مقتدى الصدر.. تحديات الحاضر ومخاطر المستقبل (1ـ2)

مقتدى الصدر.. تحديات الحاضر ومخاطر المستقبل (1ـ2)

مقتدى الصدر (Getty)

كان الصدريون كثيرًا ما يبثّون شكاواهم من على مواقع التواصل الاجتماعي تجاه خصومهم الغاضبين. كانت هذه المواقع، ولا زالت، تعج بالمتهكّمين. وبالطبع حصة الصدريين من هذا التهكّم واسعة للغاية. لم يجد الخصوم متنفسًا آمنًا يبثّون فيه نكاتهم وتنمّرهم وتهكّماتهم سوى الواقع الافتراضي، لأنه يضمن لهم عدم الاصطدام في الواقع (طبعًا، دخلت على الخط أجيالًا جديدة ليس لها معرفة كافية بالصدريين وتاريخهم)، وإذا ما تخيّلنا أسوأ السيناريوهات، فإن الصدام مع الصدريين سيكون مكلفًا للغاية.

 الصدريون يجهدون أنفسهم ليثبتوا للآخرين، أن قائدهم فوق مستوى النقد، ذلك أن العلاقة العقائدية تدفعهم لهذه النظرة المحافظة

من جهة أخرى، كان الصدريون يستثقلون كل هذا التصرفات، خصوصًا إذا تعرّض للنقد أو التهكّم أقرب رمز إلى وجدانهم، وهو السيد مقتدى الصدر. وهم يجهدون أنفسهم ليثبتوا للآخرين، أن قائدهم فوق مستوى النقد، ذلك أن العلاقة العقائدية تدفعهم لهذه النظرة المحافظة، رغم أنهم يصرحون بتقبّل النقد "البنّاء" كما يصفوه، غير أن معايير هذا النقد تبقى غير واضحة المعالم إلّا عند الصدريين أنفسهم، طبقًا للصورة التي يرغبونها في قائدهم.

اقرأ/ي أيضًا: مقتدى الصدر.. بين الأتباع والنقّاد

ولكي نكون منصفين، أن أغلب ما نطّلع عليه، في مواقع التواصل الاجتماعي خصوصًا، ليس بمستوى النقد، بل هو إلى التهكّم منه أقرب إلى النقد، وذلك لغياب النخبة المثقفة التي تتبنى خطابًا عقلانيًا منتجًا. إن أحد أسباب عزوف الكثير من المثقفين لتناول التيار الصدري، هو لخشيتهم من إغضاب الصدريين وإثارتهم، خصوصًا أن سياقنا الثقافي المضطرب أبعد ما يكون عن الخطاب العقلاني النقدي، وهذه آفة لا يختلف عنها صدري أو غيره إلَا بالدرجة.

ولغياب النقد حلّ التهكم بدلًا عنه؛ إذ لو غاب العقلاء سيشغل مكانهم أهل الغرائز والحماسة والانفعالات، وتشيع الفوضى. لكن، بصرف النظر عن مستوى التهكم وإنتاجيته، فهو، كما يصفه أحد الفلاسفة، نفي الجوهرية عن الأشياء. والتهكم على الدين والرموز الدينية، هو نفي القدسية عنه وعن الشخوص والأمكنة التي تتمتع بقدسية لدى معتنقيها، مضافًا إلى الرموز المذهبية والعائلية داخل الوسط الشيعي الحوزوي، التي تحفل هي الأخرى بالتقديس. ومن هذه الرموز هو تقديس الصدريين لقائدهم.

لقد رأينا بعض الصدريين كيفية تقديسهم للسيد مقتدى الصدر؛ من قبيل التبرك بمسبحته وبعض أشياءه يوم كان معتصمًا في الخيمة، وفي مسجد الكوفة قام بعضهم بتقبيل إطارات سيارته الخاصة، التي أثارت غضبه في حينها. وهذه الأمور تحدث وسط ثقافة تنتمي لمرحلة ما قبل الدولة، والتي بدورها لا تنتج سوى زعامات دينية وعشائرية وعائلية، فيكون أتباعها نسخة تحاكي السياق الثقافي السائد، فتلجأ إلى الوجدان والفطرة والميل إلى التقديس في ولاءاتها (كما سنبيّن في الجزء الثاني من المقالة). وهذا بالطبع ليس مبررًا كافيًا لتقبّل ما يجري، فالمزيد من النصح والإرشاد والحث على التفكير السليم سيقلل من هذه الحالات الشاذّة، خصوصًا أن الشهيد محمد محمد صادق الصدر كان الأكثر جرأة في نقد التقديس في الوسط الحوزوي.

يكرر الخصوم هذه الحقيقة دائمًا: إن السيد مقتدى الصدر ليس مقدسًا، محاولة منهم الدخول من هذا المنفذ للتهكم عليه. هذا ما تريد أن توضّحه الفئات الساخطة على الصدريين عن طريق الآليات الدفاعية اللاشعورية التي تترجمها تصريحاتهم غالبًا، أي أن الكتابة تغدو ترجمة أمينة للّاشعور الذي يضمره الخصوم. كما لو أن هؤلاء يتنفسون عن طريق هذه الآليات ويظهرون في العالم الأزرق ما يعجزون عن مواجهته في الواقع.

إن الصدريين يدفعون تهمة التقديس باستمرار نظريًا، غير أنهم، عمليًا، يغضبون حينما يتعرّض مقتدى الصدر للنقد الجارح، وقد يُظهِرون أسوأ ما يمكن يتصوره المرء في الحالات القصوى.

ومن هنا كان الصدريون يستاءون من هؤلاء ويبدون غضبهم ويردون بالمثل. وفي مناسبات كثيرة يجددون شكاواهم ضد "أهل الثقافة". وكثيرًا ما طالب الصدريون احترام علاقتهم العقائدية مع السيد مقتدى الصدر، لأنهم يتنازلون عن أي شيء، لكنّهم لا يساومون على هذه العلاقة الصلبة، بل يفتدون أنفسهم وذويهم، كما يكرر الكثير منهم، حبًا بقائدهم.

الصدريون عوّضوا وجودهم وتمايزهم في هذه الهوية الجديدة. يمكن لأي شخص مهما كانت طبقته الاجتماعية المتدنية، أو مستوى تعليمه، أن يكون له شأن في الوسط الصدري

 خلاصة الأمر، يتصرّف الصدريون كما لو أنهم أقليّة مغلوب على أمرها في العالم الافتراضي. وأغلب الظن كانت هذه التصرفات نابعة من فقر البضاعة المعرفية لأغلبية الصدريين الذين يشكّلون القاعدة الشعبية لهذا التيار. ولا يعني بالطبع خلو التيار كليًا من الكفاءات المثقفة. لكننا نجادل من هذه الزاوية المحددة، وهي عدم بروز هذه الفئة، من حملة الشهادات على الأقل، إلى الواجهة. ربما لغلبة الطابع الشعبي على نشاطات الصدريين، أو لغلبة بعض الانتهازيين والنفعيين في الواجهة، فيضيّقون الخناق، بشكل غير مباشر، على المتعلمين، لأن الانتهازيين يحاولون وبكل قوة الهيمنة على مركز القرار. وقد شهدت الأيام الفائتة بعض القرارات الجدية لطرد هؤلاء من التيار الصدري، غير أن بعض القرارات قابلة للكسر من قبل السيد مقتدى الصدر، لأنه يمثّل أعلى الهرم، وعلى أثرها تنازل عن قراراته لأحد المقربين إليه، فرجع الأخير إلى حاضنته الأولى على الرغم من كل الشبهات التي تحيط به.

اقرأ/ي أيضًا: مقتدى الصدر.. قبل نفاد الوقت

إن هذه الظاهرة المفرطة في التقديس وجدت جذورها في المجتمع الريفي العراقي؛ مجتمع المزارعين ورعاة الأغنام البسطاء الذين يتسمون بالطيبة والوداعة، على عكس المجتمع الصحراوي الذي يقطنه رعاة الإبل الأشداء والقساة الذين تمنحهم الصحراء الأبدية تلك الحرية التي يفتقر لها المزارعون قياسًا برعاة الإبل الرحّل والغزاة المتربصين برعاة الأغنام.  كان المزارعون منصهرين في قبضة الإقطاعي الظالم، وتقديس "المومن" (خطيب المنبر الشيعي)، ويستمعون إلى حكاياته بنهم غريب، لكنهم كانوا بالكاد يشبعون بطونهم.  تكالبت مصائب ثلاث على هذه الفئة المغضوب عليها: مصيبة الجوع الكافر، ومصيبة الجهل، ومصيبة العبودية كمجتمع فلاحي مأسور تحت قبضة الإقطاعي. بكلمة أخرى: كانت بيئتهم الجغرافية والاجتماعية، وجذورهم المذهبية، وظروفهم السياسية والاقتصادية، بيئة خصبة لإنتاج الأساطير وشيوع ظاهرة التقديس.

حتى بنزوح الفلاحين إلى العاصمة يومذاك هربًا من جور الإقطاعي، فتكاثروا هناك في أسوأ الظروف ، كما ذكرنا في مقالة سابقة. ظل حنين الولاء يطارد مخيلتهم، فجاء عبد الكريم قاسم، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، ليرسموا له صورة تقديسية في مخيلتهم: كانوا على يقين أنهم شاهدوا "الزعيم" في السماء!

 مهما كانت الظروف التي ذكرنها أعلاه، لكن يبقى للمعدمين عالمهم الخاص: عالم ينعدم فيه الشعور بالوجود، وتنعدم فيه كل النقاط المرجعية، وتتلاشى فيه كل الأحلام، ولا يبقى سوى ذلك الأمل الذي يتسلل إلى أعماقهم، وهو الشعور بوجودهم المستلب واستعادته مرة أخرى؛ ذلك أن الهوية في نهاية المطاف هي الشعور بالوجود أولًا، حسب رأيي البسيط، ومن ثم يأتي التمايز ثانيًا.

 لقد عوّض هذا الجمهور الواسع وجوده وتمايزه في هذه الهوية الجديدة. يمكن لأي شخص مهما كانت طبقته الاجتماعية المتدنية، أو مستوى تعليمه، أن يكون له شأن في الوسط الصدري، وهذه تجربة راقبتها منذ سنين. وهنالك الكثير من القصص التي لا تسعها هذه العجالة، تبرهن ماذا يعني لو تُشعِر الإنسان بوجوده! ومن المفارقات العجيبة: يمكنه أن يضحي بوجوده مجانًا كعربون وفاء لمن استرده له!

 ثمّة استثناءات بلا شك، إذ يمكن للمتعلمين أن يقعوا بنفس المحذور، لكنها تبقى استثناءات على أي حال، خصوصًا كلما اقتربنا من المتعلمين في هذا التيار تضاءلت معه النزعة التقديسية المفرطة، وأنا أتكلم هنا عن مشاهدات فحسب، ولا املك دراسة إحصائية بخصوص هذا الأمر. أما الانتهازية والوصولية، فهي تتوزع بعدالة فائقة على معظم البشرية جاهلهم ومتعلمهم! ألم نشاهد العجب العجاب من زمرة الخضراء وما أفرزته لنا من "متعلمين" انتهازيين تتعفف منهم أشد الضواري وحشية. فعلى العكس، أن مرض الانتهازية والوصولية ينتشر بين أوساط المتعلمين أكثر من غيرهم، لأنهم أعرف بدروب الحيل والمكر كما يصفهم الراحل هادي العلوي.

على كل حال، أن أكثر ما يدعو للغرابة في ثقافتنا، هو الغرق في مقولات متقدمة جدًا على المنظومة القيمية السائدة. ليس هذا فحسب، بل تحليل واقعنا الاجتماعي والسياسي بطريقة تحاكي واقع المجتمعات الحديثة. ونحن نعلم أن الجماعات المتوفرة لدينا تنتمي إلى حالة ما قبل الدولة، أي الحالة التي تنعدم فيها التنظيمات السياسية التي تفرزها عادةً الدولة الغربية الحديثة. فالقضية ليست أن تقرأ كتب الحداثة وتتهكم على أطروحات الغير، بل أنظر إلى المقدار الذي تقدم فيه الإهانة لنفسك حينما تتجاهل شروط الواقع وإمكاناته. من يريد أن تجري الحياة طبقًا لقيم الحداثة، فعليه بالمقدمات، ومن يسعى للتغيير، فهذا لا يحدث إلا بنخبة سياسية مستنيرة تقرأ واقعها وتناقضاته الداخلية بواقعية. سيكون على عاتق هذه النخبة المستنيرة أن ترسم خارطة طريق نابعة من الواقع، لا من تداعياتها النفسية كما يفعل الكثير! ثم بعدئذٍ تبدأ عملية التدافع والوصول إلى الحد الأدنى من المجتمعات الحديثة.

إن الجماعات المتوفرة لدينا تنتمي إلى حالة ما قبل الدولة، وهي الحالة التي تنعدم فيها التنظيمات السياسية التي تفرزها عادةً الدولة الغربية الحديثة

 أنت بعد ذلك، كيف ستقرأ واقعنا الثقافي المضطرب: هل ستقرأ الصدريين طبقًا لقيم الحداثة وعقلانيتها الصارمة، أم بالأخذ بنظر الاعتبار منظومة القيم التي تهيمن على ثقافتنا؟ أم ستبقى مأسورًا بثنائية المديح والهجاء؟!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مقتدى الصدر.. الرابح الأكبر من تظاهرات العراق

منافسة الصدريين: شعارات بلا عمل