ultracheck
ثقافة وفنون

نافذة على اللامتوقع.. عن الدهشة في الشعر والحياة العادية

12 يناير 2026
.
إيهاب شغيدل
إيهاب شغيدل شاعر عراقي

الشعر يحيط بالعالم من حولي، كان، يلف حياتي، عاصفة أمارس داخلها الطيران، وتجميل الضباب. في المدرسة كنا شبانًا شديدي الشغف، نحب الشعر الشعبي على وجه التحديد. لكن وجود مكتبة في البيت كشف لي طريقًا آخر؛ قرأت كتبًا في الشعر، وعرفت، قبل أن نصل إلى السياب في المنهج، أن هناك أشكالاً أخرى لكتابة القصيدة غير العمود.

لأسباب بدت لي يومها منطقية، بدأت أقرأ شعر جيل الثمانين في العراق، ثم تعرفت أكثر إلى جيل السبعين والستينيات؛ ذلك الجيل الذي شدني بما يدور حوله من حكايات وصراع سياسي. أتذكر أنني، مثل أي صبي مغرم بالحق، حاولت مرة أن أعرف من الحق: هل سامي مهدي أم فاضل العزاوي أم فوزي كريم؟ عمومًا، كانت كتب فوزي كريم النقدية مصدرًا لشغف إضافي. 
من ذلك الجو الحيوي بدأت أجرب الكتابة. أستل أوراقًا بيضاء من دفاتر المدرسة، أطويها بشكل شاقولي، وأكتب جملًا وعبارات غير مترابطة. وكلما أكملت ورقة دسستها تحت السرير. ومرارًا كنت أراقب الأوراق وهي تتكاثر. حتى صارت نوع من النفايات المحبب، فالسرير وما تحته كان: غبار وأوراق مهملة. 

في عام 2009، وفي لحظة لا أتذكر سببها بدقة، قررت أن أنظم تلك الأوراق. كان لدي هاتف، ليس ذكيًا كما هو الحال الآن، فبدأت أنقل إليه ما أراه ناضجًا من النصوص، وأمزق ما لم يعد يناسبني. كانت تلك أول عملية حذف أقوم بها. علمني الحذف شيئًا بسيطًا: إن الشعر لا يأتي من دون تخل، وأن التعلق بكل ما نكتب قد يكون عائقًا، الشعر في اللامتلاك، نوع من الحياة مضاد لفهوم التملك. الهاتف ذاك، نسيته في الكيا، وأنا في الطريق إلى ساحة كرة القدم، فكنت مهاجم احتياط بلا شعر، حزنت، لكنني نسيت الأمر بعد فترة. بقيت من نصوص تلك الفترة ما أتذكره فحسب، ونسيته فيما بعد. وهذا يبدو جيدًا، ويكرس مفهوم التخلي. 

جاءت الجامعة كنقطة تحول. هناك تعرفت إلى مجموعة من الشعراء، بعد أن تركت إعدادية لم يكن فيها أحد مهتمًا بالشعر الفصيح. تعرفت إلى مهند الخيكاني وأحمد شمس وعلي أصلان وأفياء الأسدي وعمر صباح وهلال كوتا. اقتربت من تجارب أكثر خبرة مني؛ بعضهم كان قد أصدر كتابًا، وبعضهم كان يعد لكتابه الأول.

في ذلك الجو تعلمت أحكامًا جاهزة كثيرة عن الشعر والشاعر، وبدأت أرتديها كما افعل مع القميص: الشاعر لا يكتب سردًا، الشاعر لا يتوقف عن الكتابة من أجل الحياة الاجتماعية، الشاعر يجب أن يبقى على مسافة من المؤسسة الرسمية… الخ. تلك الفترة هي التي شكلت التصورات الأولى، الشعر ليس في المحنة، بل في اللغة، ليس في التركيز، بل في اللحظة الذي يجف بها الزمن داخل المجاز، هناك كنت أحاول، أن أجد في الشعر ما يخصني، وهناك قرأت للمرة الأولى، في قاعدة بالجامعة المستنصرية، لم أعد أتذكر اسمها للأسف. 

لكن الاستمرار في الكتابة والقراءة، عدل كثيرًا من تلك الأفكار ونظمها. صار لدي ما أقوله، لكن أكثر ما كنت أخشاه هو أن أترك الشعر. أهجره كما فعلت مع كرة القدم. خلال تلك السنوات عرفت شعراء من أجيال مختلفة ابتعدوا عنه، ثم عادوا إليه بطرق بدت لي مرتبكة، كأنهم يعودون لإثبات اسم أكثر من العودة إلى حاجة شعرية أصيلة. كنا نسخر أحيانًا من نصوص متكلفة، لا تقول شيئًا جديدًا ولا تشير إلى روح الشعر، قد ما تشير لهيكل لغوي، على وشك أن يكون مضحكًا.

كانت هناك أيضًا مراقبة شبه دائمة لعلاقة الشعراء بالسلطة وبالدين، وما يترتب على ذلك في حياتهم ونصوصهم. كنت أتخيل الشعر كأب صارم، يوبخ أبناءه كلما ابتعدوا عن "الصواب"، والصواب عندي كان يومها: أن تظل متلبسًا بالشعر طوال الوقت. فلم أكن أصدق شعرًا ينتج من شخص مقرب من السلطة، ولم أفرق بين النتاج والشخص، حتى ابتعدت عن تجارب شعرية معينة، وفاتني الاطلاع عليها، بسبب ذلك التسرع في الحكم.

على أي حال، استمر هذا الغوص، والشغف في الشعر. أصدرت مجموعتي الشعرية الأولى في 2019. في ذلك الوقت كانت لدي ثلاث مسودات شبه مكتملة. وفي العام نفسه بدأت تظاهرات تشرين، وكنت قد بدأت عملًا وظيفيًا في الدولة. هناك عرفت عالمًا جديدًا، عالمًا قاسيًا في واقعيته؛ بلا مجاز يخفف، ولا فسحة واسعة لنقاشات القصيدة الحرة وقصيدة النثر. صرت أكثر التصاقًا بالواقع، وبدأ اهتمامي بالشعر يتراجع تدريجيًا مع الانغماس في الحدث السياسي. كنت أرى تشرين، بشكل ما، نصًا طويلًا لا يكتمل: أكتب فيه جملة ثم أحذف، نص أقرؤه وأعيد نسيانه. حتى أصبحت ورقة مطوية بشكل شاقولي تحت سرير حياتي.

مع الاستمرار ظهرت رغبة أخرى: أن أتخلص من التكرار الذي بدأ يهيمن على نصوصي. جربت كتابة مقالات رأي، ثم نصوص تجارب شخصية، وصولاً إلى الكتابة الصحفية. وفي 2021 عدت للاشتغال على مسودة كتاب كوب شاي يبرد. كان الحماس يلف كل شيء، لكنني قررت أن أكتب مجموعة "باردة": بلا صراخ، وبلا ضجيج، على الضد مما كنت أعيشه في تشرين. أردت لها أن تكون مساحة تهدئة، معالج نفسي بشكل ما،"فرويد الخاص بي"، وملاذًا صغيرًا من ضغط العمل اليومي، ومن الاحتجاج اليومي على السياسة والمجتمع والحياة.

ومضى الوقت، وخرجت المجموعة في 2025 قريبة مما تخيلته. وكعادتي حاولت اختبار نصوصها عبر الآخرين، فكنت أحصل على ردود متوقعة: باردة، ضد الصخب، ضد الانفعال، ضد الصراخ.. وكنت أقول في داخلي: نعم، هذا ما أريده. 

خلال العقد الممتد من بداية اهتمامي بالشعر حتى تشرين، قرأت قرابة 600 كتاب في الشعر. وكلما قرأت أكثر، قلت احتمالات الدهشة. ومع مرور الأعوام اكتشفت أن الشعر لم يعد مركز حياتي: تراجعت الكتابة والقراءة والمتابعة، وحتى الحوار عنه كاد يختفي.

انشغلت بالكتابة عن أشياء بعيدة عن الشعر، حتى صرت بالكاد أمسك كتابًا شعريًا واحدًا في الشهر. في 2025 لم أقرأ سوى أربعة أو خمسة كتب شعرية، بينما كنت، قبل 2021، أقرأ قرابة تسعين كتابًا في السنة، في الشعر وعنه.

ما كنت ألوم الشعراء عليه، صرت أفعله بلا ضجيج: ابتعاد مبرر بتحديات الحياة ومتطلبات العمل. حتى "تايم لاين" فيسبوك تغيّر؛ صار يعرض نصوصًا شعرية أقل، وصار محتوى الهاتف سياسيًا ورياضيًا، وأحيانًا مقاطع مضحكة.

خلال العامين الماضيين شعرت أن هناك مسافة بيني وبين الشعر. لم أعد مهتمًا به كما كنت، نوع من عدم الاكتراث. أحيانًا تخطر لي فكرة نص، ثم أتجاهل كتابتها كسلاً. لم تعد رغبتي في الشعر كما كانت، ويربكني هذا أحيانًا. غير أن كنت على الدوام حريصًا على التفكير بالشعر، تفكير عابر، لكنه كان آخر خيط يخلصني من البلاهة. 

ببطء بدأت أفهم ذلك، وأتفهم شعراء هجروا الشعر مؤقتًا أو دائمًا. واستعدت جملة محمود البريكان التي تأسست عليها علاقتي بالشعر: "الشعر يحتاج حياة كاملة". كنت سابقًا أعترض عليها بالقوة: أكثر من حياة واحدة يا محمود، ثم صرت أقول اليوم: ربما لا يحتاج الشعر كل حياتنا كما تخيلنا، وربما يحتاج فقط أن نكون صادقين حين نقترب منه.

لم أفكر بكل هذا بوضوح منذ نحو سنتين. صرت "شاعرًا" بالاسم أكثر مما أنا شاعر بالفعل. رفضت اللقاءات والمهرجانات وكل ما يتصل بالشعر. كان ابتعادي مخططًا له: لدي مشاريع أخرى، وهكذا توالت الأيام حتى اتسعت فجوة بين الشعر وبين ذلك الصبي الذي كان يأخذه الأمر إلى أقصى حد.

منذ أيام، وأنا أنتظر الطائرة التي ستعيدني إلى بغداد، نشرت صديقة على "فيسبوك" اسمها منار حسين نصًا. ترددت في قراءته، ثم قرأته. قلت في نفسي: شنو هذا الشعر؟ أعاد إلي النص شغف القراءة والكتابة. فجأة شعرت أنني أقرأ كما كنت أقرأ في 2011: نص قصير أعادني إلى أسئلة الشعر الأولى: لماذا نكتب؟ ما معيار التذوق؟ ولماذا تربكنا بعض النصوص بهذا الشكل؟ وهل يترك النص هذا الأثر عند الآخرين أيضًا؟

أخذني النص من قوة اليومي و العادي إلى منطقة لم أدخلها منذ نحو عامين: منطقة البحث عن معنى الشعر، وعن قوته وجديته أيضًا. ولا أعرف عن قوة الشعر سوى هذا: أن نصًا واحدًا يمكن أن يعيد شغفك باللغة والكتابة والقراءة؛ أن يقطع يومك المليء بالعمل والمشاغل، لتصغي إلى شيء صغير يخففك، ويعيدك إلى قلب المجاز. كانت براءة النص زيتًا، وإيقاعه فضاء للعودة إلى الشعر. 

تأكدت وقتها أن الفن، مهما ابتعدنا عنه، يبقى قادرًا على إيقاظنا. هناك دائمًا شيء ما يقول لك: ما زالت في الحياة أشياء مدهشة. كأن النص أعاد لي ما كان يوشك أن يبهت: لم يمنحني إجابات، لكنه دفعني إلى مواجهة أسئلتي من جديد. قرأت بعده مجموعة مؤجلة، كنت أرغب بالاطلاع عليها.

لا أريد الكتابة عن النص، ولا تقديمه، ولا أعرف إن كانت منار مهتمة بترسيخ تجربتها الشعرية أم لا. لكنني أعرف أنني كنت أمام نص أعاد الروح إلى اهتمامي بالشعر.

النص كما نشرته منار:

في الشتاء

أبكي أكثر من الصيف

تنزل دموعي ليلاً

مثل قطرات المطر الثقيلة

وأرتعد عندما أرى

الزهور على النافذة

تموت ببطء دون ضجيج

قبل عدة أيام

في عشية الميلاد

أخبرني صديقي

بأنه ما زال يرى

ذات الحلم:

بعدما يكمل بناء بيته

يكتشف كل شيء

فيه مائل

وبين الزهور التي تحتضر

والبيت المائل في الحلم

هناك ظبي وحيد يئن

في مكان ما

في هذا العالم،

أو ربما في أحشائي

أعلم جيدًا، 

أن الحياة لعبة

يموت فيها الإنسان، 

مرارًا وتكرارًا

قبل أن ينام

في القبر

أنجبني أبواي

لأموت وأحيا،

لكنني مت وأنا ألعب

ببطء دون ضجيج

مثل الزهور التي على النافذة. 

بعد النص، شعرت أن حياتي التي كانت تتفسخ في العادي والروتين استعادت شيئًا من اللامتوقع. صرت أتساءل: هل سأعود لقراءة الشعر كما من قبل؟ منذ أيام وأنا أعيد قراءة النص مرارًا. ماذا يريد مني؟ لماذا يلاحقني؟ وهل أنا من ابتليت به، أم أنه مجرد تذكير بأن الشعر يمكن أن يظهر فجأة، في وقت لا تتوقعه، ويضعك أمام نفسك؟

ربما.

الكلمات المفتاحية

رمضان دراما

أبرز مسلسلات رمضان في العراق وجودة الدراما.. ترشيحات أحمد وحيد ونقد الدراجي

من بين العشرات من الأعمال والبرامج التي تستعد القنوات التلفزيونية لعرضها خلال رمضان في العراق لهذا العام تبرز قائمة لا تتجاوز 15 عملاً تمثل أهم نتاجات الدراما العراقية لموسم 2026 في ظل عدم تفاؤل بمستوى النصوص بالنظر عقبات ومعوقات من بينها متطلبات المنتجين


.

الثقافة تعلن إدراج "الكحل العربي" على قائمة اليونسكو: خطوة لحماية تراث العراق

على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو


جودي.jpg

طلب برلماني بسحب يد نقيب الفنانين العراقيين ومنع ظهوره التلفزيوني.. ما القصة؟

بعد نقد لاذع وجهه جبار جودي للجنة الثقافة النيابية


.

فيلم "كعكة الرئيس" يفوز بجائزة مهرجان هامبتونز في نيويورك.. وخطة لـ"الأوسكار"

يروي الفيلم معاناة العراقيين في أيام الحصار في ظل حكم صدام حسين

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

مسعود القائم
أخبار

مسعود بارزاني والقائم بالأعمال الأميركي يؤكدان على استقلال القرار العراقي

لقاء بين رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني والقائم بالأعمال الأميركي


عماد النحاس
منوعات

خاص| العلاقة بين الزوراء والنحاس اقتربت من النهاية

بعد إقصاء الزوري من دوري أبطال آسيا

الناصرية
أخبار

قتل الأب بالرصاص والأم والرضيع بـ "سلك".. اعترافات منفذ جريمة الناصرية

أعلنت قيادة الشرطة في محافظة ذي قار اعتقال متهم بقتل عائلة من 3 أشخاص وحرق جثث الضحايا داخل سيارتهم بعد وقت قصير من وقوع الحادثة

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"