من المالكي إلى عبد المهدي.. قصة الـ100 يوم المكرّرة!

من المالكي إلى عبد المهدي.. قصة الـ100 يوم المكرّرة!

عادل عبد المهدي في البصرة (Getty)

ربما للرقم 100 ذكريات سيئة عند العراقيين، إذ تعود بهم الذاكرة إلى مهلة المئة اليوم التي أعطاها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لوزراء حكومته، بغيةَ تحسين أداء وزاراتهم، بعد موجة من التظاهرات العارمة انطلقت في الخامس والعشرين من شهر شباط/ فبراير، تأثرًا بثورات الربيع العربي عام 2011، بعد أن طالب الشباب المتظاهرون في ساحة التحرير بالخدمات وفرص العمل ومكافحة الفساد، وقُتل عددٌ من المتظاهرين بعد مصادمات حصلت مع قوات الأمن.

للعراقيين قصص مع مهلة الـ100 يوم التي يعطيها رؤساء الوزراء للإصلاح وتغيير الواقع لكنها دائمًا ما تنتهي دون جدوى!

مكتب المالكي أصدر بيانًا في السابع والعشرين من شهر شباط/ فبراير حدّد فيه فترة 100 يوم يجري بعدها تقييم عمل الحكومة والوزارات كلًا على حدة، لمعرفة مدى نجاحها أو فشلها في تأدية العمل المناط بها، وتبدأ من التاريخ أعلاه، لتمر مئات الأيام دون إصلاحات ملموسة، حتى وصلنا إلى سقوط ثلث مساحة العراق بيد عناصر تنظيم الدولة "داعش".

100 يوم مرة أخرى! 

رغم الذكريات السيئة، إلا أن رئيس الوزراء الحالي، عادل عبد المهدي، وضع في مناهجه الحكومي الذي قدمه لمجلس النواب، بعد أن نال ثقة البرلمان مع 14 وزيرًا في 24 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي،  التزامات محدّدة لوزاراته المعنية، لتتعهد بتطوير خطط تفصيلية وبجداولَ زمنية ومؤشراتَ أداءٍ واضحة قابلة للقياس، ونشرها خلال 100 يوم من عمر الحكومة.

المدة انتهت في الرابع من شباط/ فبراير 2019، والشاهد الوحيد على عمل الحكومة هو رفع الصبات الكونكريتية من شوارع العاصمة وفتحٌ جزئي للمنطقة الخضراء المحصنة أمام المواطنين، رغم رفض السفارة الأمريكية والقوى السياسية لهذا الإجراء بحسب سياسيين مطلعين، بينما أرّجع نواب آخرون فضل هذه الإجراءات إلى حكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الذي تحسنت الأوضاع الأمنية أثناء ولايته، الأمر الذي أكده القيادي في تحالف الإصلاح والإعمار حيدر الملا، الذي قال في تصريح صحفي تابعه "ألترا عراق"، إن "الحكومة استفادت من المنجز الأمني الذي حققته الحكومة السابقة برئاسة حيدر العبادي، الأمر الذي مهد لعملية فتح بعض الطرق التي كانت مغلقة في بغداد".

وعودٌ ألزم بها نفسه

عبد المهدي قسم منهاجه الحكومي إلى ثلاثة أٌقسام بثلاثة توقيتات، سريعة ومتوسطة وطويلة الأمد، تراوحت السريعة منها بين ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، لندخل الآن في النصف الثاني من الفترة المحددة لإنجاز المهام "السريعة". وقد جاء "تأسيس قوة أمنية قضائية قادرة على ضبط النظام"، والوقوف ضد محاولات "الخروج على القانون"، على رأس أولويات الحكومة، والتي لم ترَ النور حتى الآن.

اقرأ/ي أيضًا: حكومة عبد المهدي.. رهان أخير لـ"إنقاذ" العملية السياسية من غضب العراقيين

فيما كان الوعد الآخر، وعلى وجه السرعة، هو "دراسة وضع البطاقة التموينية ومفرداتها وتقليل الاعتماد على الخارج لتوفير العديد من مفرداتها"، لكن الاتفاقية الأولى التي عقدها عبد المهدي كانت مع الجارة الأردن، والتي وصفها العديدُ من السياسيين بـ"المجحفة"، إذ أعفى العراق البضائع الأردنية من الجمارك، ما يُزيد من حالة التدهور في الزراعة والصناعة الوطنية.

المزارعُ (س.أ) من محافظة ديالى، الذي رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، قال لـ"ألترا عراق" إن "الحكومات المتعاقبة على العراق منذ 2003 تواصل عملية تدمير ممنهجة للزراعة العراقية، وهذه الحكومة افتتحت مشوارها بتعاقد قد يُنهي ما تبقى من الزراعة المحلية لصالح المنتج المستورد من الخارج".

ومن ضمن الوعود التي أطلقها عبد المهدي على وجه السرعة، أي بين ثلاثة إلى ستة أشهر، هي "التأسيس لمشروع تشغيل الشباب، والمباشرة ببناء المستشفيات المتوقفة في المحافظات، والبدء ببناء وحدات سكنية، وتوزيعها على العوائل المسجلة تحت خط الفقر"، لكنها كذلك لم تكن إلا حبرًا على ورق البرنامج الحكومي لكابينته المنقوصة من أربع وزارات حتى اللحظة، ولعل هذا النقص أحد أهم المبررات التي يُقدمها المدافعون عن عبد المهدي، بالإضافة لتأخر إقرار الموازنة الاتحادية حتى أواخر الفصل التشريعي الأول المنقضي حديثًا.

المجلس الأعلى لمكافحة الفساد
في الأول من شباط/ فبراير 2019، صادق رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي على تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، ما أثار ردود أفعال متباينة بين الكتل السياسية، فالقيادي في تحالف المحور الوطني ليث الدليمي وفي تصريح تلفزيوني، تابعه "ألترا عراق"، اعتبر تأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الفساد "مخالفة قانونية"، فيما رأى المحلل السياسي نجم اليعقوب في تصريح آخر أن من "المفترض على عبد المهدي أن يضع يده على ملفات الفساد السابقة الموجودة لدى الهيئات الرقابية قبل تأسيس المجلس"، واصفًا خطوات رئيس الوزراء بـ"الخالية من الحزم والشدة"، وهي المواصفات التي طالبت المرجعية الدينية العليا في النجف أن يتحلّى بها رئيس الوزراء قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة.

لم يتحقق من المنهاج الحكومي الذي ألزم عبد المهدي نفسه به أي شيء، حتى المشاريع التي قال إنها ستحقق خلال ثلاثة أشهر!

ويرى نوابٌ ومراقبون أن تأسيس المجلس يعد تجاوزًا على دور مجلس النواب الرقابي، فيما كشف مصدرٌ اشترط عدم الكشف عن اسمه لـ"ألترا عراق" عن "تخوف بعض الكتل السياسية من هذا المجلس، ودفع نوابها باتجاه رفض وانتقاد هذا المجلس، وذلك خوفًا من فتحه لملفات فساد قد تطال شخصيات وزعامات سياسية معروفة".

أما السياسي المستقل والقريب من عبد المهدي، ليث شبر، والذي عمل معه سنوات عديدة، قال في تصريح صحفي، إن "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد تنسيقيٌ، وسيقضي على منابع الفساد"، مبينًا أن "تحالف البناء هو الكتلة المعارضة الأبرز لهذا المجلس".

ويضم تحالف البناء، كل من تحالف الفتح بقيادة هادي العامري، وائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي، وكتلة عطاء برئاسة المرشح لوزارة الداخلية فالح الفياض، والذي انشق مع نواب كتلته عن تحالف النصر برئاسة حيدر العبادي، والمحور الوطني "خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي وأحمد الجبوري"، وحركة إرادة برئاسة حنان الفتلاوي.

الفتح وسائرون .. متورطون !
لا يخفى على أي متابع للشأن السياسي أن التحالفين الكبريين، الفتح برئاسة هادي العامري، وسائرون المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، هما من أوصلا عادل عبد المهدي إلى سدة الحكم، بعد أن مر العراق بأزمةٍ معتادة في مسألة تشكيل الحكومة بعد انتخابات أيار/ مايو 2018.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف.. تكليف عادل عبدالمهدي بتشكيل حكومة العراق: التحديات وظروف الاختيار

التحالفان عقدا لقاء بهدف دعم الحكومة وإنهاء ملف الكابينة الوزارية في بداية الفصل التشريعي القادم، وذلك عبر لجنة مشتركة من التحالفين تُقرّب وجهات النظر.

مصدر في تحالف سائرون قال في حديث جانبي لـ"ألترا عراق" إن "لقاء الفتح وسائرون جاء بعد شعورهما بورطة حقيقية، فالخلافات بينهما لم تجد طريقًا للحل، كما أن عبد المهدي أظهر ضُعفًا واضحًا في طريقة إدارة الحكومة في المدة السابقة، وكذلك في اختياره لوزراء تطالهم شبهات فساد وقضايا إرهاب وقضايا تخص هيئة المساءلة والعدالة"، الأمر الذي أكده النائب عن تحالف سائرون علاء الربيعي، الذي قال في تصريح تلفزيوني إن "وزراءً في حكومة عبد المهدي بدأوا بممارسة العمل التجاري في وزاراتهم".

أظهر عبد المهدي ضعفًا واضحًا في إدارة الحكومة ووزراءً في حكومته بدأوا بممارسة العمل التجاري!

المصدر ذاته أضاف، أن "سائرون والفتح اتفقا على الاستمرار بدعم عبد المهدي لعدم وجود البديل الجاهز"، كاشفًا عن شرط لتحالف سائرون، يقضي بـ"إقالة أربعة وزراء في حكومة المهدي، مقابل استمرار التحالف بدعم الحكومة ورئيسها"، وعدم الذهاب إلى المعارضة، التي هدّد بها مقتدى الصدر مراراً قبل حين.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ماذا سيقدم عادل عبد المهدي لـ"نكبة" البصرة؟

تشكيل مجلس أعلى لمكافحة الفساد بعد تصنيف العراق بين أكثر 13 دولة فاسدة