في انتظار السياسة

في انتظار السياسة

تقوم السياسة بالأساس على واقع الاختلاف بين الأفراد (فيسبوك)

إنه زمن النسيان، تكاد تستشعر صراخها وغضبها - وأنت تقرأ محاضراتها وكتبها ومذكراتها - بفعل هذا النسيان، حنّة آرنت فيلسوفة الفعل السياسي، تطالب العالم بالسياسة وتواجه التاريخ بتهمة الخطأ - ربما غير العمدي - لنسيانه السياسة. هذا النسيان الذي جعلها تنتفض على التقليد الفلسفي السياسي واللاهوتي برمته، التقليد الذي وصفه أستاذها هايدغر من وجهة نظر وجودية بأنه تاريخ (نسيان للكينونة) وعلى طريقة الأستاذ، تقول فيلسوفة الفعل السياسي بأن هذا التاريخ هو زمن (نسيان السياسة) أو زمن نسيان الفعل السياسي. ومن مقام الحاجة إلى هذا الفعل واجهت حنّة آرنت التقليد الفسلسفي من لحظة مقتل سقراط وردة فعل أفلاطون من السياسة وأزدراءه لها (شؤون الناس وأفعالهم لا تستحق أن تٌحظى بجدية كاملة) وتعد آرنت هذا موقف مؤسس في تقليد الفلسفة السياسية. إذن، التقليد الفلسفي السياسي هو تاريخ من الترفع والاستصغار للفعل السياسي، وهذا ما أنتج ابتساراتنا ومخاوفنا، بل وأحيانًا ترفعنا على الاهتمام السياسي.

الاحتجاجات، تُنتج فضاءً عموميًا، وتشكل خطابًا احتجاجيًا، إلا أنه يُنتظر منها أن تُكمل أسس هذا الفضاء بمؤسسات تتساوق مع خطابها الاحتجاجي

    تقوم السياسة بالأساس على واقع الاختلاف بين الأفراد، وهم يمارسون أنشطهتم الحيوية. إذن، منطقة اشتغال الفعل السياسي هو التعدد البشري والاختلاف بين الأفراد. الأفراد بوصفهم مجموعات متمايزة ومختلفة ضمن بنيات اجتماعية متباينة. وتتأسس السياسة على هذا الاختلاف، وبذلك لا تضع السياسة في حساباتها الفرد الواحد المتماثل في خياراته وآرائه مع ذاته بقدر ما الفرد الذي صنعته الظروف والبُنى الأرضية، الفرد وهو في تعامل ونشاط مستمر مع الآخر داخل الفضاء العمومي، الفرد داخل الفضاء العمومي هو مختلف عن الإنسان بالمنظار التأملي للفلسفة التقليدية أو اللاهوت؛ فهذا الإنسان/الفرد هو متماثل مع الاخر، فالخطاب الفلسفي التقليدي والخطاب اللاهوتي يتعامل مع قيمة واحدة متماثلة، هو الإنسان الذي لا يختلف عن غيره في رحلة الوجود الإنسانية هذه، لذا، فمنطق الفعل السياسي على النقيض من الأطروحة التقليدية للإنسان الفرد، مؤسسًا فعله على افتراض اختلاف الأفراد والجماعات داخل فضاء مشترك يستوعب اختلافهم حسب افتراض مسبق وطني هو الفضاء العام الجامع ضمن ثنائية الفرد/الآخر. 

اقرأ/ي أيضًا: في العدمية السياسية

على مستوى الافتراض الآرنتي فنحن ازاء براكسيس يبحث عن رهانات سياسية حتى يحقق ما تَعدُ به هذه السياسة، لكن بماذا تعدنا السياسة ونحن نعيش ازاءها كل هذا الحنق؟ إن مفهوم الحوار والمناقشة داخل فضاء السياسة العمومي هو جوهر السياسة عند فيلسوف الفعل السياسي، وما يرغب به هذا الحوار المتخيل، سوى تحديد آليات وجودنا الإنساني مع الآخر واستمرارنا في العيش مجتمعين هو ما يحقق وعود السياسة الحقة من حرية ومساوات ورفاهية، فلا سياسة دون فضاء عمومي يتيح الحوار والمناقشة للأفراد، وهذا تحديدٌ للسياسة يجعل من حنقنا تجاهها معدومًا، وهو على النقيض من فهم السياسة بوصفها إرادة القوة والهيمنة، ومرتبطة بمطلب السلطة متوسلةً في ذلك بكل الأساليب التقليدية من أجل فرض هذه الهيمنة، لذا فإننا أمام تعريف يعيد إنتاج الفهم تجاه السلطة، وكذلك فهم أنفسنا بوصفنا أفرادًا نتشارك مع الآخر، ونبحث عن تحقيق ذواتنا بمؤسسات تنظيمية مشتقة من متخيل الفضاء العمومي التحاوري والتواصلي بين الأفراد، ضاربًا بذلك كل اغتراباتنا تجاه القرارات التي تحدد مصير عيشنا. 

هل تعدنا الثورة بهذه السياسة؟

تعزي حنة آرنت سبب فشل الثورة الفرنسية بأنها لم تُنتج مؤسسات دستورية، فلم تكرس هذه الثورة رؤاها الحقوقية في المواد الدستورية حتى تتحول إلى مؤسسات حقوقية منظمة، على العكس من الثورة الأمريكية التي أنتجت مؤسسات دستورية متساوقة مع الخطاب الثوري الاستقلالي، وهذا يحيلنا إلى ضرورة تحديد احتجاجاتنا المعاصرة، كذلك يحيلنا لسؤال التنظيم وضروراته في نمط الثورات الحديثة، ثورات وعصيانات واحتجاجات، تُنتج فضاءً عموميًا، وتشكل خطابًا احتجاجيًا، إلا أنه يُنتظر منها أن تُكمل أسس هذا الفضاء بمؤسسات تتساوق مع خطابها الاحتجاجي، مؤسسات حقوقية وديمقراطية وقوانين ضامنة، وهذا نضال آخر يتوجب علينا إعادة الفهم وتحديد الخيارات في كل مرة.

إلا أننا نبقى دائما بانتظار  ما ترغب  به هذه السياسة وضمن سياقنا الثقافي والتاريخي، فإن خيار المؤسسة الديمقراطية ضمن إطار دولة المواطنة المبنية والمنبثقة من الهاجس المشترك للأفراد هو الوعدّ التاريخي الذي يضرب المفهوم النرجسي للسلطة عندنا بوصفها أداة قمع تقليدية إلى مفهوم أوسع لا يعيد التقسيم التقليدي (حكام ـ محكومون) لنتذكر أن الهاجس المشترك في تحديد ما نرغب به من السلطة يشبه الحس المشترك فيما نرغب به على مستوى الفنون جميعها. وعد السياسة هو وعد للأفراد أن يحققوا كينونتهم الإنسانية ليس داخل ذواتهم بقدر ما داخل المجموع.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حلم التغيير وشروطه الغائبة

آلام وتحديات الواقع