مطلوب عشائريًا!

مطلوب عشائريًا!

خطر العشيرة ومأساتها لا يختلف عن خطر الطائفية (Getty)

لهذه العبارة وقع عظيم في أدبيات العشائر العراقية بشكلٍ عام، والجنوبية بشكل خاص. إنها تحمل في طيّاتها بعدًا حقوقيًا! يعمل بموازاة القانون المدنيّ للدولة، لا بل له محاكمه الخاصّة وأصوله المعمولة وقضاته الخاصّون، إلّا أنه قانون لم تستمدّه العشيرة من الأكاديميات، ولا يحمل إمضاءً رسميّا من المؤسسة القانونية، لكن يمكن القول إنه من ضمن الأشياء المسكوت عنها، فمن هذه الناحية تعمل الدولة بمبدأ الحريات! حتى وإن كان يفضي إلى كيانٍ موازي مقابل مؤسسات الدولة.

يندر أن نجد عشيرة تفتقر للسلاح الخفيف والمتوسط. فهي جيوش احتياطية تمتلك مقاتلينَ أشدّاء وأرخص ما يمكن أن يبذلوه هي أرواحهم من أجل قيمهم العشائرية 

إن هذه العبارة التي تُكتَبُ على جدران البيوت المطلوبة لثأر العشيرة الأخرى، لا تجرؤ الدولة بكل مؤسساتها القانونية والأمنية أن تحدثَ فارقًا، وهي عاجزة عمومًا من توفير الحماية اللّازمة للناس الذين يتعرّضون لمثل هذه الخروق القانونية المنتشرة عندنا بشكل لافت. ويضطر الشخص المعني لمغادرة بيته بأسرع وقت ممكن لحفاظ على سلامة عائلته، خصوصًا بعد أن يتعرض للتحذير(الدكَة العشائرية)، فتجاهل هذه التحذيرات عواقبه خطيرة للغاية.

اقرأ/ي أيضًا: تحديات جسيمة ورهانات غائبة

وإذا ما تدخّلت العناصر الأمنيّة (وإن بشكل خجول)، تتّخذ جانب الحياد والخوف على حياتها من ردّات فعل العشيرة الغاضبة، وقد يتعّرض بعض عناصرها للتهديد، خصوصًا إذا كان ينتمي لذات العشيرة المطلوبة لثأر! أو يكون من ذات العشيرة المُنتَقِمة، فالولاء للعشيرة يتفوّق على كل ولاء. وقد شهدنا الكثير من النزاعات العشائرية، وشهدنا معها عجز القوات الأمنية من التدخل في فض النزاع. فرجل الأمن في هذه اللحظات يعلن حياده التام!

حَدَثَتْ الكثير من المعاركَ الضارية في محافظات العراق الجنوبية. ويندر أن نجد عشيرة تفتقر للسلاح الخفيف والمتوسط. فهي جيوش احتياطية! تمتلك مقاتلينَ أشدّاء، وأرخص ما يمكن أن يبذلوه هي أرواحهم من أجل قيمهم العشائرية المتأصلة، دون أن يقيموا أدنى معيارٍ لمفهوم الدوّلة، اللهم إلّا ما يتعلّق بالامتيازات السخيّة التي تغدقها السلطة لبعضهم.

تبدو الدولة لهذه الهويات ليست سوى بقرة حلوب، وعليها أن توفّر الخدمات اللّازمة لهم، لكنّهم ليسوا معنيين بالواجبات، ويديرون ظهورهم للقانون متى شاءوا، فالدولة العراقية من هذه الناحية تُدار طبقًا للمزاجيات الشعبية والمخيال العشائريَ الخصب دون أن تجد الدولة حلولًا لهذه الكارثة الكبرى.

حتى هذه اللحظة لم نجد للنخب السياسية أدنى جديّة لأخذ هذا الموضوع الخطير بنظر الاعتبار، وعلى العكس من ذلك يبدو من تصّرفات البرلمانيين أن ولاءهم للعشيرة قبل الدولة، وما البرلمان بالنسبة إليهم سوى بنك ضخم للرزم السمينة من الرواتب المغريّة، فهم من هذه النتيجة (على باب الله)، وقوّة العشيرة هي الساند والضامن لهم. ولا نستغرب على الإطلاق إذا ما رأينا خصومات عشائرية في البرلمان العراقي، ذلك أن المرء لا يغادر ذاكرته بهذه السهولة، خصوصًا إن لم يكن جديًا في التغيير.

من يستشعر خطر هذه الكارثة الاجتماعية من النخب السياسية ينبغي عليه المسارعة بإصدار قوانين تحد من تصرفات العشيرة، التي تحتقر المؤسسات القانونية الرسمية، وإصدار أشد العقوبات الرادعة لها، لكي تنعم أجيالنا القادمة بنعمة القانون وهيبة الدولة ومؤسساتها الرصينة. والمجتمع العراقي على عمومه لديه كراهية غريزية تجاه المؤسسات بشهادة حنا بطاطو، وتظهر تلك الكراهية جلية في سلوك العشائر، إذ كل شيء يغدو حاضرًا في أدبياتها إلّا الدولة. بل تُعتبر الدولة خطرًا محدقًا، وتهديدًا لوجودها، وتقويضًا لسلطتها الموازية لسلطة الدولة.

إن خيانة السلطة التشريعية تتجلّى بأوضح صورها حينما نجد هذا السكوت المطبق على تفتّت الدولة وتقاسمها بين الهويات الفرعية بمساعدة البرلمان نفسه. ويبدو من السلوك السائد لدى هذه النخب هو احتقارهم لمفهوم الدولة، وسحقّ أي محاولة للحد من هذه الظاهرة المتفشيّة في الثقافة العراقية. إن خطر العشيرة ومأساتها لا يختلف عن خطر الطائفية والصراع الأيديولوجي للمذاهب، بل هي أحد المكونات الرئيسية لبنية الخراب. وسيبقى العراق قبليًا بامتياز ما لم تسارع الحكومة بانتشال الأجيال الجديدة على قيم المدنية والتحضر، كي يفرز لنا في المستقبل القادم مجتمعًا مدنيًا، لا أن يكون مجتمع ألقاب عشائرية.

خطر العشيرة ومأساتها لا يختلف عن خطر الطائفية والصراع الأيديولوجي للمذاهب، بل هي أحد المكونات الرئيسية لبنية الخراب

ولا سبيل سوى بذل الجهد المضاعف، والأخذ بنظر الاعتبار خطورة المجتمع القبلي ورفضه كل أشكال المؤسسات القانونية إذا ما تعارضت مع قيمه المقدسة. فالقيمة الوحيدة التي يمكنها أن تجمع هذا الشتات هي الدولة ومؤسساتها، وما عداها سيبقى مجتمع القبيلة هو الهوية العراقية الأبرز مهما ارتدينا الملابس الغربية، ومهما تذرعنا بقيم الحداثة، فالواقع يكذب كل هذه المزاعم.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فزاعة العشيرة العراقية.. سيف المحاصصة المشهر

دولة العشائر.. بين فقدان الشرعية واستثمار الهوية