ultracheck
رأي

كيف ابتلع تحالف "الإطار التنسيقي" المجتمع المدني في العراق؟

12 يوليو 2026
الإطار التنسيقي
روان سالم
روان سالم كاتبة من العراق

تأسس الإطار التنسيقي كتحالف سياسي شيعي بعد انتخابات 2021، إذ تعرضت القوى الشيعية في هذه الدورة الانتخابية إلى خسارة انتخابية كبيرة مقابل صعود التيار الصدري والقوى الجديدة المنبثقة من احتجاجات تشرين. ضمّ الإطار التنسيقي أحزابًا وقوى رئيسية مثل ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وتحالف الفتح المرتبط بالحشد الشعبي، وتيار الحكمة الوطني بقيادة عمار الحكيم، وتحالف النصر بقيادة حيدر العبادي، بالإضافة إلى قوى وشخصيات أخرى معروفة بقربها من الفصائل المسلحة ودائرة النفوذ الإيراني في العراق.

أدرك الإطار التنسيقي تدريجيًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الشارع، بل يكمن في المجتمع المدني القادر على خلق شرعية بديلة وخطاب سياسي خارج المنظومة المعتادة

نشأ الإطار عمليًا في ظروف حرجة لحماية هذه القوى من خطر انهيار نفوذها داخل الدولة بعد أزمة الانتخابات، لكنه تحول تدريجيًا إلى اليد السياسية الأساسية الحاكمة بعد انسحاب التيار الصدري من البرلمان عام 2022، إثر مشكلات تتعلق بتفسير المحكمة الاتحادية للكتلة الأكبر، إذ إن التفسير كان يحمل نوعًا من الانحياز إلى الإطار التنسيقي على حساب التيار الصدري. وهو ما منح الإطار فرصة ذهبية لإعادة تشكيل الخريطة السياسية من الداخل، عبر ملء المقاعد الشاغرة وتشكيل حكومة جديدة بقيادة محمد شياع السوداني.

فتح هذا الأمر الباب أيضًا أمام الإطار لفرض الهيمنة الكاملة على السلطة وتشكيل الحكومة وإعادة الاستيلاء على مفاصل السلطة التنفيذية والتشريعية والأمنية، فالسلطة التشريعية والتنفيذية كانت تُدار من خلال مجلس النواب ورئاسة الوزراء، أما الأمنية فتُدار عن طريق فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي.

وبالرغم من أنه لا يُقدَّم بشكل دائم كواجهة سياسية صريحة داخل الإطار، إلا أنه يُعد من الشخصيات المحورية المرتبطة ببنية النفوذ الذي يمثله الإطار، بحكم رئاسته لهيئة الحشد وعلاقته بالفصائل الموالية لإيران، ما يجعله جزءًا من شبكة القوة الأمنية والسياسية التي دعمت صعود الإطار وتحوله من تحالف انتخابي إلى مركز الهيمنة الفعلية على النظام السياسي بعد عام 2022.

لم يأتِ هذا الصعود للإطار عبر لحظة آنية أو عابرة، بل جاء عبر مسار طويل من تراكم النفوذ داخل بنية الدولة العراقية بعد عام 2003، ثم استثمار الأزمات السياسية والأمنية لإعادة هيكلة هذا النفوذ كلما تعرض للاهتزاز. فالقوى التي يتكون منها الإطار اليوم كانت تمتلك منذ سنوات شبكة واسعة داخل مؤسسات الدولة تشمل الوزارات والهيئات والاقتصاد الريعي والأجهزة الأمنية ونفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بهيئة الحشد الشعبي.

لكن هذا النفوذ تعرض لهزة قوية بعد احتجاجات تشرين، التي كسرت للمرة الأولى صورة الأحزاب الشيعية التقليدية بوصفها الممثل الحصري للشارع الشيعي، وطرحت خطابًا يتهم المنظومة الحاكمة بالفساد واحتكار الدولة واستخدام السلاح لحماية السلطة.

منذ تلك اللحظة، تحول الإطار إلى المهيمن الأول على مفاصل الدولة كافة، مستفيدًا من غياب المعارضة السياسية المنظمة ومن تفكك قوى تشرين داخليًا. كذلك صدّر الإطار نفسه بوصفه القوة الوحيدة القادرة على إدارة الفوضى وضبط التوازنات السياسية الداخلية، مستفيدًا من هذه الحالة لتبرير إعادة إنتاج السلطة وترويج خطاب الاستقرار. وهكذا انتقل الإطار من حالة الدفاع عن بقائه بعد تشرين والانتخابات إلى موقع القوة التي تدير الدولة وتعيد تشكيل المجال السياسي والمدني بما يضمن استقرارًا طويل المدى للإطار.

من قمع المجتمع المدني إلى إعادة إنتاجه

للمرة الأولى منذ عام 2003، خرجت تظاهرات واسعة في بغداد ومدن الجنوب من دون قيادة حزبية أو دينية أو عشائرية، وبخطاب يتهم الطبقة السياسية الشيعية نفسها بالفساد واحتكار الدولة واستخدام السلاح لحماية السلطة. كان هذا التحول صادمًا لقوى مثل ائتلاف دولة القانون وتحالف الفتح وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر، وحتى التيار الصدري رغم مشاركته الضمنية في تشرين.

هذه المرة لم تكن المظاهرات مدفوعة من خصوم طائفيين، ولم تكن مظاهرات سنية أو كردية، بل خرجت من البيئة التي كانت حاضنة لهذه القوى. والأخطر بالنسبة لهم أن تشرين لم تنتج متظاهرين فقط، بل أنتجت شبكة اجتماعية كاملة قائمة على إقصاء القوى السياسية الشيعية منها. فللمرة الأولى ينجح المجتمع في تلبية احتياجاته بنفسه، دون الحاجة إلى الاستعطاف أو التوسل للحاكم: فرق تطوعية شبابية، ومنصات إعلام بديل، ومبادرات دعم قانوني للمعتقلين، وحملات تمويل جماعي، ومساحات ثقافية داخل ساحات الاعتصام، وشبكات صحفيين وناشطين خارج الإعلام الحزبي، وفرق فنية متنوعة.

بدأ الإطار التنسيقي بالتحول إلى التعامل مع الواقع بناءً على نظرية الاحتواء السلطوي، التي تشرح كيف تحتوي السلطة الفضاءات التي تهددها وتسيطر عليها وتعيد إنتاجها بطريقة تناسب سردياتها

هنا بدأ إدراك داخل الإطار أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الشارع، بل يكمن في المجتمع المدني القادر على خلق شرعية بديلة وخطاب سياسي خارج المنظومة المعتادة، والمجتمع المدني القادر على تنفيذ الصورة المتوقعة لشكل العراق خارج هيمنة الأطر التقليدية، والمجتمع المدني الذي يحلم ويسعى لتحقيق صورة أخرى للعراق.

وبكل تأكيد، لم يلتزم الإطار جانب الصمت. في البداية جاء الرد عبر الأدوات التقليدية: الاغتيالات، والاختطاف، والترهيب، وحملات التخوين، واتهام الناشطين بالعمالة والتمويل الخارجي. لكن مع الوقت، بدا واضحًا أن القمع المباشر وحده غير كافٍ؛ فهو يكفي لإسكات اللحظة ولإخماد شعلة التغيير الحالية، لكن ماذا عن الخطر المحتمل؟ ماذا عن أشكال المقاومة مستقبلًا؟ ماذا عن الفضاءات العامة وخلق أجيال ترفض القمع والترهيب؟

فالشبكات المدنية المستقلة (منظمات ومجموعات وأفراد) قد تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، وهنا بدأ الإطار بالتحول إلى التعامل مع الواقع بناءً على نظرية الاحتواء السلطوي، التي تشرح كيف تحتوي السلطة الفضاءات التي تهددها وتسيطر عليها وتعيد إنتاجها بطريقة تناسب سردياتها بدلًا من إلغائها بشكل كامل، أي أشبه بتهجير مجموعة أشخاص من أراضيهم وجلب مستوطنين جدد.

بعد تشكيل حكومة محمد شياع السوداني عام 2022، شهد العراق توسعًا هائلًا في تسجيل المنظمات والجمعيات والمبادرات الشبابية. ووفق بيانات دائرة المنظمات غير الحكومية العراقية، ارتفع عدد المنظمات المسجلة من 5314 منظمة عام 2022 إلى أكثر من 6699 منظمة عام 2025، بينها أكثر من 6500 منظمة محلية.
هذا العدد المرتفع لم يكن مؤشرًا صحيًا على توسع المجتمع المدني، لأنه ترافق مع ظاهرة لافتة؛ إذ بدأ عدد كبير من المنظمات المرتبطة بأحزاب السلطة أو ببيئة الحشد الشعبي والفصائل الأخرى يرفع شعارات جذابة ومقبولة دوليًا، مثل: تمكين الشباب، وبناء السلام، والتنمية المحلية، وريادة الأعمال، والتوعية الانتخابية، والتوعية بحقوق المرأة، والاستقرار المجتمعي.

لكن الكثير من هذه المنظمات ارتبط بشخصيات حزبية أو رجال أعمال قريبين من أحزاب الإطار، أو حصل على تسهيلات حكومية ورعاية من وزارات ومحافظات يسيطر عليها الإطار. ويُستخدم مفهوم GONGOs، أي «المنظمات غير الحكومية الحكومية» (والتسمية صحيحة كما هي)، لوصف هذا النوع من المؤسسات التي تبدو مستقلة شكليًا أو غير حكومية، لكنها تعمل عمليًا بتمويل حكومي بوصفها امتدادًا ناعمًا للسلطة.

في بغداد والبصرة والنجف، بدأت تتوسع أيضًا مراكز ومنتديات بحثية تقدم نفسها بوصفها فضاءات للحوار وصناعة السياسات الداخلية والخارجية. ورغم اختلاف هذه المؤسسات في مدى قربها من السلطة، إلا أنها أصبحت جزءًا من المشهد المدني الجديد المدعوم سياسيًا وحزبيًا، الذي يحاول التركيز على مصطلحات مثل الإصلاح التدريجي والاستقرار، وهي مصطلحات تخدم المرحلة وتهدئ الشارع وتشرعن استنزاف الوقت دون حدوث أي تغيير حقيقي، بدلًا من التركيز على مساءلة بنية السلطة أو تفكيك الاقتصاد والهيمنة الحزبية وضبط السلاح بيد الدولة.

كما توسعت الأحزاب في إنشاء مبادرات شبابية مرتبطة بشكل غير مباشر بمكاتب سياسية أو شخصيات نافذة. وفي الجامعات العراقية تحديدًا، ظهرت برامج تدريب وورش ومنح ومؤتمرات تستهدف الطلبة والخريجين تحت عناوين التنمية والقيادة وريادة الأعمال، لكنها كانت تخلق تدريجيًا شبكات ولاء وعلاقات داخل البيئة الشبابية.

لم تكمن مشكلة تشرين بالنسبة للإطار في المتظاهرين فقط، بل إن المشكلة كانت في أن تشرين كشفت خطورة الصحفيين والباحثين والأكاديميين ومقدمي البرامج وصناع المحتوى

الأهم أن هذه الاستراتيجية لم تهدف دائمًا إلى إلغاء المنظمات المستقلة، بل كانت تهدف إلى إغراق الساحة ببدائل كثيرة تجعل من الصعب على المواطن أو البعثات الدولية أو حتى الصحفيين التمييز بين المدني الحقيقي والمدني المصنوع. وهكذا، لم تعد السلطة تحارب المجتمع المدني من الخارج فقط، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى منتجه ومموله ومحدد سقفه السياسي.

هذا التحول سمح للإطار بالانتقال من موقع الدفاع بعد صدمة تشرين إلى محاولة إعادة هندسة المجال المدني نفسه. فبدلًا من أن يكون المجتمع المدني مساحة رقابة على السلطة، بدأ يتحول تدريجيًا إلى مساحة لإعادة إنتاج شرعيتها.

المدنيون الجدد وصناعة النخب الموازية

لم تكمن مشكلة تشرين بالنسبة للإطار في المتظاهرين فقط، بل إن المشكلة كانت في أن تشرين كشفت خطورة الصحفيين والباحثين والأكاديميين ومقدمي البرامج وصناع المحتوى الذين استطاعوا خلق ونقل لغة سياسية جديدة مختلفة عن خطاب الأحزاب الشيعية التقليدية. فقبل تشرين كانت قوى الإسلام السياسي الشيعي تعتمد على السياسيين المعروفين، والمتحدثين العقائديين، والإعلام الحزبي المباشر (قنوات التلفاز غالبًا).
لكن تشرين أظهرت للإطار أن هذا الخطاب خسر جزءًا كبيرًا من قدرته على التأثير داخل الأجيال الشابة. وهنا بدأت عملية تصنيع "المدنيين الجدد"، فبدأ بتقديم شخصيات ترتدي اللباس المدني بالكامل كباحثين في السياسات العامة، وخبراء، وناشطين، وأكاديميين، وصناع محتوى سياسي، ومحللين يظهرون كأصوات مستقلة.
ويقترب هذا المفهوم مما وصفه غرامشي بـ"المثقفين التقليديين"، ويقصد بهم النخب التي تنتجها السلطة لإعادة صياغة خطاب الهيمنة داخل المجتمع بطريقة طبيعية وغير قسرية. وظهر ذلك من خلال المنصات الإعلامية القريبة من بيئة الإطار، فلم تعد تعتمد فقط على الشخصيات الكلاسيكية والمعروفة، بل استبدلت أغلبها بوجوه جديدة تعيد إنتاج الخطاب نفسه بطريقة أكثر نعومة.

كما عملت على تصدير نساء غير محجبات عبر القنوات ومواقع التواصل الاجتماعي، لتأييد أي ملف يخدم مصالح الإطار، والاستفادة من المظهر الذي يبدو مدنيًا لإقناع المتلقي بأن هذه هي قناعة الشعب الحالية، بالرغم من تحرره وانفتاحه.

إلا أن الرسائل السياسية بقيت واضحة: تصوير تشرين على أنها حالة سياسية واجتماعية خبيثة، والترويج لفكرة أن التغيير في المنظومة السياسية سيقود إلى الانهيار، وإعادة تعريف الناشط المقبول بوصفه الناشط الذي لا يصطدم ببنية السلطة، ومهاجمة أي خطاب معادٍ للأحزاب.

ومع الوقت، ظهرت طبقة جديدة متكاملة من الخبراء الذين يتكرر حضورهم في البرامج السياسية، والندوات الدولية، والمؤتمرات الأكاديمية، وورش المنظمات الدولية، ومراكز الدراسات. وبعض هذه الشخصيات انتقل لاحقًا إلى مواقع استشارية داخل الدولة، مثل فرق مستشاري رئيس الوزراء، والمكاتب البرلمانية، واللجان الحكومية. وهنا بدأ التداخل بين المجال المدني والمجال السلطوي يصبح أكثر وضوحًا.

كما استخدمت الأحزاب والمؤسسات القريبة منها التمويل والفرص المهنية كوسيلة استقطاب. فبعد موجة الاغتيالات والهجرة والإنهاك النفسي والتنظيمي الذي أصاب بيئة تشرين، وجد كثير من الشباب أنفسهم أمام خيارين: إما البقاء خارج النظام مع مخاطر التهميش والتهديد، أو الدخول إلى المنصات الجديدة التي توفر التمويل والظهور والعلاقات. وهكذا بدأت عملية امتصاص تدريجية لجزء من البيئة المدنية والشبابية داخل فضاء أكثر قربًا من السلطة.

والأخطر أن هذه النخب الجديدة أصبحت تؤدي وظيفة سياسية بالغة الأهمية: الدفاع عن السلطة دون أن تبدو سلطوية. فهي لا تستخدم لغة القمع المباشر، بل لغة العقلانية والاستقرار والخوف من الفوضى.

وبهذا المعنى، لم تعد السلطة بحاجة دائمة إلى الدفاع المباشر عن نفسها، بل صار هناك من يقوم بهذه المهمة من داخل الحقل المدني نفسه، لكن بلغة أكاديمية وتنموية تبدو أكثر حيادًا وقبولًا.

هل ينجح الخداع البصري؟

على المستوى الشكلي، تبدو استراتيجية الإطار ناجحة إلى حد بعيد. فالعراق بعد تشرين امتلأ بالمؤتمرات ومنتديات الشباب وبرامج التمكين وورش الحوكمة والتنمية والسلام المجتمعي. عشرات المنظمات الجديدة، ومراكز الأبحاث، والحملات التطوعية، ووجوه شابة تتحدث بلغة مدنية حديثة أمام الكاميرات وفي الفنادق الكبرى والسفارات.

وبالنسبة إلى البعثات الدولية والمنظمات الأممية، قد يبدو هذا المشهد دليلًا على تعافي المجال المدني العراقي واتساع المشاركة العامة بعد سنوات العنف والاضطراب، لكن خلف هذا الازدهار البصري تظهر مشكلة حقيقية؛ فكثير من هذه الكيانات لا يمتلك المقومات التي تجعل المجتمع المدني مستقلًا فعلًا. فهي غالبًا نشأت من أعلى إلى أسفل عبر التمويل الحزبي والرعاية السياسية، لا من حاجة اجتماعية عفوية أو تجربة احتجاجية مستقلة. وهو ما يمكن تفسيره من خلال نظرية ترويض المجتمع المدني، التي تحذر من أن الأنظمة السلطوية قد تسمح بازدهار شكلي للمنظمات والمبادرات، لكنها تعمل تدريجيًا على تفريغها من وظيفتها الرقابية وتحويلها إلى فضاءات خاوية، أو فضاءات تتدخل في جوانب لا تهدد السلطة بصورة مباشرة.

ومن جانب آخر، فضلت بعض البعثات الأجنبية والمؤسسات الدولية التعامل مع الكيانات الأقل تصادمية وحدّة، حتى لو كانت أقرب إلى السلطة، لأنها توفر شراكة دائمة وآمنة للعمل. لكن المشكلة الأعمق أن هذه الاستراتيجية قد تنتج مجتمعًا مدنيًا فاقدًا لوظيفته الأساسية. فالمجتمع المدني، في جوهره، ليس مجرد مؤتمرات ومشاريع وورش تدريب، بقدر ما هو مساحة مستقلة قادرة على مساءلة السلطة وتنظيم الناس والدفاع عن مصالحهم خارج الدولة والأحزاب.

وعندما يتحول إلى امتداد غير معلن للسلطة نفسها، يفقد قدرته على لعب هذا الدور، حتى لو احتفظ بالشكل الخارجي للمدنية. وهنا تكمن المفارقة الأساسية التي صنعتها مرحلة ما بعد تشرين في العراق؛ فالسلطة التي عجزت عن القضاء الكامل على المجتمع المدني نجحت في ابتلاعه. فالعملية بدأت بتسلسل واضح ومدروس: تفكيك البيئة المستقلة عبر القمع والترهيب، ثم إنهاك الناشطين والمنظمات المستقلة، ثم فتح المجال أمام منظمات ومبادرات أكثر قربًا من السلطة أو أُنشئت من قبلها، ثم تصدير نخب جديدة بلباس مدني وخطاب تنموي، ثم خلق مشهد مدني بديل.

 استراتيجية الاحتواء، رغم نجاحها النسبي، قد تبقى عاجزة عن الاستمرار في إنتاج شرعية اجتماعية حقيقية

وقد أُنشئت هذه العملية بناءً على ما تصفه الأنظمة الهجينة بـ«الاستبدال الوظيفي» (استبدال الفضاءات القادرة على المساءلة بفضاءات تؤدي وظيفة معاكسة). تنتج هذه الحالة احتمالين رئيسيين للمستقبل: إما أن تنجح السلطة في ترسيخ نموذج المجتمع المدني الذي خلقته، فيصبح المجتمع المدني جزءًا من النظام نفسه بدلًا من كونه أداة للرقابة عليه، أو أن تؤدي الأزمات الاقتصادية والسياسية المتكررة في العراق إلى إنتاج شبكات احتجاج مستقلة جديدة، وإنتاج مجتمع مدني حقيقي جديد لا يعتمد فقط على التمويل أو المؤسسة، بقدر ما يركز على مظالم اجتماعية حقيقية وشعور مشترك بالرغبة في إحداث فارق وتحقيق التغيير.

وهذه العناصر لا تزال قائمة داخل العراق، وتتمثل في البطالة، والفساد، وضعف الخدمات العامة، والسلاح خارج الدولة، وغياب العدالة، والفوارق الطبقية والاجتماعية.

وهذا يعني أن استراتيجية الاحتواء، رغم نجاحها النسبي، قد تبقى عاجزة عن الاستمرار في إنتاج شرعية اجتماعية حقيقية. فالكيانات المصنوعة تستطيع تنظيم مؤتمر أو ورشة أو حملة إعلامية، لكنها غالبًا ما تفشل في لحظات الانفجار الشعبي الكبرى، لأن ما يمنح المجتمع المدني الحقيقي قوته ليس التمويل أو الرعاية السياسية، بل الثقة الاجتماعية والعفوية والاستقلال.
 

الكلمات المفتاحية

.

التحولات الخطابية للقوى السياسية الشيعية وأزمة الشرعية الداخلية

أخذ الخطاب السياسي الشيعي يشهد انقسامًا بين اتجاه يسعى إلى مراجعة تجربة الحكم واتجاه آخر ينظر إلى أي مشروع إصلاحي بوصفه تهديدًا لمعادلات القوة القائمة ونتيجة لذلك برزت أنماط متعددة من أدوات الصراع السياسي


.

لعنة الجغرافيا.. انجراف الدول في فيضانات العراق

جغرافيا مياه الفيضانات العنيفة لنهري دجلة والفرات شكلت القالب الأساسي لصانع القرار السياسي


احتجاجات تشرين الوطنية

مثقف الطائفة: فرانكشتاين آخر في بغداد

أن تكون "مثقف طائفة" لا يعني أكثر من أن تكون ضابط علاقات عامة


الاطار التنسيقي

القداسة السياسيّة بوصفها بابًا من أبواب الإفلات من العقاب

أصبح ملف "القدسيّة المذهبيّة" للابتزاز الموسمي في كل انتخابات

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

كتائب حزب الله.jpg
سياسة

تحذير من "محرقة للجميع".. ماذا بعد تهديد "كتائب حزب الله" لعلي الزيدي؟

مخاوف من فشل الحوار مع الفصائل المسلحة بشأن حصر السلاح في العراق


جلسة مجلس الوزراء
أخبار

قرارات جلسة الحكومة.. تبرع وزارة النفط بـ 5 مليارات دينار إلى الصحة لـ"شراء الأدوية"

الموافقة على الآليات الخاصة بتصدير النفط العراقي من خلال شركات عالمية

الجوية
منوعات

الجوية يعاني من غيابات قبل مواجهة أربيل

لم تتحدد جاهزية رمضان صديق ومراد محمد لمباراة أربيل

الأكثر قراءة

1
منوعات

انفرد "ألترا عراق" بالقصة قبل شهر.. علي جاسم زاخولي مقابل نحو مليوني دولار


2
أخبار

شرطة واسط تكشف ملابسات طعن سائق للاستيلاء على سيارته


3
أخبار

"الحكمة" لـ"ألترا عراق": قاآني اجتمع بقادة الإطار.. ولا تمديد لمهلة حصر السلاح


4
أخبار

قضية عدنان الجميلي: ضبط 20 مليون دولار و60 كيلو غرام ذهب و7 سيارات


5
اقتصاد

خاص| بعد السحب الكبير من الداخل.. الدولة العراقية تتجه للاقتراض الخارجي