"لو العب لو أخرّب الملعب".. عاشت المعارضة!

أي معارضة لا تقترب من شكل النظام في العراق هي ليست معارضة (فيسبوك)

بعد سقوط النظام السابق وفي أيام "الفرهود" والحواسم وفي خطب إحدى الجُمع صعد الخطيب إلى المنبر وألقى خطبة عصماء محذرًا ومتوعدًا الذين تُسول لهم أفكارهم الانضمام إلى سلك الشرطة أو الجيش حيث كانا في بدايات تكوينهما، بأن لهم نار جهنم وعذاب من الله. وكان الشيخ يعلل ويبرر تحذيره بأن الرواتب التي يتقاضاها هؤلاء المنتسبين من الدولة هي حرام مُؤكد، باعتبار أن هذه الدولة كافرة نصبّها محتل كافر، وإن كل الرواتب والامتيازات التي يتقاضاها الموظف من هذه الدولة هي محرّمة، لكن المفارقة المضحكة أن هذا "الداعية" كان هو نفسه يتقاضى راتبًا من هذه الدولة الكافرة!.

كيف ستصبح العلاقة بين الحكومة والمعارضة إذا كان كلٌ مُنهما يمتلك ملفات فساد وسرقات وأدلة تدين الطرف الآخر؟

ذكرتني هذه "الحكاية"، وقد مر على أذهاني استيقاظ البعض من سباتهم الذي دام لأكثر من 16 عامًا من المشاركة والتشارك والاشتراك في العملية السياسية التي صنعتهم ليقرروا فجأةً أنهم أصبحوا مُعارضين، وبدأوا بتفعيل مبدأ المعارضة السياسية للحكومة، وهو مبدأ يبشر بالخير لو كانت هذه المعارضة تستند إلى أُسس وقرائن تعززها، حيث كان من الأجدى لهذه الكتل والأحزاب وفي بداية نقطة انطلاق مشروعها للمعارضة أن تقوم أولًا بإصلاح حال سقفها المتهاوي وأن تقوم بمحاسبة أفراد ومسميات تتغطى بغطائها مُتَهمة بقضايا فساد وسرقة المال العام وتسلمهم إلى القضاء والعدالة ليكون هذا دليلًا وعنوانًا كبيرًا للشعب أن هؤلاء القوم صادقون في نِيتّهم.

اقرأ/ي أيضًا: المعارضة السياسية.. دور المُحاسِب أم ضغط للمكاسب؟

كيف ستصبح العلاقة بين الحكومة والمعارضة إذا كان كلٌ مُنهما يمتلك ملفات فساد وسرقات وأدلة تدين الطرف الآخر، حينها ستلجأ الحكومة إلى فتح ملفات فساد بعض المحسوبين على المعارضة لإسكاتهم وليبدأ حينها التراشق الإعلامي والمواجهات في الفضائيات ولتضيع على المواطن أُصول الحقيقة، ثم هل سيكتفي "المُعارضون" من الغنائم والامتيازات والنفوذ التي تمنحها لهم السلطة وهل سيتم الاستغناء عنها؟

أحد القيادات السياسية ممن كان في أعلى السلطة التنفيذية في الدورة البرلمانية السابقة صدّع رؤوسنا بكلمة "البعض" فلم يخلو تصريح أو مؤتمر صحفي أو بيان من هذه الكلمة، ولم نعرف من هم هؤلاء البعض حتى شكّ "البعض" أن الشعب هو هذا البعض، وطوال سنوات أربع لم يجرؤ هذا "المُعارض" الحديث على تسمية فاسد واحد أو أن يسمي الأسماء بمسمياتها، ربما خوفًا أو خجلًا أو ربما مُداراة لزملاء له في العمل السياسي حتى بِتنا نسمع في أواخر أيام وزارته بأنه سيضرب بيد من حديد كل الفاسدين وهي شعارات ضاعت كغيرها من الوعود التي تبخرت. تُرى هل يستطيع هذا المعارض أو المعترض حديثًا أن يُسمي الآن هذا "البعض" وهو خارج أروقة الحكومة وبعيدًا عن السلطة والنفوذ؟

إن المُعارضين أو المُعترضين يبدو أنه قد أصابهم فقدان ذاكرة مؤقت نسوا فيه أنهم كانوا جزءًا من عملية سياسية انتجتهم وحملات انتخابية شاركوا بها، ومناصب وحصص وظيفية ووزارات كانت لهم وكانوا جزءًا من حكومات متعاقبة ليتحولوا فجأة إلى مُعارضين أو مُعترضين.

إن الحقيقة التي ربما يجهلها الكثيرون ومهما تفنن طباخو المطبخ السياسي وجُلساء دهاليز الغُرف المظلمة لا يمكن إنكار واقع أن جميع الذين استوعبتهم العملية السياسية العرجاء إلى هذه اللحظة، هم ممن يحمل فكرة "المُعترض وليس المُعارض"، وهو منهج يختلف عن استراتيجية رجل الدولة، والدليل على هذا القول إن جميع من جاء من خارج الحدود ووضع بصمته في العملية السياسية لم يقدم شيئًا إلى هذا الشعب بل أن بعض المُعترضين الذين حكموا اعتبروا أن الشعب هو شريك أساسي مع نظام الحكم السابق في قمع هؤلاء الهاربين، ولذلك حاول هؤلاء القادمون من وراء الحدود استعباد هذا الشعب وأضاعوا حقوقه وسلبوا حياته وأوصلوه إلى حالة مزرية من الإذلال والدمار والازدراء واقتصرت المنافع والامتيازات والرواتب الضخمة على من جاء من الخارج ظنًا منه أنه هو المظلوم الوحيد دون الإحساس بمن بقى صامتًا وصابرًا في هذه الديار يطحن نوى التمر ليجعله رغيفًا لأطفاله في فترات الحروب والحصار.

الرأي المُؤكد والاستنتاج الدامغ أن هؤلاء لا يمكن اعتبارهم مُعارضين بل مُعترضين لأن المعارضة بمعناها الأشمل أن يتم تقويم الأخطاء لا التكريم، وأن تكون المُعارضة الحقيقية في المساعدة لتنفيذ القرارات الصحيحة وإعادة البناء ولا للعرقلة، وأن يمتلك المُعارض الشجاعة لأن يقول لا لتلك القرارات التي يرى أنها تضر بالصالح العام وأن يقول للفاسد إنك فاسد دون خوف أو استحياء.

إن الذين انتهجوا أسلوب "المعارضة" في هذا الوقت بالذات ربما أدركوا جيدًا أن المركب سيغرق بالجميع ولذلك سارعوا بالقفز خارج هذا المركب 

المُعارضة ليست فكرة تتوقد فجأة في فكر سياسي وليست مقولة (ألعب لو أخرّب الملعب)، ومن المؤكد أن الذين انتهجوا أسلوب (الاعتراض) في هذا الوقت بالذات ربما أدركوا جيدًا أن المركب سيغرق بالجميع ولذلك سارعوا بالقفز خارج هذا المركب وهي نقطة تسجل لصالح المُعترضين فتحية لذكائهم.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عام على انتخابات 2018.. كيف أجهض حلم التغيير؟

شرط الدولة المفقود عراقيًا