طوق أعناق الفتيات في الاحتجاجات.. كيف تحول

طوق أعناق الفتيات في الاحتجاجات.. كيف تحول "اليشماغ" إلى رمز للتمرد والثورة؟

أصبح "اليشماغ" رمزًا للاحتجاجات العراقية (Getty)

خلقت انتفاضة تشرين رمزياتها الخاصة في طرق التعبير والأزياء، ووسائل الظهور، وبما أن أغلب المتظاهرين هم من الشباب ويتحركون بملابس عصرية يجري تحويرها لتنسجم مع المهمة التي تتطلب الركض والهروب أحيانًا، والتخفي في أحيان أخرى، وفي الغالب، تكون الملابس خفيفة وبأحذية رياضية لسهولة الحركة والجري عند حدوث أي حالات هجوم تقدم عليها القوات الأمنية، لكن أبرز المظاهر في الاحتجاجات، كانا العلم العراقي واليشماغ العربي، أو ما يسمى "الكوفية".

الشباب من كلا الجنسين بدأوا يرتدون اليشماغ منذ بداية الاحتجاجات وهو ما رآه مراقبون لإثبات الهوية العراقية أمام هيمنة الرمزيات الخارجية

تقول الكاتبة شهد الراوي إن "المظهر المريح والفضفاض شكل جزءًا من الأزياء الاعتباطية للثوار، مبينةً "يأتي العلم العراقي ليجعلها مبهجة ثم يزينها كمّام الوقاية من دخّان القنابل المسيلة للدموع، فيما تتحرك الفتيات المسعفات بصدريات بيضاء وجينزات واسعة، بعيون عطوفة وسط زحمة المركبات التي يطلق عليها التك تك".

اقرأ/ي أيضًا: المرأة العراقية في الاحتجاجات.. مسعفة ومتظاهرة ومهدّدة

‏أضافت الراوي، أنها "صورة مختلفة عن الحياة اليومية لمدينة بغداد على سبيل المثال، عالم جديد يتأسس في ساحات التظاهر ونوع من الهوية الوطنية يستنهض من أعماق النفوس ترافقه صناعة التظاهرات في العراق، وهي ليست تحديًا للنظام السياسي المتهم بعدم الولاء لبلده وبفساده الذي جاوز كل حدود الخيال فقط، بل هي محاولة لرسم صورة أولية للعراق الذي يقترحه هؤلاء الشباب".

النساء العراقيات اللواتي يحضرن للاحتجاجات بشكل مستمر، مع الرجال، بدأوا بارتداء اليشماغ كرمز وطني للتظاهرات، وهو ما رآه ناشطون أن الماضي ما زال حيًا في نفوس هذا الجيل، وكأنهم يعودون إلى جذورهم دون أن يعوا ذلك، بالإضافة إلى أنه جزء من إثبات الهوية العراقية قبالة الرمزيات الطائفية القادمة من خارج الحدود، وفي كل المحافظات العراقية أصبح اليشماغ رمزًا من رموز الاحتجاج.

ولم يقتصر الأمر على الفتيات الحاضرات في التحرير، إنما يصل إلى الطالبات في الجامعات، إذ لأول مرة في بغداد والمحافظات الجنوبية، ومنذ عقود طويلة، تنطلق مسيرات طلابية بإرادة الطلبة أنفسهم دون أن ينتظروا توجيهًا عشائريًا أو طائفيًا كما يقول أحد الطلبة، والعديد من الطالبات، شاركن بمحافظات مُختلفة بالإضراب عن الدوام الرسمي، وخَرجن في تظاهرات انطلقت من مدارسهن والجامعات رغم تهديد وزارة التربية، مُطالبات بـ"استعادة وطنهن"، أسوة بالشباب، كما أن الطلبة، ارتدوا اليشماغ في مسيراتهم.

صفا محمود، وهي طالبة في جامعة بغداد، نظمت مع مجموعة من الطالبات وقفة احتجاجية، وتستذكر أول وقفة داخل الجامعة في نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر، وتقول لـ"ألترا عراق"، "كان أمرًا محزنًا بالفعل لأني أجبرت على إخفاء العلم العراقي لتجنب مصادرته من قبل أمن الجامعة، لقد قالوا ممنوع الهتافات الطائفية داخل الحرم الجامعي، بالرغم من أن الهتافات كانت وطنية خالصة وفي سياق التظاهرات، وإلى هذا الوقت أنا مستمرة بالاعتصام الطلابي"، فيما أشارت إلى أن "الطلبة يرتدون اليشماغ لأنه رمز الانتفاضة وللتضامن مع الشباب في ساحات الاحتجاج". 

ودائمًا ما تعرض مشاهد التظاهرات وجود اليشماغ، مع العلم العراقي، وبهذا تروي زهرة عبّاس، وهي إحدى المتظاهرات في ساحة التحرير لـ"ألترا عراق" عن سردية العلم كما تحدث أحد أصدقائها عنه، تقول إنه "في بداية التظاهرات بالقرب من مستشفى الجملة العصبية، عندما كانت السلطات تقتل المتظاهرين بصورة عشوائية بالرصاص الحي كان شابًا يحمل العلم العراقي ويرفرف به، كلما سقط متظاهرًا برصاص السلطة يركض آخر ويحمل العلم بدلًا عنه ثم يُقتل ويتبعه آخر وهكذا، مضيفة "أثناء الحرب عندما يحمل أحدهم العلم ويسقط  منه نتيجة موت حامله، فهذه إشارة إلى خسارة الحرب، وهذا بالفعل ما كان المتظاهرون يفعلونه من دون وعي يركضون نحو العلم يحملونه  ويرفرفون به إلى أن يتساقطوا  كحبات المطر ويبقى العلم".

أضافت عبّاس "لطالما أحسست بروحي مُغيبة ولم أشعر بالانتماء لهذه البلاد، مستدركة "لكن خروجي إلى ساحة  التحرير جعلني أشعر بوجود شعب حي وروح وحياة، وأشعر بالفخر  بشبابنا وبهذا الشعب، ذاته الفخر بكوني انتمي لهذا الجيل وبعراقيتي".

اتخذ الشباب من اليشماغ الرمز التاريخي الذي يمتد من ثورة العشرين إلى انتفاضة تشرين، كما يرون أنه رمز التمرد ضد الأنظمة الحاكمة وفيه رمزية تحررية فلسطينية

كان اليشماغ العراقي أو ما يسمى بـ"الكوفية"، حاضرًا في كل مكان، وهو يزين رقاب النسوة والشباب في التظاهرات، متخذين منه رمزًا للثائرين منذ "ثورة العشرين إلى انتفاضة تشرين"، بحسب أحد المتظاهرين، والذي يقول إنه "رمز التمرد ضد الأنظمة الحاكمة بأبعاده الثقافية المستمدة من المحيط المُجتمعي العربي، خاصة الفلسطيني منه، ونُظمت فيه قصائد وأغانِ مما جعله رمزًا لا تكاد تخلو منه أي حركات ثورية أو تحررية عربية".

اقرأ/ي أيضًا: ساحة التحرير.. روح الفريق قيادة للاحتجاجات!

تقول إحدى المتظاهرات، وقد رفضت الكشف عن اسمها "خوفًا من الاختطاف"، كما تقول، إنه "في احتجاجات تشرين كان للمرأة دورًا متميزًا، وأثبتت مكانتها في حين تغيّب من ساهموا بتغييبها، ولذلك بالنسبة لي، وحين ارتديت الشماغ  كان لتوجيه رسالة مفادها هي نَحنُ قادة اليوم وغدًا لا نحتاج لأحزاب السلطة لإكمال ثورتنا، واليشماغ كان مثل العلم أو الهوية لإثبات انتمائي لهذه البلاد وهويتي العراقية فيه".

متظاهرة أخرى تواصل الحديث بجانب زميلتها في ساحة التحرير، وتقول لـ"ألترا عراق"، إن "الفرد منا يبقى أثره بتاريخه وتاريخ بلده الذي يضخ شعور الانتماء للأجيال، وهذا اليشماغ يمثل قطعة القماش الوحيدة التي تدل على تاريخنا وأصولنا الحقيقية الشامخة، لذلك ارتديه وأنا متجهة لساحات التظاهر".

لكن زهراء رسول، وهي متظاهرة من النجف، ترى أن ارتداء اليشماغ  أثناء التظاهرات كان أول تحدٍ لها في هذا المجتمع الديني المنغلق، قائلةً "لطالما كانت الفتاة في مدينتي تتلقى النقد وتحكمها العادات، مضيفة "عندما بدأت الانتفاضة نزلت إلى ساحة الاعتصام وأنا أضع اليشماغ تلقيت الكثير من الانتقادات، ولم اكترث لها، ثم بعد فترة أصبحت الفتاة التي تضع اليشماغ رمزًا للثورة والوطن، وهذا يعني أنني تمكنت من كسر هذه العادات وقطفت أول ثمار الحرية".

واتخذت نساء أخريات من اليشماغ كوسيلة للتخفي من عوائلهن الذين يرفضون انضمامهن والمشاركة في التظاهرات، ووجوهن دائمًا مغطاة بهذا اليشماغ أو العلم العرقي.

اما الشباب فكان لهم رأي آخر حول "اليشماغ"، فمن كان يرتديه في التظاهرات للوقاية أثناء الاختناق من الغازات المسيلة للدموع التي أطلقتها القوات الأمنية، أو للتخفي من "الميليشيات" خوفًا من التعرف عليهم وملاحقتهم، بحسب تعبيرهم.  

يقول علي سعدون، إن "اليشماغ يجعلنا ننظر للميليشيات والأحزاب الفاسدة بنظرة التعالي لأننا أقوى وأفضل منهم، فنحن أصحاب مبدأ وهم مجردون من المبدأ، والكثير منهم وصف شباب الاحتجاج على أنهم أتباع السفارات، فكان ارتداء اليشماغ لإثبات عراقيتنا وتمسكنا بتراثنا ورموز هويتنا الوطنية، فضلًا عن أنه يساهم بحماية بعض الشباب من الملاحقة". 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فتيات يغسلن ثياب المتظاهرين.. انتفاضة تشرين تصنع "المواكب الوطنية"!

إضعاف "ثورة القمصان البيض".. حملات لإطلاق رصاصة الرحمة على الاحتجاج