قصّة من تحت جبال النفايات في بغداد: قنابل وأخطار وآلاف الدولارات!

قصّة من تحت جبال النفايات في بغداد: قنابل وأخطار وآلاف الدولارات!

في بغداد هناك عوائل قامت ببناء بيوتها وسط أكوام النفايات (Getty)

لم تستطع الحكومات المتعاقبة منذ 2003 من وضع الحلول الجذرية لأزمة النفايات في العاصمة بغداد، بالرغم من تخصيص ميزانيات مستمرّة لأمانة بغداد سنويًا، فضلًا عن الخطوات التي تقول الأمانة إنها تنفذها من خلال التعاقد مع شركات عالمية متخصّصة بالإضافة إلى العمل خلال الليل والنهار، إلا أن النفايات ما زالت تتكدس على جوانب الطرق في مناطق كثيرة من العاصمة، خاصة الشعبية منها، مع عيش مئات العوائل وسط النفايات في أطراف بغداد.

جهود كبيرة.. نتائج مخيبة

ترجع أمانة بغداد أسباب تفاقم النفايات إلى وجود "تقصير مجتمعي" تجاه النظافة، الأمر الذي ضاعف المشكلة وجعلها شبه مستحيلة، حيث ترفع نحو 8 آلاف طن من النفايات يوميًا، بالإضافة إلى نقلها خارج العاصمة، لكنها لا ترى نتائج توازي هذه الجهود، وهو الأمر الذي تستخدمه معظم مؤسسات الدولة في تبريرها لتراجعها بأعمالها، إذ يكون المجتمع وعدم تعاونه هو السبب.

منذ 2003 لم تحل أزمة النفايات في بغداد، بالرغم من تخصيص الميزانيات والاتفاق مع شركات عالمية، فيما تعيش مئات العوائل وسط أكوام النفايات في أطراف العاصمة

يقول المتحدث باسم أمانة بغداد، حكيم عبد الزهرة، إن "كوادر الأمانة ترفع من 7 إلى 8 طن نفايات يوميًا من 14 دائرة بلدية داخل الحدود الإدارية للعاصمة بغداد، فيما ترسل النفايات بواسطة آليات الأمانة إلى المحطات التحويلية، والبالغة 9  في عموم العاصمة"، والمحطة التحويلية عبارة عن منصة تصعد فوقها آلية جمع النفايات لتفرغ حمولتها في حاوية كبيرة تستوعب 5 آليات لتُجمع وتُرزم وتُرسل إلى خارج بغداد. 

اقرأ/ي أيضًا: "الوحش الأسود" يخنق بغداد بـ"رائحة الفساد".. سيارات حكومية وأياد مجهولة!

يرى عبد الزهرة في حديث لـ"ألترا عراق" أن "شكل العاصمة من حيث النظافة لا يتناسب مع الجهود المبذولة والكميات المرفوعة من الشارع"، عازيًا ذلك إلى "عدم تعاون المواطن، حيث لا يلتزم بالتوقيتات التي تدخل فيها فرق الأمانة لجمع ‏النفايات، فتخرج العوائل الأنقاض بعد دخول الفرق، بالإضافة إلى رمي النفايات في الأماكن غير المخصصة، فيما تشهد ‏الكثير من المناطق عمليات تخريب للحاويات المركزية، أو حرق عشوائي".

أشار عبد الزهرة إلى أن "الآليات غير كافية، ولو وجدت التخصيصات المالية الكافية لشهدت المناطق دخول ‏الفرق لأكثر من مرة في اليوم، لتفادي إهمال المواطن"، مبينًا أن "النفايات الخاصة بالمواطنين مسؤوليتنا، مستدركًا "لكن نفايات الوزارات والمعامل والمصانع، والتي أغلبها أنقاض بكميات كبيرة ليست من مسؤوليتنا، وتتولّى كوادرهم إرسالها إلى أماكن عديدة".


في مناطق كثيرة ببغداد يكون الشكل الأبرز فيها هو انتشار النفايات (Getty)

لفت عبد الزهرة إلى أن "تجارب التنظيف بواسطة الشركات العالمية المختصة نجحت بشكل لافت، حيث تعاقدت الأمانة مع شركات لبنانية وتركية عملت في 3 دوائر بلدية، حصلت على تقييم ممتاز من مجلس المحافظة والأمانة العامة لمجلس الوزراء، ‏بالإضافة إلى أمانة بغداد، مستدركًا "لكن عقودها لم تجدّد بسبب الأزمة المالية".

العيش وسط النفايات

لا تقف المعاناة عند أكوام النفايات على جانبي الطرق، فالمأساة تبدأ عند أطراف بغداد التي تحوّلت إلى مكب نفايات، وهي على ما يبدو محاولة من الجهات المسؤولة لتظهر بعض مناطق مركز العاصمة بشكل أنيق، فيما طوّقت تلال النفايات مساكن المئات من سكّان المعامل والحسينية ومعسكر الرشيد بأطرافها.

قد يبدو الأمر غريبًا أن يولد الإنسان ويعيش حتى الموت بين النفايات، لتكون هي ميدان عمله وفضاء معرفته، حيث تعتاش العشرات من العوائل على الأنقاض بهذه المناطق، وتبدأ رحلة بحث يومية عن كل شيء يمكن إعادة تدويره، فضلًا عن المفقودات الثمينة التي ترمى بالخطأ من قبل العوائل.


عشرات العوائل يعيشون مع أطفالهم في الأماكن التي ترمى فيها النفايات (Getty)

يقول جعفر حسن، وهو من سكّان قضاء الزوراء المستحدث في أطراف بغداد، إنه "تصل العشرات من الشاحنات يوميًا إلى أماكن مكب النفايات المنتشرة على امتداد الطريق السياحي الذي يطوّق مناطق حي النصر، العمّاري، والباوية، والحسينية"، مبينًا أن "معظم الشاحنات لا تحمل دلالة أنها للأمانة ونجهل عائديتها، وغالبًا ما تكون أهلية تابعة للمعامل والمصانع، دون رقابة من الجهات المختصة".

أضاف حسن في حديث لـ"ألترا عراق"، أن "العشرات من المطاعم الفخمة وسط بغداد عمدت إلى الاعتماد على نفسها بشأن نفاياتها بسبب تقصير الأمانة، ما دفعها إلى الاتفاق مع أشخاص لتنقل نفاياتها مقابل مبلغ شهري بشرط أن يكون النقل بواسطة آليات حديثة ومتخصّصة للنفايات"، مشيرًا إلى أن "نفايات هذه المطاعم تنقل إلى أطراف بغداد، ويتم بيعها على السكان الذين يستخدمونها كعلف للماشية".

العشرات من المطاعم الفخمة وسط بغداد تنقل نفاياتها إلى أطراف العاصمة ويتمّ بيعها على السكّان الذين يستخدمونها كعلف للماشية

فيما يروي "م. ن" تفاصيل حياته وسط النفايات، وهو يعيل أسرته في رحلة يومية تبدأ منذ الساعة السادسة صباحًا وحتى المساء، تتخلّلها أوقات الاستراحة، فيما يمثّل دخول شاحنة جديدة هدفًا جديدًا له ولرفاقه، مبينًا في حيث لـ"ألترا عراق"، أنه "أعمل منذ الطفولة، وتعلّمت مهارات البحث من والدي والذي لم يقو على العمل الآن"، مضيفًا بملامح حزينة "أتعبه العمل بين النفايات". 

اقرأ/ي أيضًا: حي المعامل في بغداد.. نفايات الفساد تأكل وجه الحياة

أشار "م. ن" إلى أنه "يستهدف في بحثه عن زجاجات البلاستيك وعلب الألمنيوم الفارغة التي تؤمّن لعائلته قوتهم اليومي، حيث يباع كل كيلوغرام من الزجاجات البلاستيكية، أو علب المشروبات الغازية مقابل 250 دينارًا، ما يوفر له 2 ألف إلى 4 آلاف دينار كمعدل يومي".

يعمل "م.ن"، بشكل مكثف ويتحمل الجهود ليضمن استمرار اثنين من أخواته في المدرسة، "لا أريد أن يضيع مستقبلهم مثلي"، لافتًا إلى أنه "خلال عملي اليومي أراقب مجموعة من أغنامنا وهي تبحث عن طعامها في أكوام النفايات، والتي تمثل خيارًا سيئًا لمشتريها نظرًا لسوء لحمها نتيجة تناولها النفايات البلاستيكية".

عملية البحث بين النفايات لا تخلو من المخاطر والغنائم النوعية بذات الوقت، الأمر الذي أكده "م.ن" بالقول، إنه "هناك العشرات من القنابل تحت النفايات، بالوقت نفسه تُرمي الكثير من العوائل أموالًا أو أشياءً ثمينة، مثل الذهب والمجوهرات بالخطأ في النفايات"، لافتًا إلى أن "أحد رفاقه عثر على مفتاح تشغيل مروحة كهربائية معطوب، وبعد تفكيكه عثر على 5 آلاف دولار بداخله، فيما عثر أبي على حقيبة صغيرة تحتوي على عقد ملك دار ومستمسكات ثبوتية أرجعها بدلالة العنوان".

لا يعلم المتحدّث باسم أمانة بغداد، حكيم عبد الزهرة بالشاحنات التي ترمي النفايات في أطراف بغداد إلى أي جهة تابعة، قائلًا إن "الشاحنات التي تدخل إلى أطراف بغداد مخالفة وغير قانونية، وهي غير تابعة للأمانة، وتم الاتفاق مع الجهات الأمنية على حجزها واتخاذ الإجراءات القانونية بحقها".

يجهل المتحدث باسم أمانة بغداد الشاحنات التي ترمي النفايات في أطراف بغداد إلى أي جهة تابعة، قائلًا: لا نعلم بهذه السيارات هل هي تابعة لوزارات أو جهات أخرى

أضاف عبد الزهرة "لا نعلم بهذه السيارات هل هي  تابعة لوزارات أو جهات أخرى، حيث فتحنا قسم خاص لأطراف بغداد تحت اسم المعامل، يشمل مناطق حي النصر والرشاد ‏والمعامل، والأمانة منذ أكثر من سنة لا تطمر داخل مدينة بغداد"، لافتًا إلى أن "النباشة يقومون بتصفية النفايات، والبحث عن ‏الأسلاك وحرقها بواسطة معامل خاصة، ما يسبّب الحرائق في مناطق الزعفرانية وبغداد الجديدة".

اقرأ/ي أيضًا: الباحثون عن الحياة بين أكوام النفايات

تابع عبد الزهرة "هناك تفاهمات في المناطق غير المخدومة، تكون بين المواطن وبين آخرين يتعهدون ‏بجمع النفايات مقابل مبالغ مادية، موضحًا "كانت الطريقة السابقة يتم التفريغ في مقالع بطلب من الأهالي لملأها، ومن ثم ‏تغطيتها بالتراب ليتم البناء عليها، وتكون هنا الفائدة للأمانة وللأهالي".

في السياق، يقول الباحث البيئي والتدريسي المتخصّص  كريم السراي، إن "معالجة النفايات بهذه الطرق البدائية يشكل خطرًا على صحة المواطنين ويسبب الكثير من المشاكل البيئية والصحية، خاصة مع غياب رؤية حكومية تعالج الأسباب جذريًا، حيث أن التعامل مع النتائج يستنزف الأموال والطاقات دون وجود الحلول الجذرية".


بالإضافة إلى النفايات هناك مناطق تعاني من مشاكل في الصرف الصحي أيضًا (AFP/Getty)

أضاف السراي في حديثه لـ"ألترا عراق"، أن "معالجة النفايات من الملفات الأساسية في دول العالم، وهناك الكثير من التجارب التي تتشابه مدنها مع بغداد، ويمكن أن تكون مجالًا حيويًا من حيث تفعيل الصناعة واستثمارها كمواد أولية في العديد من الصناعات"، لافتًا إلى "ضرورة العمل على تهيئة مصانع حديثة بما يناسب الكثافة السكانية وكمية النفايات المطروحة يوميًا تعمل على استرجاع المواد المفيدة من النفايات الصلبة ويمكن أن يتم عن طريق الفرز المغناطيسي والهوائي".

أشار السراي إلى "إمكانية عزل النفايات حسب مكوناتها لإعادة تصنيعها بعد كبسها، من خلال مصانع صغيرة ولا تكلف مبالغ كبيرة، بالإضافة إلى استخدامها لفضلات الشحوم في صناعة الصابون والشموع والمخلّفات الزراعية في صناعة الأسمدة".

باحث بيئي: الرؤية الحكومية غائبة عن معالجة أزمة النفايات، حيث أن التعامل مع النتائج يستنزف الأموال والطاقات دون وجود الحلول الجذرية

نوه السراي إلى "ضرورة العمل على تهيئة قاعدة بيانات شاملة عن كمية النفايات المطروحة يوميًا، وإعداد دراسة عن عدد السكّان وكمية النفايات والأنواع والمساحة، فضلًا عن تنفذ حملات توعية تستهدف كافة الشرائح، خاصة المناطق الشعبية عن أهمية البيئة وحمايتها وطرق المساعدة في ضبط عملية التخلص من النفايات".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

لا نهر ولا خضراء.. مدينة الصدر تختنق "فعلًا" لا مجازًا!

مدن العشوائيات "المقدّسة"