كيف نستبدل

كيف نستبدل "المقاومة" بالجهاد العلمي المقدس؟!

سلوكنا الثقافي لم يتجاوز أدبيات المقاومة التقليدية (Getty)

سألني أحد الأصدقاء يومًا: هل أنت مع مقاومة الأمريكان؟ قلت: أنا مع المقاومة، إن كانت هذه المفردة عزيزة على قلبك، لكنّي أتمنى أن "نحتل" الولايات المتحدة في عقر دارها! ابتسم صديقي متسائلًا: كيف؟! قلت: "نحتل" جامعة هارفرد، وستانفورد، وأغلب الجامعات العريقة هناك، فهذا جهاد مقدس. "نحتل" مؤسساتهم الثقافية والفكرية والعلمية والسياسية من خلال البعثات كما فعلتها إيران وأنجبت وزير خارجيتها ظريف خرّيج الولايات المتحدة، وكما فعلتها الصين وأنجبت آلاف العلماء. بعد عقد أو عقدين من الزمن سوف يخرج لنا جيش من المقاومين الأبطال: مفكرون من الطراز الرفيع يقاومون الولايات المتحدة بسلاحها العلمي والثقافي. إن لم ننتج هكذا جيل معنى هذا ستزداد أعداد الأرامل والأيتام والأمييّن والمعاقين والشهداء. إن خرجت الولايات المتحدة من الباب ستدخل من الشباك. "نحتل" العالم، "نحتل" السوربون، وكامبريدج، وأكسفورد، وجامعة برلين، وكل المراكز العلمية في أوروبا، ونرجع حاملين البشرى لوطننا الجريح، مثل الفاتحين القدامى، هذه المعركة المقدسة التي أتمناها وأنتظرها لآخر العمر. وقلت له ممازحًا: ها أنذا أوفيت بوعدي واستخدمت المفردات العزيزة على وجدانك، هذه هي "المقاومة" التي تروقني!

إن الوطن له حدود وحدوده تبدأ من النخبة الفاعلة ومؤسسات الدولة، وكل شيء متاح في العراق إلّا هاتين المعجزتين

 وبما أنني كنت أحلم مع هذا الصديق العزيز استفقت على هذه الحقيقة: إن سلوكنا الثقافي لم يتجاوز أدبيات المقاومة التقليدية، وخصوصًا قصة نضالنا السياسي الطويل تجاه سياسات الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة. ذلك أن سياساتنا لم تخرج عن دائرة التكتيك، والولايات المتحدة يمكنها أن تدعم هذا التكتيك بشكل مضاعف! فالإمبراطوريات الكبرى لا تسقطها الأعتدة الثقيلة مهما كان حجمها، وما لم تكتمل بنية القوة وتتوفر كامل عناصرها، فسنغدو أحد الأسباب الجوهرية في تخلف واقعنا السياسي والثقافي. وبلد بحجم الولايات المتحدة يحتاج إلى نموذج مضاد يماثله بالقوة، أعني بها: القوة العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، وليس بالأناشيد الوطنية وسحق الأعلام وحرقها.

اقرأ/ي أيضًا: حين يضيع الوطن كقربان لأشواق الطائفة

لا زالت بلدان أوروبية وأسيوية عريقة عاجزة حتى الآن من منافسة هذا الإمبراطورية. أما نحن البلدان المنخورة والضعيفة والتي تهيمن على مؤسساتها حفنة من اللصوص لا نقوى على رسم سياسات مع الكبار، بل لا نتملك الخبرة اللازمة في إكساء شارع. ودائمًا ما تكون خيارتنا معدومة، ذلك أن الكبار من يخططون والباقون يأخذون مرتباتهم بصمت. إن بلدًا مثل العراق مسلوب الإرادة فيما يتعلق بأمنه المائي، والاقتصادي، والزراعي، ولا يمكنه صناعة قراره بيده. ومهما كانت أهمية البلدان الطرفية فلا يمكنها التحرك إلّا من خلال رضا دول المركز؛ فهذه البلدان لا تمتلك قرارها النهائي.

 وبالتأكيد لا يمكن لوزارة خارجيتنا أن تضع لنا رؤية واضحة من خلال مستشاريها فيما يتعلّق بالأمن الوطني والتحديات التي تحيط بالبلد، إذ لا زال القائمون على الأمر ليسوا من أهل الصنعة ولا يتمتعون بالحرفية الكاملة على رسم سياسية استراتيجية للخروج من المأزق. القائمون على الأمر مصممون بصلابة عالية أن يتركوا العراق أرضًا محروقة للفاسدين، وقد صرّح أحد أعضاء هذه الجوقة سابقًا ما مضمونه: كلّنا سرّاق ومتورطون بنهب المال العام، والرجل لم يتكلم إلا بالحق ولم يتعدَ وظيفته الحقيقية. ونحن كما نرى لو حللنا وضعنا بإنصاف بعيدًا عن "الهوسات العشائرية"، سنجد العراق حاليًا عبارة عن نقطة باهتة في خارطة العالم، وثبت أن من يتحكمون بسياساته الداخلية على الأقل هم أقرب إلى الروزخونية منهم إلى السياسيين، ولا يشكلون أدنى تأثير في السياسة العالمية.

 منذ سقوط البعث وحتى هذه اللحظة ما أن تختفي أزمة حتى تظهر الأخرى من دفاتر المأساة العراقية؛ من "القاعدة" مرورًا بـ"داعش"، وأخيرًا وليس آخرًا، أزمات الانتخابات وما يتبعها من تشكل حكومة وتقاسم للمناصب. لقد أجمع الفاسدون على إحالة هذا البلد إلى كتلة من الجحيم، وأصبح مكانًا لا يصلح للعيش كما لو أن مواطنيه منفيون في أوطانهم، أما الجزء الآخر، فقرر البعض منهم العيش في البلدان المجاورة وفي بلدان أوروبا طلبًا للكرامة البشرية. ولا زالت "القوى الوطنية" حلم لا يختلف كثيرًا عن قصص العجائز. 

سيبقى العراق، إلى أجل غير معلوم، اسم لا يدل على مسمّاه، ذلك أن الوطن له حدود، وحدوده تبدأ من النخبة الفاعلة ومؤسسات الدولة، وكل شيء متاح في هذا البلد العجيب إلّا هاتين المعجزتين! وبلد مثل العراق محاط بجيران أقوياء لا يمكنه الخروج من هذا المأزق، إلا بتبديل مفردة "المقاومة" وضخها بدلالات مغايرة عن الذي اعتدناه شريطة أن تتوفر النوايا المخلصة. فلنحلم، والحلم حق، بمقاومة على الطريقة الصينية، هذه الطريقة التي استطاعت من إطعام قارة بأكملها بلا شعارات فارغة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الدولة والجماعة في العراق: من يتحكم بنا؟

أحزاب "عملية" وجماهير عقائدية