فرية حلّ الحشد الشعبي

فرية حلّ الحشد الشعبي

الحشد منح الساسة الشيعة شعورًا بالسيطرة الكاملة على كل الأراضي العراقية (فيسبوك)

يضع قادة الفصائل المسلّحة الخاسرة في الانتخابات موضوع "حلّ الحشد الشعبي" في واجهة التداول الاعلامي دائمًا، لأنهم يعرفون أن المعركة القادمة، بعد حسم معركة نتائج الانتخابات، ستكون في ساحة الحشد الشعبي.

ولادة الكيان العسكري للحشد يستجيب في العمق لهواجس حقبة ما بعد 2003 بالبحث عن "جيش الطائفة" الذي يتموّل رسميًا من الدولة

وهي معركة، برأيي الشخصي، ليست بين من يريدون حلّ الحشد واؤلئك المدافعين عنه، وإنما معركة لتحديد من يسيطر على الحشد. وصراخ الخاسرين بفرية حلّ الحشد هو لخوفهم من إزاحتهم عن المواقع القيادية الحسّاسة داخل الهيئة، وتفكيك منظومة الفساد المالي المستحكمة فيها، والتي تستخدمها هذه الفصائل لتمويل نشاطاتها المختلفة، ومنها تمويل أذرعها العسكرية، غير المنضوية تحت مظلّة الحشد.

اقرأ/ي أيضًا: عندما يكون الاقتتال أحسن الخيارات

في واقع الحال هناك الكثير من الأطراف تنادي بحلّ الحشد الشعبي، وتعتبره مؤسسة أمنية خلقتها ظروف طارئة، وبزوال هذه الظروف فليس هناك من داعٍ لبقاء هذه المؤسسة، مع وجود تشكيلات لأجهزة أمنية عديدة أخرى، نظامية ومعروفة وخاضعة للدولة بشكل واضح، ويمكن لمنتسبي الحشد أن يتحوّلوا إلى هذه المؤسسات، أما غير المؤهلين للعمل الأمني والعسكري، فيتحوّلون إلى موظفين في الدوائر المدنية وهكذا، وقد سمعنا خلال السنوات السابقة العديد من الشخصيات السياسية والمعلّقين ينادون بهذا الحل للتعامل مع هذه المؤسسة الأمنية المستحدثة. خصوصًا مع حوادث وحالات أثبت فيها قادة الفصائل المسيطرين على هيئة الحشد، أنهم يقودون دولة موازية للدولة الرسمية، ويتصارعون معها على الموارد والسلطات، وكثيرًا ما يقومون بابتزاز الدولة ليفرضوا إراداتهم الخاصّة، مستقوين بالآلة العسكرية والبشرية لهيئة الحشد، وكأنها مجرد ذراع تابعة لهم، وليس كما هو معلن؛ هيئةً تابعة لمجلس الوزراء العراقي.

ولكن، رغم مناداة هذه الأطراف العلنية والصريحة بحل الحشد، والتي يستخدمها قادة الفصائل المسلحة حجّة لتحشيد المؤيدين لهم، إلا أن زعماء التيارات السياسية الشيعية، كما أعتقد، لن يتجرأوا على التعامل بجدية مع هذا الموضوع، ولن يتورّطوا بالتصدي لمشروع مفترض اسمه؛ حلّ الحشد الشعبي.

بل حتى الطلب من مرجعية النجف أن تقوم هي بأصدار فتوى لحل الحشد مثلما أصدرت فتوى لتشكيله، هو مجرد أضغاث أحلام. فهي لن تفعل ذلك في أي يوم، لسببين؛ الأول منهما أنها لا تريد أن تتورّط بما يشبه القرارات التي تصدرها سلطة تنفيذية، أو حتى التوصية من خلف الكواليس باتخاذ قرار بهذه الخطورة. وهي ترى أن التعامل مع الحشد من مسؤولية الحكومة والبرلمان الذي شرّع وجوده بقرارٍ منه.

أما السبب الأكبر، وهو الذي يلتقي مع سبب امتناع التيارات السياسية الشيعية بالمجمل عن اتخاذ قرار بحلّ الحشد، فهو أن لوجوده أسبابًا عميقة تتجاوز لحظة "داعش" وفتوى الجهاد الكفائي وضرورات التصدي لهذا التنظيم الإرهابي.

إن ولادة الكيان العسكري للحشد يستجيب في العمق لهواجس حقبة ما بعد 2003 بالبحث عن "جيش الطائفة" الذي يتموّل رسميًا من الدولة، ويحظى باعتراف منها، لا مجرد عمل فصائل وميليشيات مسلّحة، تبقى محدودة الموارد، وقد تعتمد على تمويل جهات خارجية، وتبقى غير شرعية وحركتها في الظل. كما أن الميليشيات، في حدودها المعروفة لا تملك إمكانية الحركة بحرية على سطح الواقع الاجتماعي والسياسي والأمني، ولا تملك قدرات تسليحية عالية، كما هو حال المؤسسات الأمنية النظامية، كما أنها ستتصارع فيما بينها عاجلاً أو آجلاً.

لذلك، فإن ولادة الحشد هو تطوّر جديد في تصور النخبة السياسية الشيعية عن مفهومها للأمن والسلطة. ولطالما كانت هذه النخبة تشكّ في المؤسسة الأمنية الوطنية، متعددة المكونات، والتي يتشارك الجميع في قيادتها، سنة وشيعة وكردًا وما إلى ذلك. إنها مؤسسات، رغم السيطرة الواضحة للشيعة عليها، ليست مؤسسات شيعية، وإنما وطنية.

إن الحشد، في 2014 وإلى اليوم، يقوم بعمل أكثر نظاميةً وتطورًا، لما يشبه عمل "جيش المهدي" في 2005-2010. أي؛ عمل ذراع الشيعة الضارب، الذي كان يستجيب للحاجات الأمنية لمجتمعات الشيعة من ديالى وسامراء وحتى البصرة، ويحظى بتأييد قطاعات شعبية كثيرة غير صدرية بالضرورة، وبعض النخب أحيانًا، لا لشيء إلا لتأديتهم لدور "ذراع الشيعة الضارب"، في مقابل دبلوماسية الساسة الشيعة وبيروقراطية وترهّل المؤسسة الأمنية الرسمية، وتردّد أفرادها الذين انضموا للجيش والشرطة من أجل المرتّب وليس القيام بأعمال بطولية، على وفق تهمة كانت شائعة ورائجة بشكل واسع في وقتها لتوهين دور المؤسسة الأمنية الرسمية بإزاء رشاقة وحسم عمل الميليشيات، التي تنفّذ ما يشبه "العدالة العاطفية" السريعة، التي تشبع الحاجات النفسية المتوهّمة للأمن عند الجموع الغاضبة من العمليات الانتحارية والمفخخات وما تخلّفه من خسائر بشرية مروّعة.

وغالبًا ما تكون "العدالة العاطفية" ليس شيئًا أكثر من استهداف مدنيين سنّة، أو تهجيرهم، أو إعدام بعضهم أمام مرأى الجميع بجوار الحفرة التي خلّفتها مفخّخة "سنيّة" مفترضة.

إن الحشد اليوم منح الساسة الشيعة، لأول مرّة من 2003، شعورًا بالسيطرة الكاملة على كل الأراضي العراقية، خارج إقليم كردستان، وإخضاعًا لسكّأنها، واستثمارًا لمواردها. وهي سيطرة، بالنسبة للأطراف الدولية، الأمريكان تحديدًا، أقل كلفة لمواجهة الإرهاب، من العودة بالمجنزرات والطائرات مرّة أخرى إلى العراق.

وبإزاء فشل النخبة الشيعية الحاكمة في بناء تجربة حكم "وطنية" مستقرّة تضمن مصالح الشيعة ومصالح بقية المكوّنات، فإنها من غير المنطقي أن تتخلى عن "ذراع الشيعة الضارب" الذي لديها، الضامن لتفوّق الشيعة الأمني على باقي المكوّنات، مع مساحة من حريّة الحركة، خارج الإطار الرسمي والدبلوماسي لعمل الدولة المعتاد، للتعامل مع الأحداث والتطوّرات الأمنية والسياسية.

النخبة الشيعية لا تريد حل الحشد الشعبي إنما تتصارع لتحديد من يتحكم به 

إنهم لا يريدون بتر هذه الذراع الضاربة، وإنما يتصارعون لتحديد من يتحكّم بها، وهذه هي معركة ما بعد إقرار نتائج الانتخابات.

 

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

خطوة إلى الأمام.. أو الخلف

نظرة على المتغيّرات الانتخابية.. وماذا بعد؟