عاشوراء.. بين حسين الشعب وحسين السلطة

عاشوراء.. بين حسين الشعب وحسين السلطة

لا تزال السلطات الحاكمة تتعامل مع قضية الحسين كأنها محض طقوس (أحمد فلاح)

لم تكُن ثورة الإمام الحسين سنة 61 للهجرة، والتي تعد من أعظم الثورات وأكثرها مأساوية في التاريخ البشري ثم أصبحت سببًا في إلهام ثوار عديدين حول العالم، في منأى عن وعاظ السلاطين وخدمة البلاط، والذين عملوا بدورهم على تجريدها من محتواها ومضامينها العالية، وحرفها عن مسارها، الذي تمثل في محاربة الظلم والفساد وتحقيق مبادئ الحرية والعدالة.  

بدأت الممّارسات الرامية إلى مسخ القضية الحسينية بشكل منظم منذ عهد الدولة الصفوية ولا تزال السلطات الحاكمة في وقتنا الحاضر تتعامل معها كأنها محض طقوس 

بدأت هذه الممّارسات الرامية إلى مسخ القضية الحسينية بشكل منظم، منذ عهد الدولة الصفوية، والتي كانت بدورها تحيي شعائر الحسين بشكل طقوسي فقط، بهدف إلهاء العامة وتثبيط هممهم في المطالبة بحقوقهم المشروعة حتى وإن كانوا يرزحون تحت سياط ظلمها وجورها، ولا تزال السلطات الحاكمة في وقتنا الحاضر تتعامل مع هذه القضية كأنها محض طقوس لا أكثر، عن طريق استحضار الجانب التراجيدي في القصة والذي يقابل باللطم والبكاء، إلى آخره من الممارسات.

اقرأ/ي أيضًا: طقوس العزاء الحسيني.. "ارتباط روحي" تعكره السياسة والفوضى

لكن نتيجةً للوعي الذي تبلور وأخذت ثماره تينع في السنوات الأخيرة بسبب ارتفاع المد التنويري والقراءة العقلانية لقضية كربلاء، لم يعد يتعامل معها على إنها حادثة وقعت وانتهت، كما تريد لها السلطة ووعاظها، بل حصلت ممارسات تكسر هذه الدوغمائية، حيث تم التعامل مع شخص الإمام الحسين على أنه حيٌ ينبغي أن تطبق مبادئه العالمية والمتمثلة بمحاربة الظلم والفساد والمطالبة بالحقوق فـ "الحسين لا يحتاج إلى من يبكيه بل يحتاج إلى من يسير على دربه" كما يقول الدكتور علي شريعتي.

منذ سنة 2009 بدأت هذه الفكرة تتمظهر على شكل ممارسات بشكل واضح وتناقلتها وسائل الإعلام المحلية والعالمية بعد أن كانت حبيسة دفات الكتب، حيث أخذت المواكب التي تدخل حرم الإمام الحسين وأخيه العباس، ترفع شعارات تطالب بمحاكمة المفسدين، وتندد بالأحزاب الحاكمة فضلًا عن المطالب الأخرى المشروعة، ممزوجة بشعارات حسينية قديمة. ولا تزال هذه الشعارات موجودة إلى اليوم ولا تزال في تزايد، بعد أن تبنتها بقية المحافظات.

هذا الوعي الذي تشكل، تجسد على مختلف الأصعدة، فعلى مستوى الفنون، صار الإمام الحسين يُرسم وهو يمتطي صهوة جواده وخلفه نصب الحرية في بغداد، وهو المكان الذي تنطلق منه الاحتجاجات، متأهبًا لإعلان الثورة ضد الفساد.

ورسمة أخرى تظهر الامام الحسين وهو مكبل بالأصفاد وعلى يمينه تمثال السياب، في إشارة إلى إن الإمام الحسين لو كان مع متظاهري البصرة والذين يشربون الماء المالح فسيلقى المصير ذاته الذي لاقوه من السلطة الحاكمة.

الوعي الذي تبلور والذي تحول إلى ممارسة وعمل يعيد للقضية الحسينية مكانتها ومركزيتها ويخرجها من بلاط السلطة التي شوهتها وحرفتها عن مسارها إلى الفقراء

في زمن النظام السابق، كانت ممارسة الشعائر بحد ذاتها عملًا ثوريًا، يربك السلطات، فصدام كان يمنع الشعائر انطلاقًا من خوفه على كرسي الحكم، فكان يخشى ويقمع أي تجمع يرفع شعارات لا تتماهى مع شعارات حزب البعث المعروفة، حيث كان رجال الدين وقادة الأحزاب المعارضة، يحاولون قيادة الجماهير وتحريضها على الثورة عن طريق هذه الشعارات والتي تبرز بدورها هويتها المقموعة القابعة في المخيال الجمعي، فأصبحت المشاهد المقدسة آنذاك عبارة عن ثكنات عسكرية لم يتوان صدام عن قصفها بمن فيها، وحتى فتاوى مراجع الدين فيما يخص الشعائر كانت تصدر في هذا المنحى من قبيل وجوب المشي الى كربلاء والتطبير وغيرها فهم يرونها ترهب السلطة وتهدد وجودها.

لكن حينما نضع كل شيء في سياقه الاجتماعي والثقافي والتاريخي، نجد أن هناك بونًا شاسعًا بين اليوم والأمس حيث أن السلطة الحاكمة اليوم صارت تتعامل مع قضية الإمام الحسين بمثل تعامل الدولة الصفوية تمامًا، فالهدف منها هو الحفاظ على الحكم عن طريق دغدغة المشاعر الدينية وخلق أعداء وهمين يهددون الهوية المذهبية التي كانت مقموعة، لكن تلك الممارسات صارت تتداعى شيئًا فشيئاً كما أسلفنا، فصار هؤلاء المشغوفون بأداء الشعائر من الطبقة المحرومة يبحثون عن شعارات ومرتكزات وممارسات جديدة تتباين وتتقاطع مع ما ذهب إليه رجال السلطة ووعاظها والذين هم أيضا يؤدون الشعائر، ويذرفون الدمع، لذلك كانت مواكبهم وشعاراتهم ممزوجة بين التنديد بالسلطة الراهنة وأحزابها وبين استذكار الجانب المأساوي في قضية كربلاء.

لقد عمد رجال الدين الموظفون لدى السلطة، إلى جعل قضية كربلاء قضية تاريخية حدثت وانتهت في وقتها وأعطوها البعد "الفنائي" فقط، والذي ينفع الإنسان يوم القيامة فحينما تسقط دمعة من أحدهم فإنها كفيلة له بإطفاء نار جهنم، كما هو موجود في المدونة الشيعية والتي ترفل بمثل هذه الأحاديث والأفكار، وحينما يلطم صدره أحدهم تتساقط ذنوبه مثل تساقط أوراق الشجر، وهكذا أصبحت ثورة الحسين ثورة أفيونية لا علاقة لها بالواقع المعاش، وهذا يخدم السلطة بالدرجة الأساس باعتبار قضية الحسين تهيج الجماهير وتجيشها لكي تنخرط في النضال ضد الظلم والفساد وهذا ما يهدد وجودها،  هذا الخطاب الافيوني لم يعد مهيمنًا اليوم على أذهان الشباب بعد أن أدركوا أن الترديد "الببغائي" لتلك الشعارات لم يجدِ نفعًا، أضف إلى ذلك أن مكانة رجال الدين وخطباء المنبر تضعضعت وسقطت أقنعتهم وصاروا محط سخرية من قبل الناس.

اقرأ/ي أيضًا: رايات العزاء في "معاقل التطرف".. كيف يتفاعل "السنة" مع الطقوس الحسينية؟!

إن هذا الوعي الذي تبلور والذي تحول إلى ممارسة وعمل، يعيد للقضية الحسينية مكانتها ومركزيتها، ويخرجها من بلاط السلطة التي شوهتها وحرفتها عن مسارها، ويعيدها إلى الفقراء والمحرومين والمنكوبين والتي ترزح نفوسهم تحت ثقل المصائب، والذين من شأنهم أن يحولوا قضية كربلاء إلى ثورة تطيح بكل فاسدٍ وظالم كان سببًا وراء ما حل بهم، فأي قيمة للشعائر حينما يمارسها الظالم والمظلوم على صعيد واحد؟

حينما يعقد من ضاع نصف العراق بسببه، وارتكب من جرائم توازي جرائم النظام البائد خلال ثمان سنوات، المجالس ويحي شعائر الحسين، فهنا ينبغي السير عكس تلك الشعائر

فحينما نرى من ضاع نصف العراق بسببه، وارتكب من الجرائم ما يوازي جرائم النظام البائد، وأغرق العراق إبان فترة حكمه التي استمرت ثمان سنوات في دوامة من الفساد والفشل على مختلف الأصعدة، يعقد المجالس ويحي شعائر الحسين، فهنا ينبغي السير عكس تلك الشعائر تمامًا مثلما فعل الإمام الحسين حينما ترك شعائر الطواف بعد أن وجد الظالم والفاسد يؤديها حينها توجه الى وجهة أخرى.

وحينما تصبح شعائر الحسين تنديدًا بالسلطة الفاسدة وأحزابها، فإن الشعائر تميز بدورها بين الحُسين الذي تريده السلطة وبين الحسين الذي يريده المظلومون والمحرومون والأحرار، والذي لا تتوانى السلطة عن اعتقالهم وقتلهم إذا ما وجدتهم عقبة في طريقها، مثلما حصل بالفعل مع المواكب التي رفعت شعارت نددت بالسلطة وفسادها حيث منعت وهمشت من قبل رجال الأمن الذين أيضا يعقدون مجالس الحسين، وهنا من حقنا أن نسأل أي حسين ذلك الذي يحيون شعائر مصيبته؟!

 

اقرأ/ي أيضًا:

محرّم في بعده الاجتماعي.. "القيمة" في مواجهة الطائفية!

طقوس الشيعة.. "انتقام" الذات والتوظيف السياسي