كورونا وسلطة

كورونا وسلطة "البيت الشيعي"

النظام الصحي في العراق يشبه تمامًا النظام السياسي (Getty)

يبدو أن مهمة وباء كورونا لن تقتصر على قتل البشر فقط، بل سوف تمتد نحو تعرية الحكومات، وربما تصل تلك المهمة إلى مرحلة تنهي فيها أنظمة سياسية "نظامنا العراقي تحديدًا"، فها نحن نرى الحكومات في كل العالم، وهي تقف عاجزة أمام شراسة الفيروس، وتقف أيضًا، مذهولة أمام نفسها، وهي تتساءل، لماذا لم نفكر خارج الصندوق؟ لماذا وثقنا بالطبيعة للحد الذي فاجئنا فيه كائن بهذه القوة؟ هل سيعيد العالم ترتيب وضعه الصحي والوقائي من جديد؟ نحن لا نسأل هذه الأسئلة، لأننا نعرف إجاباتها. نظامنا الصحي يشبه تمامًا نظامنا السياسي، كلاهما مزر.

الحكومة العراقية التي "شكلتها" إيران بواسطة أذرعها السياسية والعسكرية أنهارت في تشرين الأول/أكتوبر 2019 بفعل حراك شعبي بالغ التأثير

ما يهمنا من أمر الفيروس "سياسيًا"، هو أين سيتجه بالعراق؟ هل سيتوقف التدخل الخارجي "الإيراني - الأمريكي"، باعتبار أن هاتين الدولتين هما الأوسع تدخلًا، والأكثر قدرة على توجيه مسار العراق، وهما في نفس الوقت من أكثر الدول انتشارًا للفيروس؟ هل سنكف عن كوننا ساحة لتصفية الحساب بين العدوين اللدودين؟

اقرأ/ي أيضًا: كورونا في العراق.. فيروسات السلطة والمنابر

نعلم تمامًا، أن تخبط الأحزاب العراقية بعد 2003 وفسادها وسوء ادارتها للسلطة، ليس هو فقط من أوصلنا لهذه الذروة من التدهور، بل تشكل التدخلات الخارجية وهي ذروة الفساد السياسي والتعدي على البلد، عاملًا لا يقل خطورة وضراوة في ذلك، طوال أكثر من عقد ونصف احتلت إيران وأمريكا مركز الصدارة في هذا التدخل، الى حد أن قوة نفوذهما وسطوتهما على المشهد السياسي قد أنهى استقلالية القرار السياسي العراقي ومرغ هيبة الدولة بالوحل.

يمكن عد العام 2018 هو عام بسط إيران ليدها كاملة في العراق، احتوت سياستها هذه المرة، سنة السلطة وليس شيعتها فقط، وسيطرت أذرعها "العراقية" المسلحة على المدن السنية وبسطت هيمنتها عليها بشكل بارز وعلني. بما أننا ساحة صراع فقد كان 2018 عام "النص" الإيراني على أمريكا، لكنه نصر لم يعمر طويلًا فقد جاء 2019 بما لا يهوى ساسة طهران ولا يتوقعون، فالحكومة العراقية التي "شكلتها" إيران بواسطة أذرعها السياسية والعسكرية، انهارت في تشرين الأول/أكتوبر، بفعل حراك شعبي بالغ الضراوة والتأثير، قتل فيه ما يقرب من 700 عراقي بمختلف أسلحة القتل وطرقه، وجرح ما يزيد على 27 ألفًا، لم يكن أحد يتوقع هذا الحراك، فقد كان صادمًا ومباغتًا حتى لأكثر المراقبين بصيرة، لكن توقع النتائج لم يكن بعيدًا عن الحسبان، فمع كل قتيل يسقط في ساحات الاحتجاج كان هناك جزء يسقط في كرسي السلطة، أوغلوا ليس في قتل الناس فقط بل في هدم سلطتهم أيضًا.

لم يصمت الشباب في ساحات الاحتجاج عن التدخل الإيراني، بل عبروا عن رفضهم له بصورة واضحة، حتى أن البعض منهم قد تطرف في التعبير عن هذا الرفض ليحرقوا مباني القنصليات الإيرانية في النجف وكربلاء ولأكثر من مرة. كان حرق القنصليات هو الرسالة الأشد وطأة على السلطة في إيران، فقد جاءتها من مدن عملت بصبر وطول نفس على احتواءها ومد نفوذها إليها، لما تحملان من قدسية للشيعة، وبما تضمان من مراقد مقدسة وحوزات ومؤسسات دينية لها دور وتأثير سياسي واجتماعي وديني بارز. 

 نحن إذًا أمام خسارتين لإيران، أولهما سقوط حكومة عبد المهدي، وثانيها؛ تحول انتقاد الشيعة أنفسهم لدورها في العراق والاعتراض عليه من "الس" إلى "العلن"، ومن أحاديث المجالس إلى مظاهرات صاخبة، عرفت إيران أن سطوة وسلطة أذرعها في العراق قد انتهت، وإن بقاء "رجالاتها" في السلطة قد أوشك أن ينتهي أيضًا. كانت لحظة حرق القنصليات الإيرانية في النجف وكربلاء هي اللحظة التي شعرت فيها إيران بأن إدارتها وتأثيرها في العملية السياسية عبر أذرعها السياسية والعسكرية كان يمضي في الطريق الخطأ، فهذه الأذرع بلا قاعدة شعبية، وبلا رهان، وخالية تمامًا من أي قدرة في التأثير على الشارع، وأن الفجوة بينها وبين المجتمع والتي خلقها فسادها قد وصلت من السعة إلى حد ينذر بثورة عارمة.

 بالعودة إلى خصم إيران اللدود، فقد فهمت أمريكا الدرس العراقي جيدًا، كان عنوانه: لقد توقف نفوذ إيران عن الصعود وهو اليوم في تدهور، لذلك استغلت هذا الظرف ونفذت واحدة من أكثر عمليات الاغتيال خطورة بالنسبة لها "بالنظر لحجم قواتها ومؤسساتها السياسية في العراق"، وهي قتل قاسم سليماني، رجل إيران الوحيد في العراق، وصاحب اليد الطولى والنفوذ فيه، شعرت إيران بخطأ الاعتماد الكامل على رجل واحد يدير ملفًا شائكًا وكبيرًا، وهو الملف العراقي، الذي تشاركهم فيه القوة العظمى الأولى في العالم، ويدير هذه القوة رجل متهور مثل ترامب، كانت صدمتها من الحادث شديدة الوطأة، لقد انكشف ظهرها في العراق تمامًا. لم يعد رجلها في العراق حيًا ولم يعد "رجالاتها" في العراق يمسكون بقوة على مقبض السلطة.

يمثل اجتماع القوى الشيعية الذي جرى عقب تكليف عدنان الزرفي بتشكيل الحكومة رسالة واضحة في إعادة الحياة للبيت الشيعي مرة ثانية

اليوم مع ما تعاني فيه إيران من حصار اقتصادي خانق وتفشي وباء كورونا ما مستقبل قوتها ونفوذها في العراق؟ يمكن عد ما قاله رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي في لقاء تلفزيوني حول زيارة أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني للعراق، بأن الإيرانيين أوصلوا رسالة للأحزاب الشيعية، بأنهم لن يمارسوا نفس الدور السابق، وأنهم سيكفون عن تدخلهم في العراق، أو لن يكون كالسابق. والذي وصفه العبادي بأنه "يسمعه أول مرة". هذه الرسالة الإيرانية تكشف عمق التحديات والمشاكل التي خلفها تفشي الفايروس في إيران، فضلًا عن المشاكل العميقة الأخرى، وهو ما يجعلها أمام ظرف بالغ الخطورة، قد يصل بها إلى الانهيار، كأن إيران تقول للقوى الشيعية الموالية لها، على ماذا نراهن في دعمكم؟ وماذا يمكن أن نقدم لكم ونحن وسط وباء قد يعصف بنا؟

اقرأ/ي أيضًا: فيروس الديانة الشعبية القاتل

فهمت الأحزاب الشيعية رسالة إيران التي وصلتها عبر مسؤول كبير ويشغل منصبًا حساسًا، بأنها فقدت الجهة التي كانت تقسم الكعكة بينهم، ووجدت نفسها أمام دور تقوم به بلا موجه إقليمي مؤثر. أصبحوا اشبه بفرقة أوركسترا بلا قائد، فما الذي يمكن أن تقوم به هذه الأحزاب، وهي أمام أزمة تشكيل حكومة بديلة عن حكومة عادل عبد المهدي، وهي فرصتها الأخيرة في النجاة والبقاء على قيد الحياة؟

الخطوة الأولى هي توحيد الصفوف، وهي تشبه تمامًا خطوة تشكيل البيت الشيعي عام 2003، والذي خرجت عنه قائمة الائتلاف العراقي الموحد التي ضمت القوى الشيعية، وخرج منه رئيس الوزراء أيضًا، لقد وجدت الأحزاب الشيعية نفسها أمام لحظة 2003 لكنها بلا إيران هذه المرة، ليس لديها إذًا غير توحيد الكلمة وركوب الجميع سفينة واحدة، وأي خيار بديل عن هذا يعني نهايتها المؤكدة، وهذه النهاية قد لا تكون سياسية فقط، بل ربما قانونية أيضًا، بمعنى أنها قد تقع تحت طائلة القانون بسبب فسادها الكبير وتجاوزاتها الخطيرة على المال العام وعلى القانون أيضًا.

يمثل اجتماع القوى الشيعية الذي جرى عقب تكليف رئيس الجمهورية برهم صالح لعدنان الزرفي بتشكيل الحكومة رسالة واضحة في إعادة الحياة للبيت الشيعي مرة ثانية، لذلك لن ترفض هذه القوى تكليف الزرفي فقط، بل كل مرشح لا يخرج من عباءتها، لأنها لا زالت تعتقد أن خروج أي حكومة بعيدًا عنها ودون رغبتها، لا يعني فقدانها للسلطة فقط، بل يعني إمكانية تعرضها للمساءلة القانونية، وليس لديها غير ورقة واحدة أو شرط واحد لتصويتها على أي حكومة، وهو في إجابة تلك الحكومة عن سؤال أساسي وحاسم: هل ستحاسبني على فسادي؟ الـ"كلا" وحدها من تجعلهم يرفعون أيديهم بالتصويت، نعم. لأن هذا يعني بقاءهم في العلمية السياسية وفي السلطة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الاحتجاجات العراقية وصراع الثقافات السياسية

عصر الجماهير: لا جديد تحت نصب الحرية