ultracheck
مجتمع

مواهب يبتلعها "ابتزاز شائع".. كيف ينمو التحرّش الجنسي داخل أوساط كرة القدم؟

11 أغسطس 2026
الرياضة في العراق والاستغلال الجنسي
مرتضى عصمت
مرتضى عصمتصحفي من العراق

في الأحياء الشعبية التي تبدأ من أطراف بغداد لتمتد إلى مناطق الوسط والجنوب من مدن العراق، لا تبدو كرة القدم مجرد لعبة؛ هي مساحة للهروب وبداية لتشكيل هوية الشاب العراقي، وبوابة الأمل للأسر التي ترى في موهبة أطفالها وأحلامهم فرصة للنجاة من التهميش والبطالة.

يشكو عديدون من وجود استغلال للأطفال والمراهقين ومحاولات التحرّش بهم داخل الفرق الشعبية في العراق

لكن خلف هذه الأحلام والآمال، تكشف شهادات مختلفة من لاعبين سابقين وأهالٍ تتحدث عن "الاستغلال الجنسي" الذي يحدث في بعض الأندية والمنتخبات للفئات العمرية والفرق الشعبية في ظل ضعف الرقابة. يحاول هذا التقرير أن يركّز على البعد الإنساني، من خلال الشهادات التي حصل عليها "ألترا عراق"، للاعبين شباب، بالإضافة إلى حلقة الإعلامي علي عذاب، إلى جانب ما تم نشره في صفحة "معرض الكرة العراقية المصور" من شهادات للاعبين سابقين.

من الساحة الشعبية إلى حلم المنتخب

لطالما كانت الشوارع والساحات الشعبية في العراق هي مكان الاكتشاف الأول لمواهب كرة القدم. هذه الساحات والشوارع الضيقة لا تتوقف عن ممارسة هذه اللعبة، حيث لا يوجد شاب عراقي موهوب ومحب للكرة لم تكن بدايته من الشارع والساحات الترابية والفرق الشعبية.

دائمًا ما تبدأ اللحظات الأولى للطفل العراقي مع كرة القدم في الشوارع، بين الأزقة الضيقة في أوقات العطل المدرسية وحتى أثنائها؛ ينصبون عوارضهم الوهمية بالأحذية وحقائب المدارس، يركضون في منطقة لعبهم بأقدام عارية تلسعها حرارة الشارع وتحت أشعة الشمس وبدون وقت معين أمام أعين المارة، يلهثون وراء أحلامهم التي تكبر معهم كل يوم، محاولين تحقيقها والانتقال من الشارع إلى الساحات الترابية وفرقها الشعبية والمدارس الكروية والأندية. لكن غالبية الشباب الموهوبين يذهبون للفرق الشعبية، وهذا يعود إلى أن هذه الفرق لا تحتاج إلى تكاليف مالية كما تحتاج المدارس الكروية والأندية، وكون هؤلاء الشباب هم أبناء عوائل ومناطق فقيرة غير قادرين على التنقل وشراء التجهيزات التي تُطلب منهم.

لذلك تكون البداية في الأماكن القريبة من بيوتهم، حيث يوجد في كل منطقة شعبية الكثير من الفرق التي يلعبون لأجلها، على أمل أن تأتي الفرصة المناسبة لتحقيق حلمهم الأول والذهاب بعيدًا في كرة القدم لتمثيل منتخبهم والأندية التي يحلمون باللعب لصالحها.

الحلم الذي بدأ من الأزقة

محمد جاسم (اسم مستعار بطلب منه) من مواليد 1998، نشأ في بيئة بسيطة، يقول إن "الكرة كانت المتنفس الوحيد في حيه". كانت بداية محمد ما بين اللعب في المدرسة والشارع، ليذهب بعدها وهو في سن التاسعة من عمره إلى فريق شعبي في منطقة "الشرطة الخامسة" بعد ملاحظة موهبته من قبل أحد أفراد عائلته، من ثم انتقل إلى نادي الكرخ بعد أول اختبار أقيم من قبل النادي؛ فبعد إقامة مباراة مع فريقه الشعبي، تم اختياره هو ومجموعة من أصدقائه لما يمتلكونه من مواهب تؤهلهم للارتقاء واللعب مع نادي الكرخ. كانت عائلة محمد أيضًا ترى فيه مشروع لاعب محترف.

يقول محمد لـ"ألترا عراق": "بعدما تم استدعائي إلى منتخب البراعم وأنا في سن الثالثة عشرة بعد مباراة كشف المواهب، شعرت في تلك اللحظة أن الحلم أصبح قريبًا جدًا وأنه لم يتبقَّ إلا القليل، كنت أرى نفسي اقترب من المنتخب الأول. كل حياتي كانت كرة القدم".

يتحدث محمد أنه وخلال إحدى الحصص التدريبية مع منتخب البراعم، قام المدرب بتوجيه عبارات ذات إيحاءات شخصية غير مهنية، حيث وضع يده على كتف محمد وهمس في أذنه: "شنو نوع العطر اللي مخليه؟". كان محمد يفهم هذا السياق مسبقًا بسبب تجربة من سبقه، فأجاب بأن هذا ليس من شأنه، ليتم استبعاد محمد من المنتخب بعد هذه الحادثة.

بعد عدة أيام من خروج محمد من المنتخب ومن ثمّ عودته، تواصل معه أحد لاعبي المنتخب بطلب من المدرب، ليبلغه بضرورة التقرب من المدرب وتلبية رغباته في أجواء ملتبسة لم يستطع فهمها: "قال لي بشكل مباشر: (المدرب أرسلني وقال لي: أحكي معه؛ هل يمكن أن يتقرّب مني ويلبي ما أريد؟ إن أراد البقاء معنا، من الضروري أن يفعل ما أريد". لم يذكر "ألترا عراق"، الجملة التي تحمل إيحاءً جنسيًا واضحًا عن الأمر، حفاظًا على مشاعر القارئ. 

رفض محمد العرض، وبعد ذلك لم يتم تبليغه بمواعيد التمارين التالية، وعندما حاول الاستفسار من المدرب مباشرة، أبلغه بعدم الحضور مجددًا.

يضيف محمد أن "هناك بعضًا من زملائه قبلوا بالخضوع للضغوط التي مورست عليهم وتلبية رغبات المدربين، خوفًا من ضياع فرصة تمثيل المنتخب وتحقيق الحلم".

في العام 2014 قرر محمد أن يكمل مسيرته خارج العراق، فسافر إلى النمسا ليمثل أحد أندية الدرجة الرابعة، لكنه لم يستطع الاستمرار طويلاً بسبب عدم وجود العائلة وصغر سنه؛ يقول لـ"ألترا عراق": "كنت محطمًا نفسيًا"، ليعود بعدها إلى العراق دون شهادة دراسية أو مهنة، بعد أن كرّس كل طفولته لكرة القدم.

"الوسط الكروي يكون الأخطر على الأطفال أحيانًا"

عمر (اسم مستعار) من مواليد 1997، بدأ مسيرته الكروية في فريق شعبي، لينتقل بين أكثر من نادٍ للفئات العمرية بحثًا عن فرصة لتحقيق حلمه.

يصف تجربته لـ"ألترا عراق" قائلاً: "أسوأ وسط في العراق هو الوسط الرياضي لكرة القدم"، موضحًا أن "المدرب يملك كل شيء: التشكيلة، الساحة، التوصيات، وحتى السمعة داخل الوسط الرياضي".

ويشير عمر إلى أن "بعض المدربين كانوا يركزون على المظهر الخارجي للاعبين، ويطبقون توصيفات شعبية معينة على من يفضلونهم مثل "بيه لمعة، حلو"، ويرى عمر أن هذا "لم يكن مرتبطًا بالجانب الفني بقدر ما كان مرتبطًا بالعلاقات الشخصية".

يقول عمر إن "الضغط لا يكون مباشرًا دائمًا، أحيانًا يكون عبر التهميش، أو إبقائك احتياطيًا حتى تفهم المطلوب".

في الوسط الرياضي العراقي يمتلك المدرب كل شيء: التشكيلة، الساحة، التوصيات، وحتى السمعة داخل الوسط الرياضي

ويؤكد عمر أنه "لم يتعرض لاعتداء جنسي بشكل مباشر، لكن البيئة كانت تحمل مؤشرات خطيرة". بالنسبة للاعبين الصغار، خصوصًا في الفرق الشعبية التي لا تخضع لرقابة حقيقية، وهذه الخطورة تأتي من منطلق "الساحة ساحتي والطوبة مالتي"، حيث يقوم القائمون على الملعب والفريق باستغلال الأطفال جنسيًا. يضيف عمر أنه "توجد في الساحات غرف صغيرة لإدارة الملعب، وفي هذه الغرف شوهدت الكثير من حالات التحرش بالأطفال والشباب".

طلب "ألترا عراق"، التعليق من الاتحاد العراقي لكرة القدم بخصوص الأمر، لكنه لم يتلق أي استجابة. 

شهادات لاعبين عن تعرضهم لضغوط غير رياضية

في العام 2018، بث الإعلامي علي عذاب حلقة استقصائية بعنوان "ما لم تشاهدوه: اعترافات لاعبين ومدربين حول استغلال اللاعبين جنسياً في كرة القدم"، وتضمنت الحلقة شهادات لاعبين تحدثوا عن ربط استمرارهم في الفرق بطلبات ذات طابع شخصي خارج الإطار الرياضي.

يتحدث حيدر في لقائه مع الإعلامي علي عذاب عن تجربته الشخصية داخل أحد الفرق الشبابية، ويوضح أن بعض المدربين يربطون بقاء اللاعبين في تشكيلة الفريق بـ"طلبات غير أخلاقية خارج إطار الرياضة"، ويقول إن "بعض المدربين يطلبون علاقات غير أخلاقية مقابل فرصة البقاء والمشاركة في الفريق"، واصفًا ذلك بأنه "ضغط نفسي واستغلال من المدرب لمصير اللاعبين".

دخل والد أحد اللاعبين لعلي عذاب وتطرق إلى ما شاهده أو سمعه من تجاوزات، مبينًا أن "بعض المدربين في الأندية والمنتخبات الوطنية يدعون اللاعبين إلى تجمعات غير رياضية في أماكن ترفيهية مثل الملاهي، بعيدًا عن ملاعب التدريب والمنافسة".

ووصف الوالد هذه الممارسات بأنها "تؤثر على نفسية اللاعبين وتهدد مستقبلهم داخل الفرق"، معتبرًا أن "غياب رقابة الأندية والاتحاد جعل هذا السلوك بعيدًا عن المحاسبة".

شهادة عن ترك لاعبين لأندية بسبب سلوك المدرب

يتحدث علي (من مواليد 2002) لعلي عذاب، عن تركه أحد أندية النخبة بسبب سلوك المدرب الذي ربط المشاركة بعلاقة غير رياضية؛ يقول علي: "يجب أن تعطي إما مبلغًا ماليًا أو تعطي أشياء أخرى" رفض الإفصاح عنها.

ويشير إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي هي الأماكن التي يقوم المدربون من خلالها بالتقرب من اللاعبين لغرض طلب مطالب غير أخلاقية، مضيفًا: "تركت النادي خوفًا على سمعة عائلتي".

وفي نفس المقابلة، يذكر لاعب آخر بأن مدربًا تواصل معه عبر وسائل التواصل الاجتماعي وطلب منه لقاءً خارج الإطار الرياضي، وعند رفضه تم استبعاده من الفريق.

ويكمل أحد الضيوف بالحديث عن "ثقافة الصمت" داخل بعض الأندية، حيث يُنظر إلى الشكوى على أنها تمرد يكلف اللاعب مستقبله، بينما يشير لاعب آخر إلى أن أسرته لم تكن تعلم بما يواجهه، وأنه فضل الصمت خوفًا من الفضيحة الاجتماعية.

الجامع بين شهادات عمر ومحمد جاسم، ليس فقط الإشارة إلى المتحرشين، بل الآثار النفسية العميقة؛ فمحمد فقد الثقة بنفسه وبالوسط قائلاً: "خسرت حلمي وخسرت سنوات دراسية وخسرت ثقتي"، فيما تغيّرت نظرة عمر تجاه الوسط الرياضي بأكمله، مبينًا أنه "إن لم تكن هنالك رقابة فكل طفل معرض لضغوط لا علاقة لكرة القدم بها"، أما ما ورد في حلقة عذاب فهو تكرار للخوف؛ الخوف من نظرة المجتمع والخوف من فقدان الفرصة. ففي مجتمع محافظ، يُعتبر الكشف عن هذه الممارسات فضيحة، وهذا ما يجعل الكثير من اللاعبين يلوذون بالصمت.

وبحسب متخصصين في علم النفس جرى التواصل معهم لإكمال التقرير، فإن هذه التجارب تترك آثارًا بعيدة المدى، منها:

  • انسحاب اجتماعي (عبر ابتعاد الفرد عن التفاعل والتواصل مع الآخرين).
  • اضطراب في الثقة بالذات. (حالة نفسية تعبر عن نقص حاد ومستمر في إيمان الشخص بقيمته وقدراته).
  • عزوف عن الرياضة كليًا.

غياب الرقابة القانونية الرادعة للمتحرشين

بحسب قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المادة 393، هنالك عقوبات بحق المتحرشين والمغتصبين للأطفال دون سن الثامنة عشرة. وعلى الرغم من وجود قانون نافذ يحاكم المتحرشين ومغتصبي الطفولة، إلا أنّ هذا القانون لا يتم تنفيذه داخل أروقة كرة القدم لعدم وجود رقابة حقيقية على مدربي الفئات العمرية.

هناك شهادات عديدة من لاعبين صغار تعرضوا للتحرش الجنسي من قبل مدربين، بعضها تم تصويره وعرضه على الشاشات التلفزيونية، وهناك شهادات أخرى لم يذكرها هذا التقرير، لأن من وقع عليهم الاستغلال الجنسي رفضوا الحديث لـ"ألترا عراق"، عن تفاصيل ما حدث معهم، معللين الرفض بأن هذه التفاصيل تطلبت منهم وقتًا طويلاً لمحاولة نسيان المشاكل النفسية التي خلفتها.

وفق العديد من الرياضيين، فإن كل ضحايا المدربين من الأطفال والاستغلال الجنسي الذي عانوا منه لغرض تحقيق أحلامهم وطموحاتهم، انتهى بهم المطاف إلى الابتعاد والتخلي عن أحلامهم، دون أن يتخذ الاتحاد العراقي لكرة القدم أي إجراءات وقائية أو قانونية بحق المدربين الذين تم الإفصاح عنهم من قبل اللاعبين والأهالي، كما أن هذا السلوك ولّد ردة فعل لدى الأهالي تمثلت في تجنب الزج بأبنائهم، سواء في الفرق الشعبية أو الأندية أو المنتخبات، وذلك لحماية أبنائهم من أن يقعوا ضحايا.

قانون محاسبة المتحرشين لا يتم تنفيذه داخل أروقة كرة القدم لعدم وجود رقابة حقيقية على مدربي الفئات العمرية

جرت محاولات من كاتب التقرير للتواصل مع الاتحاد العراقي لكرة القدم، وطرح أسئلة حول: هل توجد مدونة سلوك لمدربي الفئات العمرية؟ هل توجد معايير أخلاقية وسلوكية واضحة لتقييم المدربين قبل تعيينهم؟ هل هنالك آلية أو جهة رسمية تقوم بمراقبة الفرق الشعبية التي تعتبر الانطلاقة الأولى للمواهب؟ لكن كل المحاولات لم تنجح ولم يرد الاتحاد على أي من الأسئلة. 
 

الكلمات المفتاحية

صدام حفل

صدام حسين في حفلة "كاريوكي".. لا مداهمة ولا احتجاز للفرقة المصرية

نفى جهاز الأمن الوطني مداهمة حفل لفرقة "كاريوكي" المصرية أقيم في العاصمة بغداد بعد تداول صورة لرئيس النظام السابق صدام حسين ظهرت خلال العرض


وزارة التعليم الجامعات العراقية.jpg

روابط التقديم على القبول المركزي في العراق

وزارة التعليم العالي تعلن إطلاق منصة القبول المركزي الموحد


الإعمار والإسكان

الإعمار توضح لـ"ألترا عراق" بشأن تفاصيل مشروع المليون قطعة أرض سكنية

قالت إن مبادرة المليون قطعة تمثل توجهًا حقيقيًا لحل أزمة السكن


مقاطع جنسية محتوى جنس

مقاطع جنسية بالذكاء الاصطناعي.. الداخلية تتوعد حسابات تهدد "السلم والذوق"

حذرت وزارة الداخلية من مقاطع جنسية مولدة بالذكاء الاصطناعي بدأت تنتشر عبر حسابات على منصات التواصل العراقية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

معمل الأسمدة
أخبار

وفاة اثنين من موظفي معمل الأسمدة والإصابات بلغت 50 حالة.. حصيلة رسمية

أعلنت مديرية الدفاع المدني حصيلة حادث تسرب غاز الأمونيا داخل معمل الأسمدة في خور الزبير بالبصرة


إصابة البصرة
أخبار

صحة البصرة: إصابات بحادثة تسرب الأمونيا والعلاج يجري في الردهات الحرجة

أكّدت دائرة صحة البصرة تسجيل حالات اختناق لعدد من موظفي معمل الأسمدة في خور الزبير

الحلبوسي القائم الأميركي
أخبار

الحلبوسي يناقش مع القائم الأميركي تطورات الأحداث في العراق والمنطقة

عقد القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد لقاءً مع رئيس مجلس النواب تناول التطورات في العراق والمنطقة

الأكثر قراءة

1
سياسة

تحليل: اختبار حقيقي لحصر السلاح.. الهجوم على السعودية "يحرج" الحكومة العراقية


2
أخبار

المالكي يراسل "المدونين": لنتوقف عن نشر "الغسيل".. أعداؤنا يرقصون فرحًا


3
أخبار

طائرة مسيرة تضرب ناقلة تحمل مليوني برميل نفط في المياه العراقية


4
أخبار

مصدر: المخابرات تعتقل مالك قناة "عراق الحدث" فور وصوله إلى إيران


5
سياسة

القضاء يتحرك نحو الطائفية بالإعلام والمواقع.. و"إدارة الدولة" يخشى العقوبات الأميركية