"مجزرة" السلطة بحق المتظاهرين.. "إسعافات" فارغة من المسعفين والأوكسجين!

لاحظ "ألترا عراق" أن عربات الـ"توك توك" نقلت نحو 13 مُصابًا من المتظاهرين المصابين في وقت قليل (Getty)

نشرت صحيفة "ذا نيو هيوماني تيريان" الأمريكية تقريرًا حول تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر في العراق، فيما سلطت الضوء على المعلومات التي قالت إن قوات أمنية كانت منتشرة داخل سيارات الإسعاف والمستشفيات، مما ترك بعض المتظاهرين الذين يخشون الاعتقال من دون أن يتلقوا العلاج، فيما اعتمد الكثير من الناس على شاب اسمه "خلدون الصعب" وفريقه الذي تولى معالجة المتظاهرين بالرغم من أن القوات الأمنية منعتهم ببعض الحالات بالرصاص الحي، في الوقت الذي أشارت فيه الصحيفة إلى أن سيارات الإسعاف كانت خالية من المعدات الأساسية مثل الأوكسجين أو المسعفين.

"ألترا عراق" ترجم هذا التقرير عن الصحيفة ننقله لكم دون تصرف في السطور أدناه:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلال التظاهرات التي استمرت أسبوعًا والقمع الذي سيطر على العاصمة بغداد وأجزاء من الجنوب قُتل ما لا يقل أكثر من 100 شخص، وأصيب أكثر من 6000، ولم يتمكن الكثير من المصابين من الوصول إلى المستشفى.

سيارات الإسعاف في بغداد لم تكن مجهزة للتعامل مع حالات العنف، وكانوا أحيانًا غير قادرين أو غير راغبين في دخول أماكن التظاهرات

عندما خرج المتظاهرون إلى الشوارع للمطالبة بتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل ردت قوات الأمن بالذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع، ووسط كل هذه التظاهرات دخل أحد المسعفين المتطوعين ويدعى خلدون الصعب، (27 عامًا) المعركة على دراجته النارية ذات اللون الأخضر برفقة فريق صغير متجولًا في أرجاء العاصمة للمساعدة مع حقائب تُحمل على الظهر تحتوي على المعدات الطبية الطارئة.

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة تشرين.. القنّاص اغتال "مهندس الحشد" وحرمه من الزواج!

قال الصعب "كان المتظاهرون بحاجة إلينا في الشارع، وليس كل الناس لديهم القدرة على معالجة المصابين بالطريقة الصحيحة".

احتاجت أعداد كبيرة من الناس إلى المساعدة الطبية العاجلة، لكن العديد من المتظاهرين والمسعفين أخبروا الصحيفة أن سيارات الإسعاف في بغداد لم تكن مجهزة للتعامل مع حالات العنف، وكانوا أحيانًا غير قادرين أو غير راغبين في دخول أماكن التظاهرات، وقد نفى المسؤولون الحكوميون هذه الادعاءات، كما نفى المسؤولون مزاعم قيام القوات المسلحة بمهاجمة سيارات الإسعاف.

 انتشرت الشائعات حول وجود قوات أمنية داخل سيارات الإسعاف والمستشفيات، مما ترك بعض الذين يخشون الاعتقال دون تلقي العلاج واعتمد المزيد من الناس على خلدون الصعب وفريقه، يقول خلدون "لقد اعتدت على علاج الإصابات الطبيعية وليس مثل هذه".

أسّس الصعب مجموعة الإغاثة الطارئة، وهي فرقة مؤلفة من ثمانية من المسعفين المتطوعين، قبل عام ونصف بعد أن لاحظ أن خدمات الطوارئ في بغداد لم يكن لديها دائمًا الموارد اللازمة للاستجابة لحوادث السيارات في جميع أنحاء المدينة.

وهو يستمع إلى إذاعة الشرطة للحوادث ورقمه موجود على وسائل التواصل الاجتماعي للجمهور للاتصال هو وفريقه التطوعي المدرّب على مساعدات الطوارئ.

في الوقت الذي تكون فيه التظاهرات ضد الحكومة في بغداد وأجزاء أخرى من البلاد حدثًا سنويًا فقد كان هذا العام أكبر نسبة للعنف الحاصل.

سيارات الإسعاف غالبًا ما تصل للمتظاهرين بدون لوازم مثل الأوكسجين أو مع السائقين بدلاً من المسعفين المدربين

كان متطوعون آخرون هناك للإسعافات الأولية في الشوارع، وكذلك سيارات الإسعاف التي تنقل الناس إلى المستشفيات، لكن الصعب واثنين من المسعفين الآخرين  أحدهما يعمل في مستشفى، وطلب عدم الكشف عن هويته لحماية سلامته،  قال إن "سيارات المستشفى غالبًا ما تصل بدون لوازم مثل الأوكسجين أو مع السائقين بدلاً من المسعفين المدربين".

اقرأ/ي أيضًا: أبو زينب اللامي.. "جزار المتظاهرين" أم "كبش فداء" الحشد الشعبي؟!

أضاف إنه "لم يجد الأوكسجين أو المسعفين المدربين داخل العديد من سيارات الإسعاف".

يقول خلدون "أفتح سيارة الإسعاف وهي فارغة، تخيل الموقف، لا يوجد مسعفون".

رفل محمد، 23 عامًا، والتي تطوعت مع الصعب كطبيبة ومساعدة في علاج المتظاهرين المصابين في سيارات الإسعاف في الطريق إلى المستشفيات تروي أيضًا نقص الإمدادات، وقالت عن إحدى رحلاتها إلى الشيخ زايد، "المستشفى كان ممتلئًا ولم يتمكنوا من استيعاب المزيد من المرضى لعدم وجود أي قناني اوكسجين ولا حتى داخل سيارات الإسعاف".

وقال جميع المسعفين الثلاثة، إن "سيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر كانت مجهزة بشكل أفضل من سيارات الإسعاف العامة، لكنهم أضافوا أن "هذه المركبات عمومًا لم تصل إلى الخطوط الأمامية في مواقع التظاهرات".

لم يستجب الصليب الأحمر العراقي لطلبات متعددة للتعليق حول الموضوع  لكن سيف البدر، المتحدث باسم وزارة الصحة قال إن "سيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر وطاقمها انضموا إلى مركبات من المستشفيات العامة في إنقاذ الجرحى من التظاهرات".

ونفى وجود أي نقص سواء في الإمدادات الطبية أو الموظفين.

أضاف "نحن مستعدون لمثل هذه الحالات، لقد قاتلنا لسنوات تنظيم "داعش" لذلك لدينا عدد كبير من سيارات الإسعاف رغم أننا بصراحة نحتاج إلى المزيد، مستدركًا "لكن في معظم الحالات لم يكن لدينا نقص في الأوكسجين وكل سيارة إسعاف مجهزة بقنينتين على الأقل من الأوكسجين".

في ليلة 5 تشرين الأول/أكتوبر، أحد أكثر أيام التظاهرات كثافة تلقت الصحيفة مكالمة من أشخاص في  مدينة الصدر، وقال الأشخاص إنهم "تعرضوا لإطلاق النار ولم يتمكنوا من الخروج من الحي وهم بأمس الحاجة إلى العلاج".

وقال أحد المتظاهرين، واسمه وسام، الذي طلب عدم نشر اسمه بالكامل خوفًا على سلامته، إن "أحد جيرانه في مدينة الصدر قد أصيب بالرصاص ويحتاج إلى العلاج".

سيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر كانت مجهزة بشكل أفضل من سيارات الإسعاف العامة لكنها لم تصل للخطوط الأمامية للتظاهرات

حاول الصعب الوصول إلى مدينة الصدر في تلك الليلة على دراجته النارية،  لكنه وجد الطرق مغلقة، وقال إنه "حاول بعد ذلك الدخول على متن سيارة إسعاف من مستشفى عام قريب، مستدركًا "لكن المتظاهرين ألقوا الحجارة على السيارة وبالتالي لم يستطع الوصول إليها كذلك".

اقرأ/ي أيضًا: قصة من "ثلاجة الصدر".. رصاص السلطة في رأس "المقاتل المحتج"!

أخبر الصحيفة العديد من الأشخاص أن المتظاهرين المصابين رفضوا دخول سيارات الإسعاف أو الذهاب إلى المستشفيات العامة معتقدين أن قوات الأمن ستُعتقل أو تُقتل المتظاهرين إذا وجدتهم.

وكان أحدهم أكرم حميد، الذي أصيب ابنه مصطفى البالغ من العمر 17 عامًا بحروق شديدة في وجهه خلال التظاهرات، حيث قام الأب بحمل ابنه من بين ذراعيه ووضعه في  المنزل  بدلًا من المخاطرة في المستشفى.

قال أكرم، (44 عامًا) "لم نأخذه إلى المستشفى لأن القوات الأمنية تدخل إلى المستشفيات وتعتقل جميع المصابين".

اعترف رئيس الوزراء  باستخدام القوة في مدينة الصدر وسحب الجيش من المنطقة، وأمر بإجراء تحقيق في مقتل المتظاهرين.

قال خلدون "لقد اعتدت على علاج الإصابات الطبيعية، وليس مثل هذه، وأن أحد الجرحى  توفي بسبب طلقات رصاص كبيرة اخترقت بطنه، لكننا تمكنا من إنقاذ الكثير من الناس، وذلك باستخدام مجموعات الإسعافات الأولية".

تم تحذير الصحفيين من زيارة المستشفيات خلال التظاهرات، وكثيرًا ما كانت الحكومة تقطع خدمة الإنترنت لإخماد الاضطرابات، مما يجعل من الصعب التحقق من صحة الكثير من الادعاءات بما حدث خلال الأسبوع الأول من شهر تشرين الأول/أكتوبر.

في أوقات التظاهرات كان عناصر الأمن يفحصون ملابس الزوار لمعرفة ما إذا كانوا شاركوا في التظاهرات وأخذوا هواتفهم للتحقق من وجود أدلة على المشاركة

لكن الصحيفة تمكنت من زيارة مستشفى الشيخ زايد، حيث كانت قوات الأمن متمركزة عند مدخل غرفة الطوارئ وداخلها.

اقرأ/ي أيضًا: "التكتك الوطني".. من مصدر للمضايقات إلى بطل الاحتجاجات

وقال أفراد عائلات المتظاهرين في مستشفى الشيخ زايد والجملة العصبية، إن "أفراد الأمن فحصوا ملابس الزوار لمعرفة ما إذا كانوا شاركوا في التظاهرات وأخذوا هواتفهم للتحقق من وجود أدلة على المشاركة".

بينما قال أربعة أشخاص إنهم "شاهدوا متظاهرين اعتقلوا على أيدي رجال يرتدون الزي الرسمي في المستشفيات أو خارجها".

فيما قال أحد شهود العيان، إن "من السهولة اعتقال المصابين ولا أحد يعلم إلى أي جهة تم اقتيادهم".

علي، (29 عامًا)  وهو متظاهر من مدينة الصدر، قال إنه "رأى متظاهرون تم اعتقالهم من مستشفى الشيخ زايد، أولًا عندما كان هناك للتبرع بالدم ومرة ​​أخرى عندما رافق صديقًا للعلاج".

أضاف "في الثاني والثالث من تشرين الأول/أكتوبر، كنت بالقرب من مستشفى الشيخ زايد ورأيت أشخاصًا قد اختنقوا بسبب الغاز المسيل للدموع الذي ضربت به القوات الأمنية المتظاهرين، مبينًا "لقد خنق الغاز صديقي وكنت هناك معه وتم نقله  لقد حدث نفس الشيء أمامي".

لن يتم إجراء مقابلات مع الأطباء في المستشفيات، لكن المتحدث باسم وزارة الصحة، قال إن "تحقيقًا رسميًا قد أجري ولم يتم تأكيد هذه القصص".

بكى المسعف خلدون الصعب حين رأى متظاهرًا أصيب لكنه لم يستطع إنقاذه بسبب الرصاص الحي المستمر حتى على من يريد أن ينقذه

في مستشفى الشهيد الصدر في مدينة الصدر، نفى المدير مصطفى حاتم عباس الموسوي، السماح لقوات الأمن بالقبض على المرضى، وقال إن "الموظفين عالجوا حوالي 100 مريض دون تسجيل أسماءهم  من أجل حماية هويتهم".

اقرأ/ي أيضًا: واشنطن بوست: لماذا يتظاهر الشباب الشيعة ضدّ الحكومة الشيعية؟

في حين أن معظم الإصابات والوفيات كانت للمتظاهرين، فإن أولئك الذين يحاولون مساعدتهم وجدوا أنفسهم في خطر.

قال الصعب إنه "شاهد وهو في حالة رعب أثناء إطلاق نار على متظاهر شاب وسارع  لمعالجته، لكنه سمع بعدها إطلاق الرصاص بجانبه  لذلك كان عليه أن يبقى منخفضًا على الأرض".

تابع الصعب: "عدت وأدركت أنني لن أتمكن من إكمال أسعافه، بكيت في تلك اللحظة لأنني رأيت شابًا يموت ولم أتمكن من الوصول".

أبلغت منظمة هيومن رايتس ووتش عن أعمال عنف ضد المتظاهرين وقالت مجموعة المراقبة إن "أحد الأطباء أخبرهم أنه اعتقل داخل سيارة أسعاف أثناء علاجهم للمتظاهرين، وقال شاهد في مظاهرة أخرى إنه "شاهد قوات الأمن تطلق الغاز المسيل للدموع مباشرة على قافلة من سيارات الإسعاف وأصابت أخرى".

اخبر الصعب أنه "كان في سيارة إسعاف عامة عندما  تعرض لإطلاق نار قريب".

و قال خلدون "عندما كنت في سيارة إسعاف أبحث عن أشخاص أُصيبوا بالرصاص، أطلق ضابط شرطة ثلاث رصاصات فوقنا"، ويتذكر "لقد تقدمنا ​​إلى الأمام وأطلق النار مرة أخرى، ثم  فهمنا أنه كان يحذرنا  لذلك عدنا".

في أيام التظاهرات وعندما كان القمع في ذروته من السهولة اعتقال المصابين ولا أحد يعلم إلى أي جهة يتم اقتيادهم

في البداية انتشر جميع المتطوعين في فريق للمساعدة على الرغم من المخاطر و قال محمد: "كان هناك الكثير من الناس ولم يتم نقلهم أو مساعدتهم، إن قرار المساعدة لم يكن من وجهة نظر مع أو ضد التظاهرات".

اقرأ/ي أيضًا: من غرفة "قمع" التظاهرات: 4 جهات رسمية تقاسمت أدوار القتل.. و"قناصة اللواء 57"!

ولكن عندما أصبحت التظاهرات أكثر خطورة  غامر عدد أقل من الناس بالخروج إلى المتظاهرين  للمساعدة.

 قال الصعب عن فريقه "في اليوم الأول كنا ثمانية مسعفين وفي اليوم الثاني كنا فقط أربعة، في اليوم الثالث  كنا اثنين، حتى إذا انتهى به الأمر إلى كونه بمفرده".

أضاف الصعب أنه "على استعداد لتحمل المخاطر إذا بدأت التظاهرات من جديد  "أعتقد أن الوضع لا يزال بحاجة إلينا".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

إسقاط النظام أو الموت.. ماذا يريد شباب العراق من العالم؟

بورزو دراغاهي: طهران تتذوّق الدرس من احتجاجات العراق