عالم ما بعد الحداثة

عالم ما بعد الحداثة

(ماحي بينين/ المغرب)

في عالم يقف به رجل على النهاية، ينفث دخان سيجارته عكس الريح، فيبدو من الجانب الآخر أول الحريق، ولنفسه جمرة هزيلة تحتضر، علينا أن نحيا، ونلتمس الأمل من ضوء الشمس الساقط على الورد والدم، القصر وبيت الصفيح، الدولفين والمدمرة النووية، أن نشرب الشاي بسكر زائد ونقشعر حلاوة دون التفكير بحقنة الأنسولين، ونستلم الأجر مقابل التثاؤب لست ساعات في خمسة أيام اسبوعيًا.

يمكننا أن نصرخ في الفضاءات الواسعة

أن نشتم دبابة وطئت على الحديد والتراب، عجنت التراب بالزيت، وتركت في كل جسر يقطعه المحبون إلى حبيباتهم حفرًا لا تنسى، أن نسخر من حامل مفاتيح السجن بالقرب من مسدسه الشخصي، ونشغل فصلًا في مذكراته السرية أو صفحة أو هامش، نستفز حياءه بما يكفي لإسقاط مئة صورة لبنيامين فرانكلين على أرضية المكتب.

يمكننا أن نتحرر في منظومة الحرية المعاصرة

أن نمنح نساءنا إقامة في دولة اسكندنافية، يستبدلن فيها غطاء الرأس الثقيل بقبعة صوف خفيفة، ويستلمن معاش اللجوء أول الشهر، ويرافقن حيواناتهن الأليفة في الحديقة العامة، حيث يتجاهلن نظرات القوقازيين المشمئزة، ويحاربن الإسلاموفوبيا بالتعبير عن قرفهن من التراث، أو نمنح الرجال هواتف ذات كاميرات دقيقة ومعالجات فائقة السرعة، يبثون بواسطتها محاضرات عن البعد الديمقراطي في قبعة كلينت إيستوورد ورمزية السلام في مسدس ماغنوم المهشم للجماجم، أو نمارس حرية أبسط، باستبدال السرير الضيق بواسع، والاستمناء ليلًا على تأوه مايا خليفة في موقع إباحي مجاني.

ثم نحيا

فهذا عالم سهل

يمنح الحياة الأفضل لمن لا يفعل شيئًا

ففي هذا العالم

ثمة صحف لا يفسدها الشاي المندلق من الكأس المحمولة بيد ترتجف، فيها مقالات قصيرة وممتعة، عن امرأة وضعت 10 توائم في الهند، وكنغر نجا من حريق غابة في استراليا، وحوار مع صاحبة أغلى مؤخرة في العالم، وقصيدة بسيطة جدًا، تحرك مشاعرنا لبضعة ثوانٍ ولا تحرض رؤوسنا الخدرة من النوم نهارًا على التفكير، وفيها قسم للرياضة تحمل آخر أخبار سوق الرياضيين، وقسم للسياسة لا حاجة لنا به إطلاقًا.

وفي هذا العالم

ثمة متاحف لا تعرض للزوار شيئًا، فيها مطاعم فارهة وهواؤها نقي وبارد، وأرضها من الرخام الثمين. ثمة حضارات تُشترى، وتاريخ سريع الاستخدام، يُعبأ على بطاقات الذاكرة فائقة الحجم، ويعرض على شاشات ذكية. ثمة قرى صناعية وبحيرات صناعية وغابات صناعية وموسيقى تؤلفها الحواسيب ولوحات واقعية جدًا تدهش المتلقي بخلوها التام من المخيلة والرمز والتعبير.

وفي هذا العالم

ثمة حزن معاصر معدل بالفوتوشوب والآفترافكت، وبهجة مقولبة بمؤثرات سناب تشات، وغضب معلب بمئتين وثمانين حرفًا، وشبق مقوى بالفياكرا، وكآبة شرقية مكحلة بأساطير القوطيين الغربية، ووقاحة شقية تلاحق صور المعاقين والنساء في المنصات الافتراضية، وشجاعة مقنعة بالأسماء المستعارة، وقناعة معبأة بالسليكون، وفخر مسلٍ للغاية يُمارس بجلد الذات والبراءة من العرق والإيمان والهوية.

ما أسهل الحياة في هذا العالم

يمكنك أن تكون ملكًا أو بطلًا أو ثائرًا أو فنانًا أو محبًا

فقط بادعاء ذلك

إذن لنحيا

ونصد عن السلبيين الباحثين في الخراء عن الكرامة، عن المبالغين بتقييم الحقيقة، والصادقين المملين، بعيدًا عن الحروب الطويلة، والقضايا الخاسرة، والشعارات الكبيرة. بعيدًا عن المعاني المعقدة والرموز المركبة والطروحات المؤدلجة.

إذن لنحيا

كفئران بيضاء سعيدة

كخراف مبتسمة

كدجاجات غبية وناجية

لنحيا

دون أن نفكر بالأسباب

أو لنحيا دون أن نفكر أبدًا

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

طفلة داخل غيمة

قمر الزمرد

:دلالات