً لا تصلح لأي شيء. لم يكن مشهد نهوض الجنود مثيرًا أو مخيفًا للفلاح البصراوي، أو على الأقل، مُستغربًا. ولم يبدِ أية ردّة فعل من الممكن أن تكون متوقّعة عند القارئ. بل، وعلى العكس تمامًا، أظهر للجنود مدى انزعاجه من نفسه على ما فعله، وحاول تبرير الأمر، ورجاهم أن يعودوا إلى الأرض، غير أن الجنود كانوا مصرّين على الرحيل، مبرّرين الأمر بأنّ الأرض حين كان مليئةً بالملح، كان لموتهم طعم، أما الآن، فصار دون ذلك. في قصّة كهذه يريد جبيلي أن يُشرك القارئ في عملية السرد، بحيث لا يكتفي بالقراءة فقط، وإنّما يتخيّل مشهد نهوض جنودٍ مضى على موتهم سنواتٍ طويلة، ومن ثمّ المغادرة بحثًا عن أرضٍ أخرى. أن يتخيّل ملامح المزارع أمام مشهدٍ كهذا، وأن يتساءل عن ردّة فعل الآخرين. يريد من القارئ أن يُفسّر ويحلّل ويكمل أو يقتطع من النص بالشكل الذي يراهُ صحيحًا في نظره.

في قصصٍ أخرى، يتناول ضياء جبيلي الحرب في مجراها اليوميّ. تغيب قليلًا بشكلها المُباشر، ولكنّ علاماتٍ وإشاراتٍ عدّة تظلّ تُشير إلى احتمال أن تكون موجودة في مكانٍ ما بالقرب من أرض الحدث، حيث تدور حكايات تتحدّث عن الحب ومعاناة الأمّهات وأحلام مجهضة لنساءٍ وأطفال وشعراء أيضًا. وبما أنّ الحرب لا تزال حاضرة، ترمّل امرأة وتيتّم طفلًا وتبتكر جوًّا يحتشد بالغرابة، قد لا يجد القارئ ما يُضحك في قصص الكتاب، ولكن، في الوقت نفسه، يستطيع أن يتلمّس فكاهةً مريرة يتجرّعها منذ الصفحات الأولى، وحتّى الأخيرة، دون انتباه.

يُلقي ضياء جبيلي على كاهل القارئ مهمّة العثور على الأسئلة لا الإجابات

كتب ضياء جبيلي مجموعةً قصصية تتفاوت في الحجم والجودة، وبمواضيع اجتماعية متنوّعة أيضًا، بحيث تصير كلّ قصّة ناطقةً بشجن الإنسان العراقيّ حيال الأزمات التي يختبرها بصورةٍ يومية. ففشل العلاقات العاطفية على سبيل المثال يعود إلى الحرب التي أحدثت تحوّلات كبيرة في بنية المجتمعات العراقية، وغيّرت من تركيبتها بما يعقّد أمور عدّة تكون مسؤولة، على سبيل المثال، عن فشل تلك العلاقات. وتخيّل بعض الشخصيات لمشاهد عجائبية يضع أمامنا مُباشرةً تفسيرًا مفاده أنّ هذه الشخصيات قد قفدت عقلها، وأيضًا بفعل الحرب.

اقرأ/ي أيضًا: ضياء جبيلي.. جائزة وثلاثة كتب

لا تحضر الحرب هنا إلّا لتُجيب على أسئلةٍ لا تُطرح في السياق الذي يحمل الإجابة، وإنّما تسبقهُ بعدّة صفحات. هنا، يُلقي الكاتب على كاهل القارئ مهمّة العثور على تلك الأسئلة لا الإجابات، ومن ثمّ الربط بين قصص أجزاء الكتب التسعة: حروب، حب، أمهات، الشريط، نساء، أطفال، شعراء، متفرّقة. ويصير من الممكن إرجاع أي أزمة من أزمات القصص إلى أصل كلّ أزمات العراق، أي الحرب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة ضياء جبيلي

ضياء جبيلي: البصرة مدينة حكايات مستمرة