15-فبراير-2022

ليس تفكير النخب السياسية يختلف بشيء عن مجتمع مثل المجتمع العراقي (فيسبوك)

في المجتمعات التي نشأت على الاستبداد معظم الأشياء تغدو لديها سهلة بشكل عام، لأنها لا تحتاج إلى حلول طويلة الأمد. حتى عموم الناس لا تتعامل مع القضايا المصيرية بجدية، ذلك أن القضايا المصيرية في ضمير جمهور الاستبداد محصورة في الحفاظ على ذاكرتها القمعية. لذلك لا تعاني النخب السياسية في هذه البيئات من مشقة إقناع "المواطنين" أن كل الأمور على ما يرام، ما عدا شيء واحد إذا تعرّض للتهديد فأنه سيهدد وجودهم برمته، وهو الحفاظ على سلطة المستبدين باعتبارهم الصورة المثالية المتعالية التي تعكس نفسها في المجتمع. بمعنى أن هذا الأخير يعتبر السلطة القمعية صورته المثالية التي يرى من خلالها ذاته الحقيقية على نحو مطابق تمامًا.

يتقاتل الناس في مدينة العمارة حاليًا على قضايا عشائرية تافهة للغاية أمّا قضية المخدرات واستفحالها لا يشكّل معضلة عند هؤلاء

وكآلية دفاعية، ومن أجل البقاء على نفس الاستغفال، تدمن الناس على قضايا لا وجود لها في الواقع. ولو بحثت عنها في كل الزوايا فسوف لا تعثر عليها إلّا في أذهان السلطة وعبيدها المخلصين. أمّا المشاكل السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، من قبيل اختيار ممثلين أكفّاء في السلطة التشريعية، ومحاسبتهم فيما لو تنكّروا لوعودهم، أو المطالبة ببرنامج اقتصادي حكومي، أو تشريع مزيد من القوانين التي تضمن حريات الناس، وأمنهم، وصيانة كرامتهم الإنسانية، كل هذا لا يشكّل أدنى اهتمام من قبل الناس التي ترعرعت في حضن الاستبداد.

اقرأ/ي أيضًا: محافظة ميسان.. ثلاث مشاكل غير قابلة للحل

إن مناخ الاستبداد الاجتماعي والسياسي هو مناخ يوفّر الأجواء الملائمة لتدريب الناس وإقناعهم بترحيل المشاكل الكبرى، أو التيقن بأن المشكلة الأساسية، في العراق على سبيل المثال، هي وجود مؤامرة تُحاك ضد المذهب. في محافظة ميسان مثلًا يتقاتل الناس في مدينة العمارة حاليًا على قضايا عشائرية تافهة للغاية، أمّا قضية المخدرات واستفحالها لا يشكّل معضلة عند هؤلاء، حتى لو تصدرت مدن الجنوب قائمة المدن الأكثر تجارة للمخدرات. لكن لو تعرّض أحدهم لحادث مروري فستعلن بعض العشائر النفير العام، وستوزع اللافتات لتحذير الناس من قبل العشائر حول عدم الدخول إلى أرض المعركة خوفًا على الناس من الأذى! وعند هذه اللحظة ستُقَسّم العشيرتان مقاتليها إلى سرايا، وفصائل، وحظائر، للإجهاز فورًا على من تعرّض لاستفزاز قيمهم. أما المخدرات التي تفتك بالمجتمع فلا تُعد مشكلة اجتماعية أو خطر وجودي يهدد تلك القيم المزعومة.

وليس تفكير النخب السياسية يختلف بشيء عن مجتمع مثل المجتمع العراقي، فكلاهما يمثلان انعكاسًا متبادلًا. لذلك ليس من المستغرب حين تكثّف إيران من تدخلاتها في السياسية الداخلية عن طريق أحد ممثليها في الحرس الثوري، وتترك الدبلوماسية جانبًا، فلا بدّ أن يكون المتهم الإمارات أو السعودية. حتى لو كانت روافد دجلة التي تنبع من إيران تم قطعها مما أثر على الأراضي الزراعية فضلًا عن ارتفاع نسبة الملوحة فيها، فينبغي أن يكون أحدًا غير الفاعل الرئيسي متهمًا، وهذا ما يحصل في بلدنا الغريب دون مبالغة.

طبعًا هذا ليس تبرئة لأحد على الإطلاق، لكن حين تصل الأمور لهذا التناقض الصارخ فلا ينبغي للمرء أن يتعجّب من هذه المشاهد الدرامية، لأنها ليست غريبة على ثقافات الاستبداد، وبالخصوص الثقافة العراقية التي عايشت الاستبداد زمنًا طويًلا لدرجة أنه أفقدها صوابها.

إنّ المقاولين، والسماسرة، والأعيان، وجدوا الحل الأمثل للقضاء على المشاكل الاجتماعية. وبما أن المشكلة الكبرى التي تهدد وجودنا هي الحرية بوصفها مشكلة اجتماعية كما ذكرنا في مقالة سابقة، وبما أن المتهم الحقيقي ينبغي استبعاده، فما عدا ذلك ليست هناك مشاكل حقيقية. لذلك يكفي أن تستخدم القمع كآلية ناجحة وفعّالة في القضاء على أي مشكلة اجتماعية. وفي مثل هذه البيئة القاسية والمضطربة والمتناقضة تتوفر ثلاثة أسلحة لطالما أثبتت نجاحها بالنسبة للقائمين على الأمر، وهي النبذ والإقصاء والقتل.

في مثل هذه البيئة القاسية والمضطربة والمتناقضة تتوفر ثلاثة أسلحة لطالما أثبتت نجاحها بالنسبة للقائمين على الأمر وهي النبذ والإقصاء والقتل

 وبما أن قتل الإنسان سهل نسبيًا لدى هذه الثقافات فمن المستحسن تفعيله عند كل أزمة تهدد الأمن المجتمعي! ذلك أن القتل هو الآلية الفعّالة والناجزة للقضاء على أي مشكلة، إذ يمكن في خلال شهر واحد تصفية 700 شهيد للقضاء على شباب العراق، وينبغي البحث عن مشكلة غير موجودة تبرر هذه الدماء، وكانت المشكلة بالطبع هي التبعية لسفارات الدول الكبرى. هذا هو منطق الاستبداد السياسي والاجتماعي الذي سيؤخر عملية النهوض بهذا البلد عقودًا طويلة.