"عبد الله زريقة".. الحفر في جسد الكتابة والعزلة
1 يونيو 2026
تغيب عنا تجربة بهذا الحجم لشاعر مغربي ولم تلاق الاهتمام بالشكل الكافي في العالم العربي عمومًا؛ نحن أمام أثر فني ينحت جسد الكتابة ليعيد هدمها، يخترع أسلوبًا لتمرير لغة جديدة، لغة متغربة قائمة على تغريب الكلمة من رفيقتها.
العزلة كعنصر للكتابة
واحدة من أهم التجرب العربية في القصيدة المعاصرة؛ حيث إنه ابنها العاصي لها ومجددها. لم أقرأ لزريقة إلى الآن إلا "فراشات سوداء"، "حشرة اللامتناهي"، "سلالم الميتافيزيقيا"، "ضحكات شجرة الكلام"، و"فراغات مرقعة بخيط شمس". بحثت بعدها عن أعماله المتبقية ولم أجدها للأسف بسبب سوء التوزيع وعدم وصول بعض الكتب للقارئ العربي بشكل كافٍ، ولذلك اكتفيت بهذا القدر. إن تجربته الداخلية التي هي العزلة؛ فـ"زريقة" قليل الظهور، منعزل، إنه يهب نفسه للشعر والكتابة، فهو نفسه يقول: "لا أستطيع العيش في ضوضاء الجماعة فنفسي هي الأخرى لا أطيقها". اختار زريقة أن تكون تجربته باطنية، ليست عمومية أو ظاهرية في الفضاء العام، تجربة لا بوصفها انغلاقًا بل عزلة تطفح بالكتابة حتى تنفتح على الآخر من خلال قصيدته.
إن مفهوم العزلة مقترن بالكتابة، كما تحدث عنه موريس بلانشو، وذلك لأن "الكتابة هي الشروع في تأكيد العزلة". إن هذه العزلة التي اختارها زريقة هي عزلة وجودية للبحث في دواخل نفسه، والتفتيش عن الآخر الذي بداخله من خلال ممارسة الكتابة بالجسد لنحت جسد الكتابة؛ على الشاعر كتابة العزلة، كما يقول رامبو في رسالته إلى بول ديميني: "من يريد أن يكون شاعرًا، عليه بالمعرفة الكاملة لنفسه، يبحث عن روحه، يفتش عنها، يراودها، يتعلمها، ومتى عرفها كان عليه أن يثقفها".
همّ الكتابة
يمارس زريقة أخطر أنواع الكتابة، وإذا صحت التسمية عنها فهي "الكتابة ضد الكتابة" بوصف بلانشو؛ إذ نستطيع أن نلاحظ حالة اليأس والعجز من الكتابة، ورغم ذلك فإنه يحاول النقر بإبرة في جبل لتحطيم البنيات اللغوية التقليدية واختراع بنية أخرى من خلال وحشية النص، تفكيك الجسد، وسؤال الكتابة الدائم الذي لا يكف زريقة عن رميه في رأس الشعراء حتى يفتح ذلك الشواش لتجارب شعرية تنبثق من خلال رؤوسهم.
همّ الكتابة، أو الإعدام الجماهيري الذي يمارسه كل شاعر يكتب عن الشعر بصفته حالة صراع لانهائي، تدفع هذه الكتابة إلى العزلة؛ عزلة لأجل عالم بدأ يلهث وراء الماكينة، ولأجل ألا يكون جزءًا من هذه الماكينة يختار زريقة الغياب كعنصر أساسي للنص. إن الحفر في جسد العزلة ينقلب ليولد توحشًا في القصيدة، كل قصيدة تكلف الشاعر موتًا جديدًا داخل عزلته. نجد عند زريقة أن الشاعر المعاصر لم تعد مهمته سهلة كأسلافه؛ إن مشاكل العصر الحديث جعلت من الكتابة عند زريقة فعل مقاومة تجاه العالم، حيث الشعر هو فعل المقاومة الوحيد الذي يملكه الشاعر؛ أن يكون حالة وجودية أكثر منها عاطفية ووجدانية، أن ينهش من الكلمات وأن يصارع اللغة والآلة معًا.
الصراع مع الكلمة
يقول زريقة:
"انسَ لغتكَ
واترك لسانكَ
وحده يلوك لغةً أخرى"
لنتذكر هنا قول مارسيل بروست، إن "الكيفية الوحيدة للدفاع عن اللسان هي مهاجمته... كل كاتب يضطر أن يصنع لسانه بنفسه". ما يفعله زريقة في كتابته هو انبثاق من اللغة نفسها كلسان أجنبي، وهو ليس اللسان المستعاد كما يقول دولوز، وإنما صيرورة للغة. إن تذوق قصيدة لزريقة له مذاق غريب؛ حيث لا يكف دود رأسك عن الحركة، أو ذبابة تطن عند أذنك، وربما جرذ يخرج ليشوه وجهك، أو ذلك البياض الذي لا يكف زريقة عن اللحاق به: "بياض الكلمة"؛ الكلمة الأنقى التي تفيض ليخرج أحشاؤها وتبقى فارغة. يعيش زريقة داخل قصيدته بصراع دائم مع اللغة بوصفها كائنًا ناقصًا عاجزًا عن القصيدة؛ لأن القصيدة لا تكفيها اللغة، فبتلعت الشاعر لترميه بمعركة داخل رأسه؛ حيث الشاعر متغرب ولا وطن له إلا في داخل اللغة، وهذا الوطن يحاول تهديمه وإعادته وتهديمه مرة أخرى، هكذا يتلاشى الشاعر ليعيد خلق بطانة اللغة الداخلية. لا تخلو كتابة زريقة من الشرر "الفكري ـ الشعري" لتنقلنا إلى رؤية شعرية من خلال شعره نفسه، تنظيرًا جديدًا لقصيدة من ولادات ملتبسة "شعريًا ـ فكريًا"، كما يقول:
"وكتابة قصيدة كدخول
جهنم من باب الجنة"
من أيّ طينة تلك القصيدة؟
هكذا يقدم لنا المغربي الذي لا يشبه قصيدة مغربية، العربي الذي يخرج من كهف كل موروث وسلف، الذي كتب بالفرنسية وليس تابعًا لها، وكأن القصيدة عنده فعل انفلات من كل مسمى. وهكذا لنقل إن للشاعر الحق الكامل بأن يهجر عالمه متبنيًا مشاكله؛ لا نستطيع أن نأخذ تجربة زريقة بعيدًا عن عزلته، حتى قصيدته هي تكوين لعزلة في رأس القارئ، مساحة للاكتشاف وصلاة عاصية لربة الشعر. قصيدة زريقة هي عوالم تتشابك بين الشرق والغرب، هذه القصيدة الغير مكتملة التي تطمح إلى البياض، تلك هي قصيدته التي تحاول أن تكون هي، ولا تقدم نفسها كيقين ثابت أضاع سؤاله، بل هي سؤال ينفي الأجوبة خارج النص.
"سأبدأ بالبحر سأبدأ بالبحر
لأَصلَ إِلَى نُقْطَةِ مَاء وَاحِدَةٍ
وَبِاللُّغَةِ كُلَّهَا
لأَبْلُغَ كَلِمَةً وَاحِدَةً فَقَط
وبالكتابة
لأَصل إِلَى الْبَيَاضِ"
العراء الذي تستريح فيه نملة الكون
في قصيدة "العراء الذي تستريح فيه نملة الكون" من مجموعته "حشرة اللامتناهي"، يقدم لنا زريقة عريًا كاملاً للقصيدة، ويجرد العالم من ثيابه أمام العري الأكبر وهو الكتابة؛ تدخل متاهة العري وتخرج فلا تعود أنت. أمام عري القصيدة أو جسد تتشابك به رؤية الكتابة العارية والجسد العاري في هذه القصيدة؛ حيث الالتباس يجعلنا لا نعلم هل العري للقصيدة أم للجسد؟ ولربما القصيدة بوصفها جسدًا عاريًا.
أمام العري يكمن سؤال الجسد والكتابة؛ فدخول القصيدة عاريًا هو ما نبحث عنه هنا ليقودنا نحو مجهولنا، هو الجسد العاري الذي يكون موضعًا للسؤال ومحاولة الإحاطة به، لكن وضوح العري عند زريقة هو ما يصعّب مهمة أن نحيط به؛ حيث الكون يسكن عريًا، والمعرفة تنكمش في جلد بطن.
"العاري يرى نفسه
والجسد يشتهي
جسده
الجسد لا يعرف
من رسمه
الجسد يجهل نفسه
في لذة نفسه
اللذة تجهل نفسها
في لذة نفسها
والمعرفة هي جهل
اللذة بلذتها
وجهل الجسد بمعرفة
عريه
وجهل الورقةِ
ببياضها"
وللعودة إلى لحظة الصفاء، للعري في جلده، وللقصيدة في بياضها؛ لأن في العري:
"هي اللحظة الوحيدة التي يتساءل
فيها الجسد عن نفسه"
من خلال البعد الفلسفي للعري وبوقع جمالياته، يقدم لنا زريقة قصيدة تخترق زمان الأجساد ومكان إقامتها، ليدخل الجسد العاري كواحد من هذيانات القراءة، وعلينا أن نتساءل في قلب مركزيات الجسد عند العري كقوله:
"اليد هي وجه
الجسد العاري"
إن هذه القصيدة تفتح سؤالاً بوصف الكلمة جسدًا، والجسد العاري مجهولاً حول مفهوم العري بين مفهوم الكتابة والجسد، وبوصفهما لا ينفصلان عن أحدهما الآخر إلا بتجريدهما أمام العري نفسه؛ قراءة جمالية تقدم للقارئ الخلاق الأدوات التي تُحدث الخلل في القصيدة من خلال قراءته المختلفة في باطن العري.
الكتابة الشذرية خلقٌ بداخل القصيدة
لا تغيب الكتابة الشذرية عن زريقة بوصفها تكثيفًا وصدمة وشفافية للمحاولة في الظفر ببياض القصيدة؛ لا تنفصل ولا تتصل بالنص، يمكننا فصلها كنص قائم بذاته، ويمكننا وصلها بنصها الأصلي؛ حيث ترتبط بشبكة مع النص وتنفصل في الآن ذاته، لأنها شباك من جذور شجرة معمرة يدخلها زريقة إلى قصيدته لربطها حتى تنتظر لحظة انفصالها بيد القارئ ككاتب آخر للنص. يبتعد زريقة عن توابل اللغة المتكلفة أو الزخرفة؛ الكتابة للشذرة عنده لا تمارس الألاعيب اللغوية التقليدية، بل من خلال الشذرة ينجم عنها قصائد تكتب وتترجم من بين النص ذاته. بالطبع نستطيع أن نجد هذا عند العديد من الشعراء الذين يكتبون الشذرة داخل النص ذاته، لكن شذرة زريقة تعيش حريتها الشعرية بشكل أكبر في فضاء القصيدة.
نختار الآن بعض الشذرات المجتزأة من قصائد متفرقة للشاعر:
"حفروا يديَّ بين القصيدة والقصيدة"
*
وسترى أن الخوف هو الذي
سمى كل الأشياء
*
والمرآة قبر وجهك
كل صباح
*
ولا أقول شيئًا
فالكلمة ممزقة بشفرة اللسان
*
ولا أكتب شيئًا
فوراء كل ورقة بناية رمادية تطل على الظل
*
أين البداية لأعود
وأين أنا لأكون
أنا
*
أفرغ بياض عيني في هذا البياض
*
حين لن أجد ورقة
سأكتب في بياض عينٍ
*
لكن لحد الآن لم تستطع أية كلمة كتبتها أن تطير مثل فراشة
أَخَافُ أَنْ تُعَشعش عَيْنِي فِي هَذَا الْخَرَابِ، وَأَلَّا أَلْقَى هَذَه الْكَلِمَةَ التِي تُطْفِئُ جَمْرَةَ اللَّسَانِ،
وَحَتَّى لَا أَرَى عِظَامًا تَبْرُزُ فِي صَدْرِ هَذَا الْجِدَارِ.
سَأَحْتَمِي بِهَذَا الصُّنْدُوقِ الْمُزَوَّقِ بِالصَّمْتِ.
وَفِي آخِرِ دُكَّانٍ بِاللَّيْلِ، سَأَبِيعُ مَا تَبَقَّى لِي مِنْ خُيُوطِ النَّهَارِ.
سَأَمْشِي حَيْثُمَا يَقُودُنِي خَوْفِي الْمُنْتَفِخُ فِي هَذَا السِّرْوَالِ.
*
وَكَيْفَ أَرَى هَذَا الْغَرَابَ الَّذِي يَتْبَعُ رَائِحَةَ جِيفَةِ الْكَلِمَاتِ التِي أَتْرُكُهَا وَرَائِي كُلَّمَا كَتَبْتُ؟ وَكَيْفَ أَحْيَا بَعْدَ مَوْتِ قَصِيدَةٍ؟
*
وَلَيْسَ النَّصُّ إِلَّا جَسَداً آخَرَ لِمَوْتِ الْكَاتِبِ.
دعوة لقارئ معاصر
تجربة شعرية عالمية أكثر منها عربية، وعلينا الوقوف عندها كقراء للشعر. وأيضًا لأجل ألا تُقرأ هذه التجربة بشكل سطحي، علينا تكوين قراءة معاصرة لها وتجديدها مرة أخرى؛ حتى لا يحدث كما حدث مع العديد من الشعراء الذين بقينا نهين نتاجهم الشعري، وهنا أقصد شعراء أمثال سركون بولص وأنسي الحاج، حيث لم يحظَ الاثنان بقراءة حقيقية تقلب النص من داخله، بل توقفنا عند أمور عمومية ككلمات مثل "ريادة قصيدة النثر"، أو "التأثر بالقصيدة الإنجليزية"، ولم نقدم لهؤلاء قراءة حقيقية خاصة بهم. وأعتقد أن تجارب مثل أنسي وسركون، ومعاصرنا زريقة، تجارب يجب أن يتم تجديد البحث فيها.
حتى إلى الآن لم تصل لنا آخر مجموعتين أصدرهما الشاعر وهما "سلحفاة المحو" و"سكر المحو"، وهما في زنزانة دور النشر التي لا نصل إليها بسبب قطيعة غريبة مع الآخر، مع الجانب الذي نكتمل به ونكمله. نأمل أن نتابع بشغف معاصرينا غربًا وشرقًا، ونتابع بعين قارئ يبحث عن الشعر أينما كان؛ فكلنا عند قراءة شاعر ندخل إلى مدينة أشباح القصائد لتشريح الكلمة والقصيدة، وفعل مقاومة شعري آخر.
الكلمات المفتاحية
منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة
أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي
توم باراك: اجتماع ترامب والزيدي نقطة تحول.. وهناك فرص واعدة للشركات الأميركية
تحدث عن "تعميق التكامل" مع الخليج وتركيا وسوريا والأردن وآسيا الوسطى