عن الانقسام الشيعي

عن الانقسام الشيعي

الانقسام الشيعي الذي بدا واضحًا في التعامل مع رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي (Getty)

يدرك شيعة العملية السياسية أن ما يجري اليوم من تظاهرات وتداعياتها، يشكل عامل قلق كبير لهم ولوجودهم، بل وحتى لـ"حكمهم" الذي يرون فيه أنه أهم مغنم حصلوا عليه عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ومن هنا تجتهد أطرافًا شيعية من أجل وضع رؤية جديدة ومقاربة مختلفة عما كان سائدًا في عملية تشكيل الحكومات السابقة.

التظاهرات لم تحقق كل ما تطالب به، إلا أن الأبرز الذي تحقق حتى الآن منها، اثبت أن الشعب العراقي قادر على أن يغيّر

الانقسام الشيعي الذي بدا واضحًا في التعامل مع رئيس الوزراء المكلّف محمد توفيق علاوي، أسهم في إفشاله وعدم تمرير حكومته في جلستين من جلسات البرلمان العراقي، هذا الانقسام، يمكن التعامل معه على أنه تطور في مسار العملية السياسية إن تم الخروج منه برؤية أكثر واقعية في التعامل مع أزمات العراق التي خلفتها العملية السياسية منذ 2003 حتى الآن، ولكن في حال فشل الساسة الشيعة في استثمار هذا الانقسام، فإن ذلك حتمًا قد يؤدي إلى مزيد من الانغلاق السياسي، بل لا نبالغ إذا ما قلنا أنه قد يؤدي إلى انهيار تام لمنظومة العملية السياسية في العراق.

اقرأ/ي أيضًا: حلم التغيير وشروطه الغائبة

هناك اليوم عوامل أسهمت بشكل كبير في زيادة حدة الانقسام الشيعي، وبالمقابل، تقارب أكبر بين السنة والكرد، ولعل أول تلك العوامل التي ينبغي الإشارة إليها هنا، هي التظاهرات التي خرجت في بغداد ومدن العراق الجنوبية، والتي كانت واضحة في مطالبها، وهي تغيير شامل لمنظومة العملية السياسية في العراق.

صحيح أن التظاهرات وبعد نحو خمسة أشهر من انطلاقتها لم تحقق كل ما تطالب به، إلا أن الأبرز الذي تحقق حتى الآن أنها اثبتت مرة أخرى أن الشعب العراقي قادر على أن يغير، فلقد استقال رئيس الحكومة عادل عبد المهدي تحت ضغط الشارع، وفشل المكلف محمد توفيق علاوي في تمرير حكومته لأن الشارع الضاغط نجح في إحداث شرخ بين مكونات العملية السياسية التي كثيرًا ما كانت تتوافق بينها رغم اختلافها لأنها تسعى للحفاظ على المغانم.

ولعلنا لا يجب أن ننسى هنا، أثر غياب الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي اغتيل بطائرة أمريكية مطلع العام الجاري بعد وصوله بقليل إلى مطار بغداد الدولي، يضاف الى ذلك ضعف التأثير الإيراني على مجمل الوضع في العراق بفعل اغتيال سليماني أولًا، وبفعل المشاكل الداخلية التي تعيشها، وآخرها تفشي فيروس كورونا.

اليوم وبعد فشل علاوي، يبدو الساسة الشيعة أكثر انقسامًا حيال المستقبل، فهناك فريق يدعم محافظ البصرة السابق أسعد العيداني لرئاسة الحكومة، غير أن هناك فريق آخر يقوده رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وزعيم منظمة بدر هادي العامري، يرى ضرورة أن يكون رئيس الوزراء المقبل على علاقة جيدة مع الأمريكان، وهذا الفريق يدعم ترشيح رئيس جهاز المخابرات العراقية مصطفى الكاظمي، الذي يرفضه في الوقت ذاته، مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، وفصائل الحشد الشعبي التي ترى في وجود الكاظمي تهديدًا لوجودها.

الآن، وفي ظل انسداد المشهد السياسي الشيعي على الأقل، للتوافق على رئيس حكومة جديد، تبدو فرصة ساحات التظاهر أكبر في الدخول لمعترك السياسية، وهو ما كنا نؤكد عليه دائمًا، من خلال تشكيل سياسي يمكن أن يحمل مقاربة جديدة لمسار العملية السياسية برمتها.

في ظل انسداد المشهد السياسي للتوافق على رئيس حكومة جديد، تبدو فرصة ساحات التظاهر أكبر في الدخول لمعترك السياسة

تشير بعض المعلومات المتوفرة من مصادر سياسية مطلعة، إلى أن هناك نية لدى ساحات التظاهر لتشكيل كابينة وزارية متكاملة وعرضها على رئيس الجمهورية برهم صالح، كابينة وزارية تضم كفاءات عراقية مختلفة، بعضها من بين المتظاهرين، وهو أمر في حال لجأت له تنسيقات المتظاهرين فإنه سيشكل صدمة كبيرة لدى الطبقة السياسية الحاكمة في العراق.

اقرأ/ي أيضًا: شجعان التحرير.. بين شبح الاستبداد وقلق التنظيم

لن يكون الرفض هذه المرة من قبل الكتل السياسية الشيعية، وإنما من مختلف الكتل السياسية في العراق بمختلف مكوناتها، ولكن أيضًا سيكون ثمن هذا الرفض من قبل تلك الكتل باهظًا جدًا، لأنه سيعني من بين ما يعنيه، أن هذه الكتل لا تعبأ بما يريده الشعب والمتظاهرين، ما يعني أن ساحات التظاهر ستشتعل مجددًا، وقد تلجأ إلى أساليب جديدة تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.

على الساسة الشيعية أولًا وقبل غيرهم، قراءة مفردات الأحداث اليومية بشكل جيد، وعليهم أيضًا، أن يستوعبوا الدرس جيدًا إن كانوا حريصين على خروج العراق من عنق زجاجة الأزمات التي أدخلوه فيها، وأيضًا على باقي الكتل السياسية من المكونات الأخرى، أن تفهم أن الوقت وإن كان لصالح بعضهم، فإنه لن يكون كذلك، فالمتغيرات كبيرة وكثيرة، وإيران التي كانت ذات يوم ضامن للعملية السياسية ولمختلف مكوناتها، لن تكون كذلك خلال وقت قريب، وأن اللعبة السياسية وقواعدها بالعراق تتغير وبسرعة أكبر مما قد تستوعبه مدارك ساسة ما زالوا يعيشون في برج الأوهام.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التنظيم السياسي.. وقاية من الدكتاتورية المضادة

بعد السني والكردي.. "انقلاب" شيعي على علاوي يهدّد تمرير حكومته