ultracheck
ثقافة وفنون

فيلم "بركة".. درس تأملي في عصر "الخصاء الذهني"

15 سبتمبر 2026
فيلم بركة
محمد هادي
محمد هادي كاتب وصحفي من العراق

لقد كنت في حالة صدمة عندما قال لي أحد الأصدقاء: "كيف تشاهدون الأفلام البطيئة؟ لقد شاهدت فيلمًا للمخرج الروسي تاركوفسكي وأحسست أنني في غرفة تعذيب"، ولم يستطع هذا الصديق أن يكمل الفيلم حتى الآن.

في التلقي يتحول الاستهلاك الرقمي في منصات التواصل إلى تأثير كامل في الحياة اليومية من خلال التشتت وحتى البلاهة، عبر الطُّعم الذي تمارسه الشركات الكبرى على الإنسان المعاصر

في كل لحظة يشهد هذا العالم السرعة المفرطة، بينما هناك شجرة تنمو ببطء غير مكترثة لهذا العالم الذي بدأ يقودنا إلى الخواء الفكري، حتى أصبحنا نتسارع وسط فضاء من "الفرجة".

"التعفن الدماغي".. بدأ هذا المصطلح بالانتشار على منصات التواصل الاجتماعي في السنوات القريبة التي مضت، حتى أصبحنا نتداوله كتعبير أساسي في حياتنا اليومية. اختير هذا المصطلح ككلمة العام في 2024 بمعجم جامعة أكسفورد، ويشير إلى الحالة العقلية المتدهورة الناتجة عن المحتوى التافه عبر الإنترنت. وقبلها بأعوام طرح الفرنسي برنار نويل في كتابه الموجز في الإهانة مصطلح "الخصاء الذهني" الذي تمارسه وسائل الإعلام من خلال جعل المستهلك مسلوب القرار والإرادة لصالح السلطة الاقتصادية. يقول برنار نويل: "لقد فهم النظام منذ أمد بعيد أن الرقابة على حرية التعبير لم تكن سوى السبيل الوحيد المتبقي لديه، وأن على الرقابة، لكي تكون فعالة، أن تحاصر حرية التفكير، أي أن تكون في المكان الذي هو في دخيلة كل واحد منا".

الأنظمة لم تعد تعير الاهتمام لقمع حريات التعبير بقدر حرية التفكير، لدخولها إلى أعماقنا وتشدنا نحو الحرمان من التفكير والمعنى، وهذا يخدم الأنظمة الاقتصادية والسياسية التي تحول الاجتماعي إلى سلعة، والحرية إلى وهم الحرية. إنني أجد لفظ "الخصاء الذهني" الذي وصفه برنار هو الأقرب لهذه الحالة المأساوية، لأن "التعفن الدماغي" -بالرغم من أنه انبثق من الحالة نفسها- يرمي تكوين المشكلة على الفرد بشكل كامل. لكن الخصاء الذهني، وعندما نعود لكتاب الموجز في الإهانة، سنرى الكشف الذي قدمه لنا برنار تجاه السيطرة التي تُمارَس على الجسد وسلب الإرادة من قبل الإعلام عندما يقول: "ونحن أمام الشاشة، في حالة تأمل، بل نهجر التأمل في حالة الإطعام البصري بواسطة الأنبوب الذي يجمد بالتأثير التأمل".

في التلقي، يتحول الاستهلاك الرقمي في منصات التواصل إلى تأثير كامل في الحياة اليومية من خلال التشتت وحتى البلاهة، عبر الطُّعم الذي تمارسه الشركات الكبرى على الإنسان المعاصر من خلال الفرجة المستمرة. إن الخصاء الذهني -أو لنطلق عليه "تعفن الذهن"- يُمارس على الجميع، فهناك من يقاوم ويدرك أهمية أن ينصب جدارًا لتفكيره، أو يسحبه تيار المقاطع القصيرة ليكون مريضًا ذهنياً وعقلياً، وليكون مدمنًا على المحتوى القصير السريع.

هذا الشخص، هل يستطيع مشاهدة فيلم مثل "بركة" الذي أخرجه المخرج رون فريك عام 1992، ويعتبر من الأفلام الوثائقية التجريبية. على الرغم من أنه أنتج قبل بداية التضخم الرقمي الهائل قبل التقنيات المتقدمة، إلا أنه يعي خطورة ذلك، إذ يوجه الفيلم اهتمامه بـ"الإنسان" كجوهر اختلاف حضاري متنوع ومتقبل لكافة أوجه الإنسان باختلافه، ويقف عند الإنسان والطبيعة والماكينة كجزء جديد فرض نفسه على هذا العالم. في مشاهد المدينة، يظهر لنا المخرج حياة المدن وسرعتها اللامتناهية، وجري الإنسان إلى عمله بعد أن بدأ يفقد جوهره لتجريد حواسه الإنتاجية فقط، ليصبح حبيس الفردانية التي يعيشها الإنسان وسط هذه المدن الكبرى.

هل نستطيع أن نعالج أنفسنا بعمل فني؟ الأجيال الرقمية والأجيال السابقة بدأت تتأثر بمقاطع سريعة لا تعطي أي فرصة للتفكير، من وسيلة للترفيه إلى حركة ميكانيكية. إن مشاهدة عمل مثل "بركة" قد يكون فعلًا يدخل أي شخص مصاب بما أطلقت عليه الدراسات "التعفن الدماغي" -أو ما أوردناه كـ"تعفن الذهن"- في مشكلة، محاولًا الهروب منها لأن إيعازات التفكير لديه لم تعد تتحمل هذا النوع من التأمل الذي هو جوهر وجود الإنسان على هذه الأرض.

يظهر لنا الفيلم أن العالم أوسع مما كنا نتصور بعد تجربة العيش داخل عوالم هذا الفيلم الذي يستعرض العالم من منظور جديد من أماكن لم نرها أبدًا. في جزيرة عند أطراف هذا الكوكب، يدخل المشاهد بتجربة استكشافية غنية بالمعرفة ترسل الأسئلة على شكل إيعازات من ذاكرة الأرض التي فقدت بكارتها.

الصورة المحكية هنا لا يعطينا المخرج من خلالها الجانب الأحادي من هذا العالم، بل ينقلنا من الخير إلى الشر، ومن الإنسان صديقًا للطبيعة إلى قاطعٍ لها، ومن معضلة أخلاقية إلى ضرورة أخلاقية.. إنه مساحة للتأمل ليعي الإنسان ما يحصل له، وأن يتوقف قليلًا ليتأمل كل هذا الذي قد يكون بمثابة صرخات صامتة تستيقظ بداخله.

كيف وصلت المنظومات الكبرى إلى جعل الإنسان حبيس أقفاص المدن الضخمة، مخدرًا بشاشات لامعة، يسير بحثًا عن اللاشيء بعد افتقار المعنى؟

يرتبط اسم الفيلم "بركة" بالكلمة العربية التي تحمل جانبًا صوفيًا ودينيًا، وترتبط بوفرة الشيء أو نعمة الرب في الخلق وبركته. وهذه الكلمة العربية "بركة" التي تتوسع في معانيها لم تُترجم أبدًا، بل بقيت كما هي، واختارها المخرج اسمًا للفيلم لتعلقها الروحاني بالإنسان. إن الاهتمام الذي يظهره الفيلم تجاه الأديان أو الجماعات الروحية يعكس ما بدأ الإنسان يفقده من جوهره الروحاني مقابل المادة والسرعة.

كما قلنا سابقًا، الصورة المحكية هي إحدى مميزات هذا الفيلم، لا يحتوي الفيلم على أي حوار، لكننا نستطيع من خلال الصورة أن نلمس الكلمة الكبيرة التي يقولها الفيلم وهي: "لماذا يفعل الإنسان كل هذا بنفسه؟". إن نقد الحداثة الصناعية يعتبر من المشاهد البارزة في هذا الفيلم من خلال الصدمة التي يدخلنا بها المخرج من مشهد الأفق الواسع إلى مشاهد أسفلت المدن، أو خلال المشاهد التي قد تكون مؤذية لمن يتلمسها فكريًا، من أقفاص الدجاج إلى المترو المزدحم. هذا المشهد وحده يدخلنا في تساؤل: كيف وصلت هذه المنظومات الكبرى إلى جعل الإنسان حبيس أقفاص المدن الضخمة، مخدرًا بشاشات لامعة، يسير بحثًا عن اللاشيء بعد افتقار المعنى، وأن الأمر أصبح برمجياً لا معرفياً، استهلاكاً وليس بحاجة؟

إن السلام الذي تبعثه فينا تلك الأقوام البدائية في فيلم "بركة" يظهر مدى ارتباطنا كمشاهدين بهذه الأقوام إنسانيًا؛ لذلك مهما ابتعد الإنسان عن جوهره وطمس في وحل السرعة، لابد أن يكون هناك منبه نابع منه كإنسان يعي ويعد ويفكر، وقد تكون الأعمال من هذا النوع هي المنبه الذي سيصطدم به الإنسان يومًا ما. إنها تجربة روحية ثرية لفتح أبواب جديدة للفكر، وأيضًا لتقبل الآخر بصفته شريكًا في هذا العالم الواسع الذي نجهله دومًا بكل صراعاته التي يحملها من جانبه الروحي إلى جانبه المادي، وهذا الصراع يظهر لنا على مدى الفيلم.

ما هذا الخصاء الذهني الذي يشهده العصر الحديث؟ إن شركات مثل "إنستغرام" و"يوتيوب" و"فيسبوك" تستعمل وسائل الفيديو القصير الذي يسمى "الريلز" لتخديرنا، وقد بدأت تدخل في جميع المنصات المتوفرة بفيديوهات لا تتجاوز مدتها دقيقة واحدة. إن هذه الفيديوهات تسبب تشوهًا في التفكير لما تحويه من ابتلاع للطُّعم مثل الإعلانات، وصناعة الفكر المضلل، ودعوة البلادة المستمرة، وقولبة الإنسان على السرعة والحركة لخدمة مصلحة المنصات الكبرى.

هل هذه المنصات قادرة على طمس أعمال فنية بحجم "بركة" وغيره؟ جميعنا نعلم أن واحدة من صفات العمل الفني العظيم أنه لا يفقد أثره، وأنه يضيف للتجربة الإنسانية خطوة في تفسير كينونتها والبحث عن نفسها وسط هذا الكون الشاسع. وهذا ما يضيفه لنا فيلم مثل "بركة"، ونحن الآن لا نستطيع الإجابة لأننا نسير مع التكنولوجيا والسرعة بعلاقة نحو مجهول لا نعرف مصيره؛ فلعل ما هو اليوم مزحة يصبح حقيقة غدًا.

أزا راسكين، مخترع واجهة التصفح اللانهائي عام 2006، قدم اعتذارًا متأخرًا عام 2013 عن اختراعه معترفًا أن البشرية تهدر وتبدد حياتها في هذا التصفح. من المضحك أن نتخيل أن السينما قد تكون أشبه بمقاطع قصيرة مقطعة لأجل مساعدة المشاهد الذي يحس أنه في غرفة تعذيب، أو قد تكون مجرد مزحة، وأن أثرًا كهذا سيبقى خالدًا في أذهاننا لتذكيرنا بأن كينونتنا هي أرضنا الحقيقية المرتبطة بنا روحانيًا.

إن شركات مثل "إنستغرام" و"يوتيوب" و"فيسبوك" تستعمل وسائل الفيديو القصير الذي يسمى "الريلز" لتخديرنا

إن الجهل الذي ينتشر مثل ورم سريع يكتب مستقبلنا المجهول الذي لا نعرف إلى أين يتجه، وسط هذه التقنيات الهائلة التي لم نعد نستطيع أن نصيرها من أجلنا، بل أصبحت هي من تصيرنا.

الكلمات المفتاحية

قيس حسن مجزرة قصور صدام

خاص| مؤلف "مجزرة قصور صدام": عرض أحداث "سبايكر" بدقة يمنع تحولها إلى مصدر للكراهية

قيس حسن لـ "الترا عراق": تتحمل الأجهزة والسلطات الحكومية كامل المسؤولية عن تغييب المجزرة وأعني بالتغييب عدم وجود تحقيق نزيه وشفاف يلتزم بمعايير التحقيق القانوني والبحث الدقيق


تخوم الوعي الديني

السلطات العراقية تصادر كتاب "تخوم الوعي الديني".. ومؤلفه يسأل عن "حرية النشر والتأليف"

قال الباحث علي المدن إن جهاز الأمن الوطني صادر كتابه من معرض بغداد الدولي


فيروز

صوت فيروز الذي أعاد ابتكار طفولتنا

صوت فيروز هو الصوت الوحيد القادم من مستقبلنا ولا نملك غيره كمرساة للنجاة


حسام عبد المحسن

خسارة لـ"الفن التشكيلي وأدب الطفل".. رحيل الفنان حسام عبد المحسن

مشوار فني وأكاديمي يمتد إلى خمسة عقود

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

كابينة الزيدي
أخبار

الوزراء الجدد والنواب.. أول تعليقات للمسؤولين الذين صوت عليهم البرلمان مؤخرًا

قال محسن المندلاوي إنه سيعمل من دون تقاضي أي راتب أو تخصيصات مالية


إكمال كابينة الزيدي
أخبار

وزارات مستحدثة ونواب لرئيس الوزراء.. البرلمان يكمل التصويت على كابينة الزيدي

ليث الخزعلي نائبًا للزيدي وياسر صخيل وزيرًا للداخلية

مصرف التنمية الدولي
اقتصاد

بسبب إيران و"الميليشيات" العراقية.. عقوبات أميركية جديدة تطال "مصرف التنمية الدولي"

قالت الخزانة الأميركية إنّ مصرف التنمية الدولي يحافظ على علاقات مع كيانات الحكومة الإيرانية والميليشيات التابعة لإيران

الأكثر قراءة

1
مجتمع

"ضغط كبير" على المجموعة الطبية.. قبول قرابة ربع مليون طالب في الجامعات الحكومية


2
أخبار

قبل جلسة التصويت: تأجيل وزارتين واستحداث 3 ومرشح غامض


3
أخبار

الخميس موعدًا لاستكمال كابينة الزيدي مع نواب الرئيس


4
أخبار

الحكومة العراقية تستنكر "الاعتداء" على مطار الملك خالد في الرياض


5
أخبار

"جهة مسلحة" اختطفت مسؤولين حكوميين.. العثور على أسلحة وأعتدة في دار عبادة