معالجات

معالجات "غير مجدية".. حكايات الفساد في المنافذ الحدودية

تتجاوز واردات المنافذ 10 مليارات دولار سنويًا (Getty)

تتصدر المنافذ الحدودية الملفات التي يعمل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي عليها، بهدف تعظيم الواردات المالية للخزينة الدولة وتحييد الجماعات المسلحة التي تتهم بالتوغل فيها واستغلالها في تمويل نشاطاتها ـ بحسب سياسيين ـ وبدأ الكاظمي عمله في الملف من منفذي المنذرية ومندلي الحدوديين مع إيران، تلاها إعلان قيادة العمليات المشتركة إعدادها خطة متكاملة للسيطرة على المنافذ الحدودية.

يمتلك العراق 24 منفذًا حدوديًا بريًا وبحريًا، فيما تتجاوز وارداتها 10 مليارات دولار سنويًا

وكلفت العمليات المشتركة قيادة عمليات البصرة بالسيطرة التامة على منفذ الشلامجة مع إيران ومنفذ سفوان مع الكويت، فضلًا عن تكليف قيادة القوة البحرية بالسيطرة الكاملة على المنافذ البحرية في ميناء أم قصر.

اقرأ/ي أيضًا: الكاظمي يوجه بإطلاق النار على الأشباح.. القوة العسكرية أو "الفاتحة" على العراق

ويمتلك العراق مع جيرانه الستة 24 منفذًا حدوديًا بريًا وبحريًا، وهي الكويت والسعودية والأردن وسوريا وتركيا وإيران، وتتجاوز وارداتها 10 مليارات دولار سنويًا، بحسب سياسيين.

إزاء ذلك، يثار السؤال عن آلية الفساد في تلك المنافذ والمستفيد منها، مع وجود مؤسسات عديدة تشرف على العمل هناك، خاصة وأن الحديث الحكومي يتركز على القوات الأمنية في المنافذ، لكن مصادر في المنافذ وخبراء اقتصاديين يتحدثون عن عمليات فساد وتلاعب بالأوراق الرسمية للبضائع ناتجة عن تخادم بين موظفين هناك وتجار، ما يقلل من جدوى التركيز على القوة الماسكة للأرض في المنافذ.

ماذا يحدث؟

علي والي وهو اسم مستعار، موظف في أحد المنافذ ويرفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، يقول إن "باب الفساد الأوسع يتم عبر تغيير جنس البضائع المستوردة، حيث تفرض الدولة الجمرك حسب النوع، فضلًا عن خفض كمية حمولة الشاحنة، ما يفضي إلى فائدة للتاجر والموظفين الذين يعملون كشبكة تتعاون فيما بينها ويقدمون لبعضهم تسهيلات حسب مواقعهم"، مبينًا أن "البضائع تمر بمراحل عديدة حتى دخلوها بشكل رسمي، ولكل طرف نسبة معروفة حسب موقعه ونوع البضاعة".

تتم العملية بواسطة المُخلصين "المعقّبين"، ويسميهم والي في حديث لـ"ألترا عراق"، بـ"عرابي الفساد"، ويقول إنهم "عادةً من أهل المنطقة تربطهم معرفة مع الموظفين يتعاملون وفق أعراف محددة بينهم، فيما يتمّ تسليم الأموال خارج المنافذ"، لافتًا إلى أن "المخلصين يتمتعون بنفوذ كبير يخيف الموظف النزيه الذي لا يريد الرضوخ لهم، حتى أن الكثير من الموظفين وصلت كتب نقلهم لمجرد حاولوا تعطيل عملهم".

حول تفاصيل التلاعب بالأوراق الرسمية أوضح والي، أنه "يتم التنسيق مع التجار على تغيير جنس البضاعة، مثلًا حمولة وزنها 25 طنًا، من كيمر "قشطة" يتم وضع 4 طن جبن في الواجهة وتسجل معظم الحمولة كجبن لأن جمركه أقل، مبينًا "يتمّ ذلك بالاتفاق مع التجار ودفعه جمرك قشطة، الذي هدفه الأول تخليص بضاعته فضلًا عن خفض الحمولة، فيما يكون فرق الجمرك للمخلصين والموظفين المتعاونين معهم، مثلًا 25 طنًا التي تحدثنا عنها عمليًا هي نحو 30 طنًا، يستفاد التجار بإعفائه من جمرك الحمولة الزائدة، وسط تستر سائق الشاحنة، الذي يطمح إلى إكمال التخليص بسرعة".

يثار السؤال عن عدم تفعيل المتابعة الاقتصادية على الأسواق التي تبيع المواد الغذائية الممنوعة من الاستيراد 

ويشير والي إلى باب آخر من الفساد في المنافذ، ويقول إن "الكثير من الجهات تتمتع باستثناءات من الجمرك للمواد التي تستورد باسمها، مثل العتبات الدينية، وبعض دوائر الأوقاف، فضلًا عن بعض الوزارات التي تحتاج إلى مواد أولية، ويستفيد بعض التجار من هذا الاستثناء من خلال تفاهمات مع متنفذين في تلك الدوائر والحصول على كتاب بأن البضاعة مستوردة لصالحها للإعفاء من الجمرك". 

منافذ إقليم كردستان.. معامل ممنوعة

يثار السؤال عن عدم تفعيل المتابعة الاقتصادية على الأسواق التي تبيع المواد الغذائية الممنوعة من الاستيراد لدعم المنتج المحلي، والتي تُغرق السوق وبأسعار أقل من تكلفة إنتاجها في الداخل، فضلًا عن عدم فتح معامل داخل البلاد للمواد الغذائية.

اقرأ/ي أيضًا: تحقيق| منفذ مع إيران تتقاسمه "العصائب" و"السواعد".. لا حصّة لميسان غير الفقر!

يقول أحد التجار إن "السلطات الرقابية تتغاضى عن بيعنا للمواد الممنوعة بسبب عدم سيطرتها على جميع المنافذ، وعلمها أن منافذ إقليم كردستان تدخل جميع البضائع حتى الممنوعة منها"، لافتًا إلى أن "المنافذ في الوسط والجنوب تدخل تلك المواد عبر تغيير جنسها بمواد مسموحة، ويضمن التاجر عدم ملاحقة البضاعة في مراكز البيع بسماح منافذ إقليم كردستان بها".

ويضيف التاجر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، لـ"ألترا عراق"، أن "بضائع الألبان تنتج بمعامل بسيطة في إيران ورأس مالها ليس رقمًا صعبًا على رجال الأعمال العراقيين، لكن تأسيسها في العراق قد يودي بالحياة، إذ تتولى جهات مسلحة منع وتهديد أي تاجر يعمل ذلك، وهناك حوادث عديدة".  

من جهته، يجهل مصدرًا قضائيًا حجم الفساد بشكل دقيق، ويقول لـ"ألترا عراق"، إنه "في أحد المنافذ الحدودية قبل سنوات وردت شكاوى عديدة عن عمليات فساد وتلاعب بالأوراق الرسمية، ودور المخلصين هناك، وشُكلت لجنة على إثرها، وأغلق المنفذ 15 يومًا، وبعد عمليات المراجعة والتدقيق أفضت توصيات اللجنة إلى تحويل عدد من التجار والموظفين وسائقي مركبات إلى القضاء، وأصدرت المحكمة الجمركية أحكامًا بالسجن بحق 14 متهمًا، فيما صادرت عجلات مع حمولتهن".

نظام إلكتروني

يرى الخبير الاقتصادي صالح الهماشي أن "الحل الوحيد للسيطرة على عمل المنافذ وضبطها، هو الحوكمة الإلكترونية لكافة تفاصيل الإدارة من الإدخال والإخراج وقطع الرسوم، بعيدًا عن الأوراق والسجلات"، مبينًا أن "هذا الخيار تمت تجربته في كثير من دول العالم، وتطبيقه لا يحتاج لوقت كبير، مبينًا "مجرد التعاقد مع شركة متخصصة تنجزه خلال شهرين في أقصى تقدير، ما يضمن جباية حقيقية تذهب إلى الخزينة العامة دون هدر أو استغلال".

ويضيف الهماشي لـ"ألترا عراق"، أن "الاستيراد يجب أن يُنظم بقانون، من خلال منح إجازات استيراد وموافقات مالية للتحويل تتم عبر تعاون وزارتي التجارة والمالية لمقاطعة المعلومات، ولا يتم بهذه العشوائية"، مشيرًا إلى أن "تغيير المدراء والكوادر وتفعيل الرقابة قد يقلل من الفساد لكنه غير مجدي على الأمد البعيد ولا يُعد معالجة نهائية".

ويتابع الهماشي أن "النظام الإلكتروني يتيح سرعة في العمل ودقة، وينهي عمليات التلاعب بجنس البضائع وكمياتها والمنتهية الصلاحية، وتبويب المواد المصنعة والتي يتم إدخالها نصف مصنعة، فضلًا عن إدخال المواد الكمالية كغذائية"، مشيرًا إلى "ضرورة وضع آلية جديدة للاستثناءات الممنوحة لجهات عديدة حاليًا".

يرى خبير اقتصادي إن الحل الوحيد للسيطرة على عمل المنافذ وضبطها، هو الحوكمة الإلكترونية لكافة تفاصيل الإدارة من الإدخال والإخراج وقطع الرسوم

بدوره، يقول المتحدث باسم هيئة المنافذ الحدودية علاء الدين القيسي، إن "الحوكمة الالكترونية وتطبيقها، من صلاحية الهيئة العامة للجمارك، وهي المسؤولة عن تطبيقه، ومسؤوليات هيئته هي الإشراف والرقابة والتدقيق على عمل الدوائر في المنافذ"، لافتًا في حديث لـ"ألترا عراق"، إلى أن "المخالفات المؤشرة أعلاه هي من ضمن صلاحيات هيئة المنافذ، وتجري متابعتها بعد التغييرات التي حدثت في المنافذ وانخفضت بشكل ملحوظ".  

اقرأ/ي أيضًا: 20 قصة فساد.. كيف ضاعت 500 مليار دولار في العراق؟

من جانبها، علنت قيادة العمليات المشتركة، تخصيص قوات عسكرية لأربعة عشر منفذًا حدوديًا، مؤكدة أن تلك القوات تتمتع بجميع الصلاحيات.  

وذكر بيان للقيادة تلقى "ألترا عراق"، نسخة منه في 25 تموز/يوليو، أنه " بناءً على توجيهات رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة لمسك المنافذ الحدودية كافة وانفاذ القانون فيها ومكافحة التجاوزات وظواهر الفساد وإهدار المال العام، شرعت قيادة العمليات المشتركة بتخصيص قوات أمنية لجميع المنافذ ويكون حجم القوة الأمنية المخصصة حسب  طبيعة كل منفذ، حيث تم تحديد  مسؤولية الحماية للمنافذ كافة على قطعات الجيش العراقي".  

وأضاف أن "المنافذ البحرية (أم قصر  الشمالي، أم قصر الجنوبي، أم قصر الأوسط، خور الزبير)، والمنافذ  البرية (الشلامجة، بدرة، المنذرية، سفوان، القائم، طريبيل، الشيب، زرباطية، أبو فلوس، عرعر) وبهذا أصبحت عشرة منافذ برية وأربعة بحرية بحماية كاملة للمنفذ والحرم الجمركي، وأن هذه القوات مخولة بجميع الصلاحيات القانونية لمحاسبة أي حالة تجاوز ومن أي جهة كانت". 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

 تقرير: المواجهة مع الفصائل "تتعّمق".. والكاظمي أمام خيارين قاسيين

قوات مشتركة تقتحم منفذين مع إيران.. والكاظمي يراقب عن كثب