متى ينكسر جسر

متى ينكسر جسر "الشروكَية"؟!

تطلق مفردة "شروكَية" دائمًا على الذين تنحدر أصولهم من أهوار الجنوب (فيسبوك)

بعد أن اطمئن سائق التاكسي من طريقة حواري "المتمدنة"، ولهجتي التي تغيب فيها لكنة الجنوب، أعطى لنفسه حرية الكلام عن أهل الجنوب بلا قيود. كان متذمّرًا من هؤلاء "الشروكَية" سكنة الضفة الشرقية من العاصمة بغداد، لأنّهم، برأيه، لا يجوز لعبد الكريم قاسم، يومذاك، أن "يغامر" هذه المغامرة غير المحسوبة ليسكن هذه الكائنات غير المتمدنة في العاصمة، لأنهم، بحسب رأي سائقنا، كانوا "چرخچية"/حراس ليليين، يعملون عندنا نحن البغداديين.. وبالتأكيد هو يقصد أكثر من ذلك؛ لقد كان أهل الجنوب مزارعون يعملون بالسخرة لدى الإقطاعيين، ولم تشملهم "فضائل" المدنية وحسناتها، ولم يكن حظّهم من التمدن كبيرًا. لذا لقد سمعنا أصواتًا، بعد عملية الاحتلال، تجاهر بوقاحتها الطبقية المعهودة عن حكّام العراق الجٌدُد: ذلك أن هؤلاء الحكّام كانوا "مزارعين" عندنا، فكيف يجوز السماح لهذه الطبقة الدنيا تسلّم مهام الحكم. المفارقة المضحكة هنا، أن هذه الأصوات لم يكن يهمّها أمر الاحتلال، ولا ضلوع هذه النخب الحاكمة بالتعاون مع المحتل، بل كان مبلغ همّها، هو تذكير المحتلين بالطبقة السابقة وامتيازاتها، "وفضائلها" المدنية التي تتقاطع وتتنافر مع طبقة أهل الجنوب "الشروكية" الذين كانوا خدمًا لعلية القوم، فكيف يحق لهم إدارة الدولة العراقية الجديدة؟

إن مفردة "شروكَية" لا تنحصر دلالتها بالتوصيف الطائفي، وإنما اكثر استخداماتها طبقية، والدليل أن سكنة بغداد من الشيعة يتبادلون هذا التوصيف فيما ببينهم

على أي حال، حاججت السائق بهدوء، أن هذه الفئة المغضوب عليها، كانت مهملة، ولم تحظ بتعليم جيد، كما لو أنها على هامش التاريخ، ولم يتمتعوا برفاه اقتصادي نسبي أسوة بسكنة بغداد.. فلا يحق لنا القفز على النتائج وإهمال المقدمات.. اشتريت له قنينة ماء بارد فشكرني على هذا "الكرم" وودعني بابتسامة لطيفة، بعد أن أفرغ منسوبه الطبقي الغزير!.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| محمد غازي الأخرس: الهوية العراقية إشكالية عابرة للزمن

يتورّط معظمنا بإحالة مفردة "شروكية" إلى دلالات طائفية: أي أنها تخص شيعة الجنوب حصرًا، ولهذه الإحالة ما يبررها على نحو العموم، ذلك أن شيعة العراق نالوا من الدولة القومية حصتهم من التخوين على يد البعثيين آنذاك، والتشكيك بعروبتهم. لكن لو حللنا هذه الظاهرة في العمق، سنجد أن مفردة "شروكَية" لا تنحصر دلالتها بالتوصيف الطائفي، وإنما اكثر استخداماتها طبقية، والدليل أن أكثر سكنة بغداد غالبيتهم من الشيعة، ويتبادلون هذا التوصيف فيما ببينهم. بمعنى أن هذا المفردة مثّلت جانبًا طبقيًا متعاليًا تستخدمه الطبقات "المتمدنة" من أجل التمايز عن الفئات الاجتماعية ذات الجذور الريفية.

 إن الشيعة "المتمدنين" يستخدمون هذا المصطلح للإشارة إلى "دونية" الفئات الاجتماعية التي لم تنل من التحولات الاجتماعية التي أغدقها العثمانيون والانكليز لاحقًّا، إذ خلق هؤلاء طبقة حاكمة يرتبط وجودها المرفّه وامتيازاتها الطبقية بيد المستعمر، فيما ظل سكنة الأطراف تتجاذبهم يد الإقطاع والعوز والحرمان.

فمن هذه الناحية، للسنة شروكَيتهم، وللشيعة كذلك، وأيضًا ينطبق الأمر على المسيح والكرد؛ فلهذا المفهوم مشاركة واسعة بين مختلف الفئات الاجتماعية ولا ينحصر استخدامه ضد سكنة الجنوب. نعم، ينفرد أهل الجنوب بهذا التوصيف بشكل أوسع، بل تنصرف دلالة المفردة، سريعًا، إلى هذه الفئة الاجتماعية كونهم يشكّلون الأغلبية في العراق. غير إن الفقراء  من سكنة الأطراف بعمومهم، بمختلف توجهاتهم، تنالهم هذه الوصمة الطبقية الجائرة. من خلال اختلاطنا بمختلف الفئات الاجتماعية في المجتمع العراقي، سنسمع: سكنة أهل "الكاظمية" و"الكرادة"، مثلًا، يذمّون "الشروكية" الشيعة على الرغم من تماثلهم المذهبي، وكذلك سكنة "الأعظمية" و" القادسية" على سبيل المثال، يذمون شروكَية السنة من سكنة أطراف بغداد، ولا يشفع لهم هنا جذرهم المذهبي الواحد. حتى الكرد لهم فقرائهم ومعدميهم، أي شروكَيتهم. بكلمة واحدة: لا يحق لأي فقير أن يماثل هذه الفئات المرفهة سبل العيش الكريم، ولا يحق لهم الانتماء إلى ناديهم، ويبقى هذا التمايز الطبقي يلاحق الفقراء ليذكرهم بهذا التوصيف.

أصبح لهذه الفئة الاجتماعية الفقيرة تمثيل واسع في الحكومة الجديدة، وقد احتشدوا بكرنفال "ديمقراطي" كبير لينتخبوا من يمثلهم في البرلمان. ومضى على حكومة الخضراء ستة عقود دون أن يفكر الناخبون " الشروكَية هذه المرة!" أين تذهب أصواتهم، في النوادي الليلية التي يرتادها أغنياء السلطة؟، في الأموال الفلكية المنهوبة باسمهم؟ في التعاقدات المليارية التي تجبى من ثروتهم؟ في البيوت الفارهة والضخمة التي يسكنها ممثلوهم؟ في المصارف العالمية التي تتكدس فيها المليارات؟

لا نجد جوابًا، بل لا نجد سؤالًا من الناخبين!. ويبدو من خلال النشاط اليومي الذي نشاهده، هناك حالة رضا وسكون وطمأنينة، من سكنة المناطق المتعفنة والموبوءة، ببقاء الحال كما هو عليه، ولا نجد دوافع حقيقية وأمنيات بتغيير سبل العيش لهذه الفئات المسحوقة.

 للسنة شروكَيتهم، وللشيعة كذلك، وأيضًا ينطبق الأمر على المسيح والكرد؛ فلهذا المفهوم مشاركة واسعة بين مختلف الفئات الاجتماعية ولا ينحصر استخدامه ضد سكنة الجنوب

 إذا أردت تغييب فئات اجتماعية واسعة، وتشرعن فقرها وحرمانها، ما عليك سوى استخدام مفاهيم تحط من شأنهم وتحتقر وجودهم. لكي تشرعن الطبقة المهينة وجودها في السلطة لا بدّ أن تقضي على آخر لحظة شعور بالثقة لدى الفقراء، ليتحولوا إلى جسرٍ يمر عليه المترفون من دون مسائلة. لا بد أن تبقى هذه الجموع الفقيرة مشاريع استشهادية. سيبقى الشروكية، إلى أجلٍ غير معلوم، المادة الخام لكل حرب قادمة. يعيشون ويموتون في مدن الصفيح فيما يتنعم أسيادهم الجدد في جنة السلطة بمزيد من هناء العيش، ويظهر من كل ذلك، أن "الشروكية" سيبقون جسرًا للصوص إلى أن يدركوا حجم فجيعتهم والتآمر عليهم من قبل الآخرين ومن قبل أنفسهم!.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مرثية العراق الحزينة.. هويتنا الضائعة

دفاعاً عن "ألمان" بغداد