لماذا لا نتغيّر؟

لماذا لا نتغيّر؟

الأمل المعقود على الأجيال الجديدة في التغيير (فيسبوك)

من ضمن الشتائم التي اعتدنا عليها وأضحت خبزنا اليومي هو احتقار المجتمع العراقي بطرق تعبيرية مختلفة. ليس بالضرورة أن نوجه شتائمَ مباشرة، بل يكفي التشكيك الدائم بالشعب العراقي، باعتباره شعب "متقلّب"، أو "ازدواجي"، وغيرها من هذه المفاهيم. وبالطبع ثمّة فارق بين أمراض تعتري ثقافة ما وتسبب اختلالًا عارضًا في سلوكياتها وطرق تفكيرها المضطربة، وبين "طبائع ثابتة" يوصم فيها شعب ما باعتبارها سمات جوهرية لا يمكن تغييرها! بمعنى أن المتذمرين من مجتمعاتهم عادةً ما يتجاهلون الظروف الموضوعية التي تشكّل سببًا جوهريًا في ظهور أعراض مرضية يعاني منها هذا المجتمع أو ذاك. على خلاف العلماء والباحثين، فهم وإن أشاروا إلى مواطن الخلل في المجتمع، غير أن هذه الإشارات لا تختلف عن تشخيص الطبيب، ثمّ أنهم لا يقعون بفخ الجبرية، ولا يعتبرون هذه الطبائع جوهرية وثابتة منذ الأزل. وفي وضع مثل الوضع العراقي، لا يمكن تجاهل كل الظروف التاريخية التي مر بها، من احتلالات وكوارث طبيعية وحروب. فالتداعيات لا تسكن السماء وإنما ترتكز في الذاكرة وتؤثر على السلوك. والعراق لا يختلف عن غيره فيما لو أراد النهوض. كل ما في الأمر يحتاج إلى مقدمات واقعية لكي يقف على قدميه. وبإمكاننا النقاش حول هذه المقدمات فيما لو كانت موجودة أم معدومة، لا أن نتورط في في إسقاط تذمرنا وعدميتنا ونجعل منها حقائق علمية!

 المتذمرون من مجتمعاتهم عادةً ما يتجاهلون الظروف الموضوعية التي تشكّل سببًا جوهريًا في ظهور أعراض مرضية

 مؤكد أن وعي النخبة المثقفة -إن وجد- وحده لا يكفي، والموضوع لا يرتبط بوعيهم الفردي، ذلك أنّهم لا يشكّلون كلّاً متماسكًا رغم الخطوط العريضة التي يشتركون فيها، كالاهتمام بالصالح العام مثلًا. إن الحث على القراءة والتثقيف عليها، وإصدار الكتب والدوريات تساهم في تغيير وعي الأفراد (كما ذكرناه في مقالة سابقة). لكنّه من المبالغ به التعويل عليها وحدها في التغيير الاجتماعي، ذلك إن رقعة التغيير التي يتمتعون بها ضيّقة للغاية. فكلما ارتفع وعي هؤلاء الأفراد وسط ظروف اجتماعية متردية، وانهيار مؤسسات الدولة بشكل عام، فهم للاغتراب أقرب منهم للاندماج بالواقع ومحاولة تغييره، إن كانوا يمتلكون أدوات التغيير أصلًا، أو إن كانوا مهتمين بالصالح العام. لكن، وممّا لا شك فيه، إن المعرفة أقدس من الجهل، وجمهور المثقفين أفضل بكثير من جماعات جاهلة تسيّرها الأوهام. بمعنى أن أي نهضة قد تحصل سيكوّن المثقفون القاعدة الصلبة للنهوض بالبلد إن وجدت النخبة السياسية التي تحتضن هؤلاء، وبخلافه سيسقط هذا الجمهور في دائرة الاغتراب كما قلنا. والاحتضان هنا لا يعني السير في ركاب السلطة من قبل المثقفين، وإنما عن التغيير نتكلم حصرًا.

اقرأ/ي أيضًا: القراءة والحرية

إن التغيير هو سياسي قبل كل شيء. والرهانات التي تعوّل على التغييرات الاجتماعية أولًا، هي رهانات لها ما يبررها. لكنّ التغييرات الاجتماعية بطيئة للغاية. فالنخبة من هذه الناحية تأخذ على عاتقها تغيير البنى الاجتماعية، وعلى الرغم من وجود نخبة سياسية مخلصة، فهذه صيرورة طويلة الأمد احتاجت أوروبا النضال عدّة قرون لكي تستقر على ما هي عليه. لكن ثمّة تغييرات قصيرة الأمد نتلمّسها ونتعايشها، أي أن الجيل الأول من التغيير سيشهد بعض التغييرات، التي لا توصلنا إلى بر الأمان طبعًا، لكنّها تحقق بعض الاستقرار النسبي.

إن أي ثقافة يمكنها أن تتغير وتتقدم؛ فمزيد من التعليم والتدريب، كما يقول أمارتيا صن، تخلق مجتمعًا قابلًا للتغير، خصوصًا إذا كانت ثقافته تؤمن بالتعليم ومقارعة الجهل. وأظن أن كل الثقافات، بما فيها ثقافتنا، تمتلك القابلية والرغبة بالتغيير، إن تلمّست النموذج السياسي والاقتصادي الملموس. بمعنى أنها لو تلمّست النموذج المقنع ستنصاع وتخفف من آليات المقاومة التي تبديها ضد كل جديد، ويدخل هذا الجديد في عداد المرغوب ويخرج من قائمة المشاكل التي تهدد القيم الاجتماعية. أي أنه سيكون خضوع للأمر الواقع، خصوصًا لو كان النموذج يفرض نفسه ويغدو نموذجًا شائعًا، كما حصل للتحولات السياسية والاقتصادية وما رافقها من ثورة صناعية وسياسية غيّرت وجه العالم. إن المجتمع الذي لا يتلمّس شيئًا مقنعًا ومترجمًا على أرض الواقع سوى النقد والتذمّر فسيدرج كل هذه المحاولات في خانة التهديد الوجودي. فالبقاء على نقطة مرجعية معتادة خير من خطابات ملتبسة وغامضة تكتفي بالجانب النظري فقط وتعجز عن تقديم العملي.

 إن التغيير يحتاج إلى إمكانيات هائلة تتعدى أفراد يتهيّبون من فكرة التنظيم السياسي ويفتقرون للنموذج المقنع، فسيشكّلون تهديدًا للقيم الاجتماعية، فهم للمشكلة أقرب منهم إلى الحل. لذا، حينما نتكلم عن التنظيم السياسي والرغبة بالتغيير لا نحصره فقط بقدراتنا المحلية. فهذه الأخيرة ستكون حتمًا مفتقرة إلى التقنيات والخبرات اللازمة، فوجب عليها الاستعانة بالخبرات الحضارية الأخرى للنهوض بواقع البلد، مثلما تستعين الحضارات بعضها ببعض وتستثمر الخبرات المتراكمة عند الآخرين، كما فعل أسلافنا المسلمون حينما بنوا حضارتهم العظيمة، ومثلما فعل الروس في بناء إمبراطوريتهم السوفيتية "الاشتراكية"، ومثلما فعل الأمريكان بإمبراطوريتهم الرأسمالية، ومثلما يفعل الصينيون اليوم بتشييد إمبراطوريتهم بالاستفادة من التكنولوجيا الغربية المتقدمة. فالانفتاح هو قدر محتوم لمن يسعى للتغيير، وبخلافه سيتحول التغيير إلى انتكاسة فضيعة ومؤلمة، بل ستندرج مفردة التغيير في خانة الشيطنة، لأنها، كما قلنا، تفتقر للنموذج المقنع.

إذن، مالم تكن هنالك نخبة سياسية مهمومة بالتغيير وتضع على عاتقها بناء الهوية الوطنية، ومن ثم تستعين بشراكات دولية تساعدنا للنهوض بالبلد، فلن يتحقق التغيير المنشود. إن كل رغبة بالتغيير تحصر جهودها بالخطاب النقدي وعاجزة عن تقديم الشروط المادية والاقتراب من هموم الإنسان الحيوية، فهي بالتأكيد تحمل في داخلها بذور دمارها وفشلها، لأن الناس لا تسلّم أمورها إلى خطابات تجريدية، مالم تقترب هذه الخطابات من هموم الناس اليومية والتي يرتبط الكثير منها بحياتها المادية.

 أنا اشك بأن الجهود المحلية وحدها تكفي للنهوض بالبلد، وهذا أمر مفروغ منه ومؤكد بل لا يحتاج إلى شك، خصوصًا أن سنة التغيير تعزز ذلك كما ذكرنا أعلاه. والأمر لا يحتمل المزيد من الشعارات. خلاصة الموضوع: نخبة وطنية مخلصة، وشراكات دولية جدية تساعدنا في بناء هذا البلد المنهوب.

بصرف النظر ما لو كان التغيير من أعلى الهرم أو من قاعدته؛ ففي الحالة العراقية، لا سبيل سوى التغيير من فوق، نخبة سياسية ترفع مشعل التغيير. إننا وإن قلنا بأن التغيير هو سياسي أولًا، وأن انتظار التغييرات الاجتماعية يستهلك زمنًا ليس بالقصير، وأن التغيير السياسي هو من سيحرّك عجلة الصيرورة الاجتماعية، ونتلمّس التغييرات الاجتماعية بالتدريج. غير أن التحدي الماثل هو بقاء البنى الاجتماعية القديمة على حالتها على المستوى القريب. بمعنى حتى لو شهد الجيل الأول بعض التغييرات التي تطرأ على المجتمع، لكنّها ليست كافية للوصول إلى نقطة الأمان السياسي كما قلنا. والمقصود هنا قد تنفرد النخبة السياسية، وربما بتواطؤ من النخب الثقافية، بتعميق حالة الاستبداد! والحجة المتوقعة - أو المٌحتَملة - التي ستسوقها هذه النخب هو جهل العامة وغوغائيتها، وعدم نضج المجتمع للعمل السياسي. وهذا ما يحدث بالضبط في منطقتنا العربية؛ إذ تنطلق هذه النخب من صيغة رعوية لإدارة الحكم مدعومة ببعض النخب "الحداثية" التي تهمس فيما بينها دائمًا بجهل الناس، بينا تتغنى بالديمقراطية ظاهراً! إننا أمام نخب تبحث عن جمهور "مسلفن" تتعكّز عليه وتستنبط شرعيتها للاستبداد بحجة عدم وجود هذا الجمهور الذي يهضم قيم الديمقراطية، فينتهي حلم التغيير بهذه المقدمات السخيفة والتي لا تؤيدها الشواهد التاريخية. فالتحول الديمقراطي يأتي على شكل دفعات، وهو عملية تنشئة طويلة الأمد تنطلق، أولًا وبالذات، من بناء المؤسسات. فالممانعة الاجتماعية تخفت بالتدريج، والعلاقة طردية هنا؛ كلما تلمّست النموذج المقنع ضعفت ممانعتها، وكلما كان النموذج يحصر نفسه في زاوية محددة من خطابات نقدية تجريدية فسيبدي المجتمع مقاومة شرسة ضد أي تغيير ممكن. فالإقناع النظري وحده لا يكفي على الإطلاق.

الأمل المعقود على الأجيال الجديدة، وهي ليست معنية بالأدبيات القديمة، لكنّها لم تعثر على النخبة التي تحمل معها مشعل التغيير

هذه التحديات ليست ذهنية محضة، وإنما تعززها شواهد تاريخية، خصوصًا فيما يتعلق بالنخب السياسية، وهو أحد الأسباب التي  تعلق مصائرنا دائمًا بيد حفنة من "البلطجية"، وظيفتهم الأساسية هي كيفية تدمير البنى الاجتماعية والاقتصادية في منطقتنا، فتغدو قضية الحكم من أعقد القضايا في مشرقنا العربي. فعليه، لم يتبقّ أمل بالأجيال السابقة، فالأمل المعقود على هذه الأجيال الجديدة، وهي ليست معنية بالأدبيات القديمة، لكنّها حتى هذه اللحظة لم تعثر على هذه النخبة "الذهبية" التي تحمل معها مشعل التغيير.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

رياح الحرية والقيم الراسخة.. هل مياهنا راكدة؟

التفكير على الطريقة الشعرية