ملعب الشعب غارق بالفساد والإهمال.. عشرات آلاف المشجعين بين الكلاب والغاز

ملعب الشعب غارق بالفساد والإهمال.. عشرات آلاف المشجعين بين الكلاب والغاز

اندفع الألاف من المشجعين إلى أرضية ملعب الشعب (فيسبوك)
طرقٌ مقطوعة قبل ساعات، وقواتٌ أمنية تنتشر في المناطق المحيطة، وآلاف الجماهير تسير مشيًا على الأقدام لمسافات طويلة نحو ملعب الشعب الدولي، لمشاهدة مباراة مؤجلة لفريقي الزوراء والجوية من الجولة الـ16 في الدوري العراقي الممتاز لكرة القدم، والتي كان مقررًا إقامتها، عصر يوم الجمعة 16 آذار/مارس.

غص ملعب الشعب بنحو 80 ألف من الجماهير التي اضطرت إلى النزول إلى أرضية ملعب الشعب، ما دفع إلى تأجيل الكلاسيكو بين الجوية والزوراء

فيما غصت مدرجات الملعب بالجماهير قبل ساعات من بداية المباراة، وحوطت آلاف الجماهير ملعب المباراة محاولين الالتحاق برفاقهم في الداخل. واستطاع العديد منهم عبور الأسوار الخارجية إلى داخل المدرجات، فيما اقتحم عددٌ كبيرٌ من الجماهير مضمار الملعب.


ملعب الشعب يغص بالجماهير

الفريقان ينسحبان والحكم يُنهي مباراة لم تبدأ

وقبل بدء المباراة، غادر فريقا الزوراء والجوية ملعب الشعب الدولي حفاظًا على سلامة اللاعبين من الجماهير التي تحيط بأرضية المباراة، فيما قرر حكم المباراة، علي صباح، تأجيل المباراة إلى إشعار آخر بسبب "الفوضى التنظيمية ودخول جماهير أكثر من طاقة ملعب الشعب الاستيعابية".

قال علي صباح، معلقًا على قرار التأجيل،: "قانونيًا لا يحق لي قيادة المباراة، لأني حكم دولي والقانون واضح، إذ لا يجوز إقامة المباراة بهكذا ظروف وعدم استيعاب الملعب لهكذا جمهور، والأمر الأهم الحفاظ على سلامة الجميع".

اقرأ/ي أيضًا: بعد غياب11 عامًا.. العراق يحلق في سماء دوري أبطال آسيا بأجنحة النوارس

أعداد الجماهير بلغت نحو 80 ألف شخص، وفق مصادر صحفية، وهو ما يفوق الطاقة الاستيعابية للملعب التي لا تتجاوز 29 ألف متفرج وفق وزارة الشباب والرياضة، ما أدى إلى اندفاع جزء كبير منهم إلى مضمار الملعب.


عبور المشجعين من جدار ملعب الشعب 

من جانبه قال مشرف المباراة، قيس محمد أسود، في تصريح صحفي، إنه هو من اتخذ قرار تأجيل المواجهة للحفاظ على سلامة اللاعبين والمدربين والإداريين، مشيرًا إلى أن "قراره بالتأجيل جاء لعدم جاهزية المباراة بوجود الجماهير في مضمار الملعب"، فيما عد ذلك "خرقًا للقانون، حيث لم يكُ ممكنًا إقامة المباراة".

قتيل وإصابات.. والداخلية تنفي

أفادت مصادر صحفية، بأن شخصًا من الجماهير توفي، وأصيب 35 مشجعًا، جراء عملية التدافع بين الجماهير وحالات الإغماء واستخدام الغاز المسيل للدموع والعصي الكهربائية من قبل القوات الأمنية المنتشرة في المكان. كما أظهرت صور ومقاطع فيديو تصاعد داخان القنابل المسيلة للدموع وهرب الجماهير من عناصر مكافحة الشغب.

تحدثت مصادر عن وفاة مشجع وإصابة العشرات، لكن وزارة الداخلية تؤكد إصابة ثلاثة أشخاص فقط في أحداث ملعب الشعب

لكن وزارة الداخلية قالت، في بيان لها إن "الأعداد الكبيرة للمتفرجين وامتلاء مدرجات الملعب دفعت البعض إلى محاولة الدخول من أماكن غير مهيأة، وتسلق السياج الخارجي للمعب، ما أدى إلى إصابة ثلاثة منهم بإصابات طفيفة بالأسلاك الشائكة، وقد تمت معالجتهم وغادروا المستشفى"، نافية وفاة أي من المشجعين أو حدوث حالات احتكاك أو مشاجرة.

فيما قال أحد المشجعين لـ "ألترا عراق"، إن "بعض الجماهير تحدثت عن وفاة مشجع وهو في طريقه إلى المباراة، وليس جراء عملية التدافع أو بسبب القوات الأمنية".


أحد المصابين بأحداث ملعب الشعب

المتعهد متهم

وتناقلت الجماهير العراقية عبر صفحات التواصل الاجتماعي، اتهامات ببيع بطاقات دخول أكثر من الطاقة الاستيعابية لملعب الشعب الدولي، ما أدى إلى هذه "الفوضى" وتأجيل المباراة.

بدوره سارع الاتحاد العراقي لكرة القدم إلى إصدار بيان دعا من خلاله، وزارة الشباب والرياضة إلى "فتح تحقيق عاجل وفوري ومعرفة المسبب والمقصر أيًا كان"، مشيرًا إلى أن "مشرفي المباراة أبلغوا حماية الملعب والمتعهد منذ الساعة الثالثة عصرًا بإغلاق الأبواب، وعدم السماح بدخول أعداد إضافية لامتلاء الملعب بشكل كامل".

أوضح الاتحاد أيضًا، أن "إغلاق الأبواب لم يحصل، واستمر توافد وتزاحم الجماهير بالدخول، واضطرت الجماهير لدخول مضمار اللعب بأعداد كبيرة ما يُشكل خطرًا جسيمًا على سلامة إجراء المباراة".

تحقيق وزاري

أما وزير الشباب والرياضة، أحمد رياض، فقد وجه بعد الحادثة بفتح تحقيق لمعرفة أسباب سوء تنظيم مباراة الزوراء والجوية، وفقًا لبيان أصدرته الوزارة، مؤكدًا أن "لجنة لتقصي الحقائق شكلت برئاسة وزير الشباب وعضوية كل من رئيس اتحاد الكرة وممثل عن وزارة الداخلية، للتحقيق في الأحداث التي رافقت عملية دخول الجماهير بهذا العدد الكبير".

وجهت اتهامات إلى متعهد المباراة ببيع بطاقات بعدد يفوق طاقة ملعب الشعب، فيما شكلت وزارة الشباب لجنة لتقصي الحقائق

أشار البيان، إلى أن "الأحداث التي وقعت تنطوي على سمعة ومكانة الرياضة العراقية وكرة القدم بالأخص، لا سيما ونحن ساعون ونحث الخطى من أجل رفع الحظر الكلي عن الملاعب العراقية"، مبينًا أن "بعض الجماهير تدافعت ودخلت بطرق غير حضارية من أماكن غير مهيأة للدخول ما أدى إلى إصابة 3 منهم بإصابات طفيفة بالأسلاك الشائكة".

وتعهدت الوزارة وفق بيانها، بـ "محاسبة كل من تسبب بحدوث ذلك بغض النظر عن الأسم والصفة التي يحملها". في حين قال المتحدث باسم الوزارة، موفق عبد الوهاب، في تصريح صحافي، إن "مسؤولية ما حدث مشتركة ويتحملها الجميع"، موضحًا أن "المشجعين دخلوا عبر السياج الخارجي من أماكن غير مخصصة للدخول، ومن الممكن أن نلقي باللائمة على القوات الأمنية أيضًا".

أضاف عبد الوهاب، أن "الوزارة لديها عقد قديم مع متعهد بيع التذاكر، وفتحت تحقيقًا لمعرفة حقيقة بيعه بطاقات فوق طاقة الملعب، التي تبلغ 29 ألف متفرج".

مضحك مبكي.. في العراق فقط!

كشف عدد من المشجعين تفاصيل ما جرى في ملعب الشعب، حيث امتلأت مدرجات ملعب الشعب بالجماهير، منذ الساعة الثالثة عصرًا، قبل ساعتين من انطلاق المباراة، الأمر الذي أكده بيان اتحاد كرة القدم.

يقول علي إبراهيم، أحد المشجعين الذين لم يحظوا بدخول الملعب لـ "ألترا عراق"،: "أقلتنا سيارة الأجرة ـ أنا وصديقي ـ  إلى قرب (مول زيونة) كون القوات الأمنية قطعت الطريق، واضطررنا لسلوك الشارع الموازي لشارع الملعب سيرًا على الأقدام، وهناك بدأنا نرى الجماهير تتراكض هنا وهناك، وسمعنا أصوات انفجارات ثم شممنا بعد دقائق رائحة عرفنا من خلالها أن القوات الأمنية رمت قنابل مسيلة الدموع لتفرقة الجماهير".

كما روى إبراهيم حادثة غرائبية، إذ "في الوقت الذي كانت القوات الأمنية ترمي قنابل الغاز المسيلة للدموع واستخدمت الكلاب البوليسية لتفرقة المتظاهرين، كان بائعو التذاكر يبيعون بطاقات الدخول للجماهير قبل مسافة بعيدة نسبيًا عن الملعب".

مشجعون: كلاب قوات الأمن لاحقت عددًا من الجماهير، فيما كانت البطاقات لا تزال تباع على مسافة من ملعب الشعب 

وبيّن إبراهيم، أن "بعض الجماهير تداولت إشاعة أن الأبواب فُتحت وبدأوا بالركض نحو الملعب، لكننا قررنا الانسحاب، وقابلنا جنديًا أثناء محاولتنا سلوك الطريق المختصر حيث تتواجد سيارات الأجرة، وأخبرنا بإمكانية أن يسمح لنا بالمرور لكن القوات الأمنية ستعتقلهم إن مروا من هنا، ولا نعرف ما سبب هذا التحذير".

البصرة تبادر

إلى ذلك عبر رئيس مجلس محافظة البصرة، صباح البزوني، عن أسفه لما حدث من "فوضى" في بوابات ملعب الشعب قبل انطلاق مباراة الزوراء والجوية. وقال في بيان إن "العراقيين يعشقون كرة القدم ويعتبرونها المتنفس الوحيد لهم".

فيما أبدى البزوني، "استعداد ملعب البصرة الدولي لاستضافة مباراة الصقور والنوارس"، مبينًا أن "البصرة وأهلها سيفتحون قلوبهم قبل ملعبهم ومدينتهم لأخوتهم لتقديم صورة مثالية للعالم عن حب العراقيين للحياة والسلام".

بغداد تشكو ظلم المسؤولين

بدورهم حمّل العديد من المعلقين والمدونين وجماهير كرة القدم مسؤولية الفشل، للوزراء والمسؤولين في الحكومات المتعاقبة بعد 2003، إذ بقيت العاصمة بغداد دون ملعب يتناسب مع عدد سكانها وأهمية أنديتها الرياضية.

يقول أمير حسين، مشجعٌ لنادي الزوراء لـ "ألترا عراق"، إن "المسؤولين العراقيين بنوا ملاعب عدة في محافظات ليس لها ثقل رياضي مع احترامنا لها، في الوقت الذي تحتضن بغداد أربعة أندية جماهيرية وأندية أخرى لها وزنها في الدوري مثل النفط وبغداد وغيرها، إلا أن بغداد بقيت تعتمد على ملعب الشعب الذي لا يستوعب جماهير العاصمة".

أبدت حكومة البصرة استعدادها لاستضافة المباراة، فيما شكا مشجعون حرمان بغداد من ملاعب جديدة لحساب بقية المحافظات

يرى حسين، أن إهمال العاصمة بهذه الطريقة وبناء الملاعب الكبيرة في المحافظات الأخرى "مقصودٌ"، لأسباب رفض الكشف عنها. وأشار حسين إلى أن "الجميع يتذكر حادثة ملعب الحبيبية، فضلًا عن إهمال ملعب التاجي، وفي الملعبين توقفت عملية البناء لأسباب معروفة".

اقرأ/ي أيضًا: رغم جدل احترافه.. "ميمي" لا يُرِيد أوروبا!

وتفتقر العاصمة العراقية لملاعب دولية باستثناء ملعب الشعب الدولي الذي بناه رجل الأعمال الثري الآرمني العراقي الأصل، كالوست سركيس كولبنكيان مدير شركة (كولبنكيان) البرتغالية، إذ كان يملك حصة من نفط العراق بنسبة 5% من مجموع الأسهم.

افتتح الملعب، في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1966، بطاقة استيعابية تصل إلى 40 ألف متفرج، ذلك قبل تركيب كراسي الجلوس التي قلصت الطاقة الاستيعابية إلى 29 ألفًا. وبقي هذا الملعب العتيق يحتضن المباريات الجماهيرية التي تجمع أندية الزوراء والجوية والشرطة والطلبة، لكنه لم يعد يحتمل هذا العدد الهائل من الجماهير التي تحلم بها بلدانٌ أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

علي عدنان ينتقل إلى فانكوفر وايتكابس الكندي

كرة القدم.. دين ثانٍ في الشرق الأوسط