ماراثون الولاءات في العراق

ماراثون الولاءات في العراق

رفع متظاهرون شعار العراق أولًا في غمرة الصراع الأمريكي الإيراني داخليًا (AFP)

مرة أخرى تبرهن الوقائع الاجتماعية والسياسية أن العراقيين ليسوا شعبًا واحدًا، وإنما ثلاثة شعوب ينظر كلٌ منهم إلى الآخر بعين الارتياب والاهتمام بمصالحه الضيقّة. وبالطبع تتحمل النخب السياسية الفاسدة أغلب ما يحدث، فالناس لا تؤمن بفراغ، وغياب النموذج يقودها إلى العدمية، فتعوضها بالتشبث بنقاط مرجعية بديلة، لكي تشعر بكينونتها السياسية والاجتماعية، ذلك أن الشعارات الفضفاضة لا تعوّض حالات الضياع، وإنما تأكل أصحابها في نهاية المطاف. وحينما تتهاوى أركان الدولة ربما لا تكفي الهويات الفرعية المحلية لتحل محلها، وإنما تسرع الناس للبحث عن امتدادات أوسع: التشبث بنماذج إقليمية أو عالمية ذات بعد إمبراطوري أو ديني يتيح لها التضامن العابر للحدود لتحقق كينونتها الغائبة. ولكي تقتنع الناس بعدم جدوى الولاءات خارج الحدود، ينبغي لها أن ترى نموذجًا محليًا ملهمًا، وأقوى نموذج محلي ملهم ومهيمن بذات الوقت هو الدولة، وهذه الأخيرة غائبة على حساب حضور السلطة وتضخمها، سلطة تغتال المطالبين بالوطنية والاستقلال!

 العنصر الغالب بين سياسيي الشيعة والسنة والكرد هو الارتياب المتبادل واللصوصية المتبادلة والتخوين المتبادل؛ فالشيعة إيرانيون، والسنة داعشيون، والأكراد إسرائيليون

 لا تضامن سياسي أو اجتماعي يجمع بين هذه النخب السياسية الفاسدة، أنها تعيش أقصى حالات الافتراس والوحشية تجاه خيرات العراق المادية والبشرية. إن العنصر الغالب بين سياسيي الشيعة والسنة والكرد هو الارتياب المتبادل واللصوصية المتبادلة والتخوين المتبادل؛ فالشيعة إيرانيون، والسنة داعشيون، والكرد إسرائيليون، ما بين هذه الفئات الثلاث ثمة فئة، خليط من هذا وذاك، آخذة بالاتساع والنمو تفضّل الوجود الأمريكي وحده دون غيره، باعتباره النموذج الأكثر ضمانة من الباقين!

اقرأ/ي أيضًا: تاريخ العراق السياسي: زمن الرتابة والتكرار

إذ يمكن لهذه "الشعوب" المتناحرة الاتفاق على كل شيء إلا الوحدة الوطنية وبناء الدولة. فهذه المهمة الجسيمة أكبر شأنًا من أن تحيط بها أحلامهم المريضة والمتربصة بثروات البلد. يمكن لأي حدث سياسي أن يقلب الرأي العام العراقي رأسًا على عقب، وبالطبع ليس الاختلاف سلبيًا بذاته، إذ من النادر أن يجمع الرأي العام على قضية، فالمعضلة ليست هنا، وإنما في انقسام الناس إلى دفاع وإدعاء عام على قضية الخيانة المتبادلة فيما بينهم، أو تفضيل بلد على بلد آخر لحماية العراقيين!

على هذا المنوال تظهر عقيدة "المخلّص" في الوجدان العراقي بشكل سافر، ولا تستثني هذه العقيدة المتدين والعَلماني، فهم على حد سواء في معنى الانتظار والترقب!، اللهم إلّا الاختلاف في طبيعة المخلّص في النوع أو في الدرجة، مثلما نفكر بالديمقراطية بطريقة خلاصية، على حد تعبير جورج طرابيشي، فالحلم بالنموذج المهيمن له حصة كبيرة من هذه النزعة الخلاصية، وإن تذرّع "الجمهور الأمريكي" بحجج عقلانية، لكنها تحمل ذات المفاسد التي يتفوه بها "الجمهور الإيراني". إنها هستيريا جماعية خالية من أي سمة عقلانية على الإطلاق.

لقد أجهد العراقيون أنفسهم، في سرّهم ونجواهم، للفوز باللقاء الأسطوري بالأمريكان للخلاص من دكتاتور العراق المغرور صدام حسين، وكانت "المعارضة" بالخارج تعمل بهذا الاتجاه، حتى صدّق العراقيون إن لهم معارضة وطنية! والمهم في الأمر، جاء "المخلّص" الأمريكي على هيئة حرب وحصار واحتقار، أرجع العراق إلى عصر ما قبل الصناعة، كما كان يصرح بيل كلينتون، وذاق العراقيون مرارة الفقر والجوع والحرمان وانهيار مؤسسات الدولة، وتمزق نسيج المجتمع العراقي، ووفاة نصف مليون طفل. طبعًا قالت مادلين أولبرايت في حينها، إن الثمن يقتضي ذلك.

واليوم لا نسمع تصريحًا أو تلميحًا بهذه الجريمة الإنسانية البشعة من قبل بعض النخب، لأن نسيان الماضي شعارهم العزيز على قلوبهم، لكنهم لا يتورّعون من نبش الماضي السحيق فيما لو تعلّق الأمر بالدين، حتى لو كانت بعض هذه السرديات الدينية مٌعَطّلة بشكل عام. تصوروا لو قامت روسيا أو الصين أو إيران بهذا العمل اللا إنساني، هل سيطبق الإعلام العالمي والعربي فضيلة النسيان، أم أننا سنسمع، ومن بعض نخبنا خصوصًا، ذات الكلام وذات النغمة حتى لو بعد مرور قرن من الزمن؟

 كل هذا يجري باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو حق، غير أن هذه الشعارات لا تصمد أمام حقيقة طغيان الأنظمة العربية المرعية من قبل المهيمن الغربي الديمقراطي الحر! بل يتعطّل كل مفعولهم "النقدي" تجاه المهيمن الغربي، وهذا الأخير يحترم النقد ولا يحترمهم طبعًا. المهم في الأمر، ظل حلم الأمريكان يداعب العراقيين المضطهدين حتى هذه اللحظة عسى ولعل أن يأذن "الرب" الأمريكي ببناء العراق وجعله "يابان" ثانية، ذلك أن النشوة بالأحلام تجبّ ما قبلها، وما فعله الأمريكان قابل للتسامح، وما يفعله غيرهم غير قابل للتسامح على الإطلاق. وبالطبع من منّا يتنكّر لقيم التسامح، لكن شريطة أن لا تكون شكلًا تعبيريًا للنفاق والازدواجية والانتقائية.

لقد جاءت هذه الطبقة مع الغزاة الذي حطموا البلد وارتقوا إلى أعلى المناصب الحكومية بإدارة المحتل الأمريكي، مضافًا إلى الأحزاب والشخصيات التي نشأت وترعرعت في إيران

لماذا أضحى العراق مٌهَيمَنًا عليه من قبل إيران، إذ لا حكومة تتشكل، ولا وزراء ينَصّبون، إلّا بوجود الراعي الإيراني، وبخلافه يتعارك اللصوص فيما بينهم، ومن العسير عليهم تشكيل حكومة وطنية؟ قديمًا قالها علي بن أبي طالب، الذي تدين له بالولاء معظم الطبقة السياسية في العراق "ما غٌزيَ قومٌ بعقر دارهم إلّا ذلّوا". لقد جاءت هذه الطبقة مع الغزاة الذي حطموا البلد وارتقوا إلى أعلى المناصب الحكومية بإدارة المحتل الأمريكي، مضافًا إلى الأحزاب والشخصيات التي نشأت وترعرعت في إيران إثر طردهم من بلدهم بحجة التبعية، أو بتهمة حزب الدعوة، فتزوجوا وتكاثروا هناك، وأصبحت لهم عائلة جديدة ووطن جديد يمنحهم الطمأنينة الغائبة عنهم في وطنهم السابق.

اقرأ/ي أيضًا: الصراع بين جيل الاستبداد وجيل الديمقراطية

وبالمثل، تفعل المعارضة الإيرانية المرعية من قبل العراق، يوم ذاك، نفس الدور بشكل عام؛ كان "مجاهدو خلق" يعيشون في العراق، وكانوا يشنّون هجمات واغتيالات من الأراضي العراقية، على بلدهم الذي أقصاهم. وكذلك المعارضة الإيرانية المتواجدة على الأراضي الأمريكية، فهي أيضًا تدين بالولاء لأمريكا والقيم الأمريكية (وأظنهم يختلفون بالدرجة عن سياسيينا، لأنهم ربما لا يساومون على تهديم بلدهم!). هذه هي اللعبة يكون الولاء لم يشعرني بوجودي، ذلك أنه "خير الأوطان ما حملك"، أما الوطن الآخر، مثل العراق، فسيكون بالنسبة لي ناقلة عظيمة للثروات!

ضمن هذا المسعى عاش العراقيون ويعيشون أقسى حالات الاغتراب والتمزق الداخلي، وأصبح من المعتاد أن نسمع لصراخ العراقيين فيما بينهم، سواء في الواقع الحقيقي أم الافتراضي، وهم يجرون مفاضلتهم الأثيرة: "أيَهما أفضل للعراق، إيران أم أمريكا؟!"، وما يثير الضحك والسخرية، إن كلا الفريقين يتبجح بمعاييره الخاصة للخيانة والتآمر؛ فالولاء لإيران خيانة، أما لأمريكا فمصالح سياسية كونها الدولة الأقوى في العالم. ولا حاجة لتوضيح هذه النكتة، إذ لا أحد يرفض الدولة الأقوى في العالم، بل لا أحد، من البلدان الطرفية الضعيفة مثل العراق، يمتلك القرار الحسم ليغدو عدوًا أو صديقًا. والجهور الإيراني لا يتوانى بتخوين الآخرين الذين يغرّدون خارج سربه، فتبريراته الشرعية والمذهبية حاضرة أقوى من حضور الوطنية والاستقلال!

وبصرف النظر عن أهواء الفريقين المنحازة، فمن وجهة نظري أن كلا البلدين مهم للعراق للغاية، لكن بأي طريقة؟ بالطبع ليست طريقة التدمير والحصار والاحتلال الأمريكية، ولا الهيمنة الإيرانية والفصائل العسكرية الموالية لها والتي تأتمر بأمرها؛ فإيران دولة مجاورة وقدر تاريخي، وتتمتع ببعد إقليمي مهم، ولا تفرّط بأصدقائها بسهولة ( شريطة أن يكون الأصدقاء لا يساومون على سيادة البلد!)، فضلًا عن أمريكا الدولة المهيمنة سياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا، وثقافيًا، والتي تمتلك أعظم المؤسسات البحثية في العالم.

 ومن المؤكد أن تجري هذه العلاقات ضمن السياقات المتعارفة دوليًا، وتبنى على أساس الشراكة الحقيقة والاحترام المتبادل، وعدم التدخل بالشأن الداخلي. لكن قبل أن استرسل بهذا المد الشعري الجارف!، ينبغي طرح هذا السؤال: من سيحدد هذه العلاقة، وهل هنالك نخبة وطنية أفرزتها الساحة السياسية العراقية، وهل ثمّة تنظيم سياسي جديد في طور التشكّل يمكنه أخذ زمام المبادرة، وكم المدة الزمنية التي تستغرق لنضوج هذا التنظيم، أم سنبقى معلقّين على مذبح الراعي الأمريكي والإيراني، وهل نمتلك ترف الاختيار في أن نكون أصدقاء أو أعداء؟!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التنظيم السياسي.. وقاية من الدكتاتورية المضادة

شجعان التحرير.. بين شبح الاستبداد وقلق التنظيم