09-مارس-2020

على جسر الجمهورية (Getty)

جسر الجمهورية هو المسافة الفاصلة بين ساحة التحرير، معقل الشباب المنتفض والخارج للتو من رماد حرب أهلية طاحنة، والمحاط ببركة آسنة من فساد السلطة، وبين المنطقة الخضراء، معقل السلطة ومركز حكمها المُحكم، هذه المسافة القصيرة، قد تتيح لسكان الخضراء وهم في قصورهم، سماع ضجيج وصراخ شباب التحرير، وهم في الشوارع والخيم، مكبرات الأصوات وهي تنطلق في التحرير، توصل لهم أصوات الشباب التي كادت أن تختفي وراء الصمت الذي فرضه الصبر الطويل والبالغ المرارة على بلوى عيشهم. يطالب الشباب بفك أسرهم ورفع قيود الذل من أيديهم.

في ساحة التحرير يبحث الشباب عن تفسير لعيشهم المرير، ويطالبون السلطة أن تشرح لهم أسباب هذه الحياة المذلة

 على ضفة دجلة الشرقية وفي طرف ساحة التحرير، يقف المطعم التركي بطوابقه الأربعة عشر، مشرفًا على دجلة وعلى خضراء "الدمن" (السلطة السوء في المنبت السوء)، حيث يعيش أهل السلطة فيها برغد وأمن ودعة، بناية المطعم الفارغة احتلت مكانة كبيرة في نفوس شباب التحرير لأنها تطل على شوارع وقصور الخضراء، هي أشبه ببرج مراقبة في معركة شرسة بين شعب أعزل وسلطة مدججة بالسلاح والمال والفساد، بين شباب مشتعل وشيوخ عاجزين، بين أصوات صادقة في بث ألمها وأصوات كاذبة في كل ما تقول.

اقرأ/ي أيضًا: حلم التغيير وشروطه الغائبة

الحوار بات منعدمًا بين طرفي جسر الجمهورية "الجمهورية هي منطقة الصراع بينهما ولكل طرف رؤيته وفكرته عنها"، كل منهم يفكر بمنطق مختلف، وكل منهم تدفعه مخاوفه وحاجاته وأحلامه. في التحرير يبحث الشباب عن تفسير لعيشهم المرير، ويطالبون السلطة أن تشرح لهم أسباب هذه الحياة المذلة، وكأنهم يريدون أن يتوثقوا من أن سلطتهم تعرف كيف يعيشون؟ وما يرغبون به؟ وتعرف تبعًا لذلك كيف تصل إلى حل، أو قد تستطيع أن تقنعهم بالدخول في فصل جديد من الصبر. أهل التحرير يريدون منذ 1 تشرين الأول/أكتوبر 2019 أن يفسر لهم أي أحد أسرار ما جرى عليهم طوال عقد ونصف، حيث لا أمن ولا عمل ولا كرامة، يفسر لهم لماذا وصلوا إلى حال باتوا يحلمون فيها بأن يعود الأمس الأسود الذي عاشوه، وهم صغار مع طاغية أرعن بالغ السوء والاستهتار؟ لماذا يشعرون بالحنين لأيام سوداء؟ أو لماذا يعيشون أيامًا أكثر سوادًا منها؟

أما هناك في الخضراء، فالأسئلة تتجه بعيدًا عن الأسباب تمامًا، هم يتحدثون عن نتائج ما يفعله الشباب من حراك يضر بالبلد وقد يشعله، وينهي فرص الحلول الهادئة المتأنية، يتحدثون عن الغد المخيف بالنسبة لهم، وربما لهم العذر في الخوف، هذا لأن لا حركة اجتماعية كبيرة ومتصاعدة يمكن لأحد أن يتنبأ بمسارها، ويتوقع ما قد يقع في غدها، حسنًا، خوف أهل الخضراء مفهوم، لكنه يصف نصف الحقيقة، ماذا عن مخاوف التحرير هل هي فعلًا غير مفهومة؟ هل لها أسباب؟

الفجوة بين السلطة والمجتمع يمكن أن تختصر إلى فكرة بسيطة، وهي أن مجتمع اليوم غير مجتمع الأمس، يدرك أفراده حقيقة معاناتهم اليوم، وعيهم أكبر بكثير من وعي آباءهم، وعيهم يزداد كلما عرفوا حجم الفارق بين عيشهم الفقير وثراء السلطة، وعيهم بقدر حجم الفجوة بين الترف المشاع والحرمان المعاش. فشلت السلطة في معرفة درجة وعي الناس، وهي تعتقد أن الأمية المتفشية في المجتمع هي درع واق لها، أو غطاء يمنع الشمس من أن تصل لعقول الناس لتخرجهم من الغرائزية والشخصية إلى الإحساس بالشأن العام والمشاركة فيه، أحد السياسيين وهو عزت الشابندر سرّب له تسجيل صوتي يصف فيه شباب التحرير بأنهم "قطاع طرق، خمارة، قمَارة، لوَاطة، سفلة، يتعاطون المخدرات والكحول والزنا في المطعم التركي"، صورة الشباب في التحرير لدى الساسة هي تشبه تمامًا ما قاله الشابندر، فهم لا وعي سياسي لديهم ولا شعور ولا دافع وطني في حراكهم، هكذا يعتقد أهل الخضراء، لكن رهانهم على الأمية والجهل لم ينجح، فقد باتت حياة المجتمع والسلطة مكشوفة ومعلنة، بات الهمس الذي يدور في مجالس الحكومة يصل إلى مسامع الجميع "حتى تسجيلاتهم الصوتية تصل للناس"، لا سر يمكنه أن يظل سرًا للأبد، ولا تضليل يمكنه أن يُعتم الرؤية للأبد، باتت الفجوة بين القصر وغرفة الصفيح تكتشف بمجرد لقطة واحدة في فضاء العالم الافتراضي، بات الفقير يوثق حياته بجهازه النقال مثلما يفعل الغني، وبات لجهازه القدرة على إيصال صوته للعالم كله، يكفي أن يضغط على زر "live" ليكون أمام العالم،  لم يعد يحتاج إلى الكتابة والتنظير ليشرح ألمه وحلمه فها هي التقنية تسعفه بسلاح "فتاك"، لم تفهم سلطة الخضراء إن الإيمان بأن القناعة كنز لا يفنى، قد تلاشى في أرواح الجمهور، لم يعد هذا الجمهور قنوعًا بحياته أو مقتنعًا بحجج السلطة وأعذارها في شرح فشلها، مثلما لم تعد السلطة معصومة عن الخطأ أو لها قدرة إسكات الناس والفتك بشعب يعبر عن وعيه بطريقة واعية رغم ما قتلت من الشباب بمختلف الأسلحة، لم تعد لكلمة السلطة قوة تغيير القناعات، والشعارات التي قيلت حول التضحية والصبر باتت بالية مثل القماشة التي كتبت عليها.

الشباب في التحرير يبحث عن إجابات لأسئلته، يريد أن يقع على علة العلل، والشيوخ في الخضراء يسعون لبث الخوف من الغد، وعن فرصة للاتهام، يريدون إدانة أحد في هذا الذي يجري، وفاتهم أن يسألوا أنفسهم. تحت أي ظرف "يجب" أن تخرج الناس لتطالب بحقها في العيش بكرامة؟ أو على الأقل تحت أي ظرف "يمكن" أن تخرج الناس لتطالب بحقها؟ وهل يحتاج من انتهكت كرامته وسحقت تمامًا إلى "مؤامرة" وطرف خارجي ليقول له إنه بلا كرامة وعليه أن يخرج ليطالب بها؟

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

سياسيو العراق.. أنفاس الموت الأخيرة

كيف بدأت حرب الاتهامات في انتفاضة تشرين؟