لماذا يختلف المسلمون حول رؤية هلال رمضان والعيد؟

لماذا يختلف المسلمون حول رؤية هلال رمضان والعيد؟

تكون مدة مراقبة الهلال بالعين المجردة محدودةً وقصيرة جدًا (Getty)

الترا عراق - فريق التحرير

يتحرى المسلمون حول العالم، هذين اليومين، هلال شهر شوال ليُنهي أفضل الشهور الهجرية بالنسبة لهم وأقدسها، شهر رمضان الذي نزل فيه القرآن الكتاب المقدس وفيه ليلة القدر، ويعلن العيد لثلاثة أيام من شهر شوال، لكنهم وعلى الرغم من التطور الكبير في علم الفلك ووجود الآلات دقيقة جدًا، يخلتفون كل عام تقريبًا، حول ثبوت رؤيته من عدمها، وذلك لاشتراطات فقهية وأخرى فلكية.

حددت الشريعة الإسلامية الأهلة كمواقيت لبداية الأشهر ونهايتها وفق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

كان مركز الفلك الدولي، أعلن الأسبوع الماضي، أن عدد "أيام شهر رمضان هذا العام 29 يومًا باعتماد الحساب الفلكي، أو 30 يوما باعتماد رؤية الهلال، مبينا أن "رؤية الهلال غير ممكنة اليوم الاثنين 3 حزيران/ يونيو، في مختلف دول العالم الإسلامي والعديد من دول العالم الأخرى، لا بالعين المجردة ولا بالتلسكوب ولا حتى باستخدام تقنية التصوير الفلكي الرقمي فائقة القوة".

اقرأ/ي أيضًا: العاصمة تتعافى: لأول مرة يستقبل البغداديون عيدًا بمزايا "فريدة"

أضاف المركز، أن "الدول التي بدأت رمضان يوم الإثنين، وتشترط رؤية الهلال لدخول الشهر الجديد فمن المفترض أن تكمل عدة رمضان 30 يوما، وأن يكون يوم الأربعاء 5 حزيران/ يونيو غرة شهر شوال (يوم العيد)، أما الدول التي تكتفي بالحسابات الفلكية، فمن المفترض أن يكون رمضان فيها 29 يومًا، وبذلك يكون غدًا الثلاثاء 4 حزيران/ يونيو يوم العيد فيها".

لماذا الاختلاف؟

منذ عهد الرسول محمد (ص)، جرت العادة على رؤية الهلال بالعين المجردة كشرط لتحديد بداية الشهر الهجري، وخاصة شهري رمضان وشوال، حيث ورد في الحديث النبوي "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وبدأ الاعتماد على شهود مُدربين يمتازون بحدة البصر لتحري الهلال عند غروب شمس يوم التاسع والعشرين من رمضان، فيذهبون إلى أماكن المرتفعات أو الجبال. ويعودوا بعد رؤيته إلى القاضي الشرعي أو إمام المسلمين للشهادة بذلك، فيُعلن العيد. وفي حال لم يتمكنوا من رؤيته، خاصة إذا كانت الظروف الجوية غير مؤاتية، فأن القاضي الشرعي يُعلن تتمة الشهر الهجري 30 يومًا، وهذا ينطبق على جميع أشهر السنة الهجرية.

إضافة إلى ذلك، تختلف إمكانية رؤية هلال العيد من دولة إلى أخرى تبعًا لتضاريسها المختلفة، والتي قد تحول دون رؤية الهلال، ليكون الشهر 30 يومًا في دولة، و29 في الدولة الثانية. وعلى الرغم من تطور وسائل الأرصاد، فأن الكثير من علماء الدين في الدول الإسلامية يفضلون الأهلة "رؤية الهلال بالعين المجردة" التزامًا بالحديث النبوي.

ومع هذا، يقدم علم الفلك المساعدة لدائرة القضاة الشرعيين في بعض دول العالم الإسلامي أو الهيئات الدينية، بشأن تحري الهلال، في حين تعتمد دول كثيرة على توقيت مكة المكرمة لارتباط هلال شهر رمضان فيها بتحديد موعد وقفة عرفة في الحج.

تختلف إمكانية رؤية الهلال من دولة إلى أخرى تبعًا لتضاريسها المختلفة ويختلف المسلمون في آلياتها وشروطها

"صعب الرؤية.. سريع الاختفاء"!

تكون مدة مراقبة الهلال محدودةً وقصيرة جدًا، إذ يختفي بعدها ولايمكن رؤيته، بحسب مختصين في علم الفلك، كما أن هناك شروطًا لذلك، منها أن يكون اتجاه الناظر في جهة الغرب قرب مغطس الشمس، وأن يكون الرصد في الأماكن المفتوحة التي يُشاهد فيها الأفق دون تأثيرات أو معوقات كالعمران والجبال والتلال، وأن يتبعد الراصد عن مصادر الإضاءة العالية المشوشة لعملية الرؤية والرصد الصحيح.

يؤكد المختصون، أن رؤية القمر تكون صعبة في أكثر الحالات، بسبب قربه من الشمس وتأثره الكبير بالاضاءة الناتجة عن شفقها، إضافة إلى قلة حجم الجزء المضاء من القمر مما يصعّب رؤيته، موضحين أن هلال أول الشهر يقع إلى الجنوب من المكان الذي غربت فيه الشمس، ويكون إلى الإعلى متجها نحو الجنوب أيضًا، أما هلال آخر الشهر فلا يمكن رؤيته بعد غروب الشمس، ويكون إلى الأسفل باتجاه الشمال. كما لا يمكن رؤيته بالعين المجردة مالم يكن عمره 15 ساعة، أو 12 ساعة بالنسبة للتلسكوب.

لا يقتصر الاعتماد على رؤية الهلال لتحديد مناسبات دينية على المسلمين فقط، ففي القرن السابع كان المسيحيون واليهود يراقبون أطوار القمر للأحتفال بأيامهم المقدسة كالفصح والقيامة، قبل أن يتم التوجه نحو اكتشافات فلكية تعود إلى العالم الفلكي الأثيني ميتون (حوالي 430 ق.م)، وفق أبحاث تاريخية، لمواجهة مشكلة فرق الأيام في الشهور القمرية عن الشمسية.

"علم الفلك في القرآن"

أبحاث إسلامية تشير، إلى أن القرآن الكريم حفز أو دعا المسلمين إلى إيجاد طريقة أو نظرة خاصة بهم لعلم الفلك، أو اعتماد النجوم على الأقل، في حياتهم العملية وايجاد طرق لذلك، منها قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(97)﴾. وعلى أساس هذه الدعوة طور المسلمون، بحسب تلك الأبحاث المتعددة، أدوات للرصد والإبحار، وحملت نجوم عديدة منها أسماء عربية.

اقرأ/ي أيضًا: أعياد العراق.. أفراح منقوصة

تبيّن هذه الأبحاث، أن علم الفلك عند علماء الحضارة الإسلامية عُرف بـ"علم الهيئة" أو "علم الأنواء" أو "علم التنجيم" لارتباطه بدراسة الأفلاك والنجوم والأبراج، وقد استوعب هؤلاء العلماء ما سبقهم إليه غيرهم من علماء الحضارات الأخرى سواءً في مصر أو اليونان أو فارس والهند، وترجموا عدة كُتب لهم، منها "مفتاح النجوم" المنسوب إلى "هرمس الحكيم" وكتاب "المجسطي" لبطليموس، و"السند هند"، ثم راحوا يألفون على نهجها، قبل أن تبدأ مرحلة الابتكار التي بلغت أوجها في بداية القرن الثالث الهجري وحتى منتصف القرن التاسع.

برع العرب والمسلمون في علم الفلك وبرز بينهم علماء بهذا الاختصاص تمكنوا من تطويره واختراع آلات للرصد

خلال تلك الحقبة، أُلفت العديد من الكتب الخاصة بهذا المجال، منها "الزيج الصابي" للبتاني، و"زيج السند هند" للخوارزمي، و"النجوم الثابتة" لعبد الرحمن الصوفي، و"الزيج الحاكمي الكبير" لابن يونس وغيرها، إضافة إلى اختراع عدة آلات وأجهزة تستخدم في رصد النجوم والأفلاك كـ"المزولة الشمسية" و"الساعة المائية"، و"الأَسْطُرلاب" بأشكالِه المختلفة، وبيت الإبرة "البوصلة".

كما توضح تلك الأبحاث، أن أول أرصاد علمية في الإسلام أجريت في عهد الخلفية المأمون العباسي في دمشق بالشام والشماسة ببغداد سنة 214 هجرية، وذلك بعد الإطلاع على كتاب "الْمَجِسطي" والتعرف على آلات الرصد الموصوفة فيه، قبل أن تتعدد المراصد الفلكية وتزداد أعداد الفلكيين، ويتم انشاء مرصد "ابن الأعلم" في بغداد و "بني موسى" والمرصد الشرفي" نسبة إلى شرف الدولة بن عضد الدولة البويهي.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حفلات الموت المستمر.. العراقيون يحيون أعيادهم عند المقابر

قهوة العيد الجديد