"نخاسة العشيرة" فوق الدين والقانون.. لماذا تنتحر النساء؟

تقدم النساء وتعرض في أسواق "نخاسة" العشائر والأعراف الاجتماعية لينتهي مصيرها إلى الموت (Getty)

الترا عراق – فريق التحرير

كانت المرأة العراقية وما زالت ، قابعة بين سندان العشيرة ومطرقة التقاليد المجتمعية البالية، خصوصًا في المناطق التي تبرز فيها سلطة العشيرة على حساب القانون، فتصبح المرأة مسلوبة الحرية، مقيدة الإرادة، ليس لها الحق في اختيار أبسط حقوقها كالزواج مثلًا، حيث الفصلية أو "الدية" وأنواع الزواج القسري الأخرى وتقديم النساء كـ "قرابين فداء" لإنهاء الخلافات والنزاعات.

تستغل المجتمعات العشائرية النساء وتقدمهن "قرابين فداء" لإنهاء النزاعات أو ترهنهن بأنواع الزواج القسري المهين

ينظر إلى المرأة كسلعة مقايضة، في مشهد يعيدنا إلى العصور الجاهلية، حيث يتاجر بالمرأة في سوق النخاسة، أو تدفن تحت الأرض، دون أي اعتبار أو احترام لها ككيان مستقل وفق القانون، أو حتى الالتزام بالتعاليم الدينية بشأنها. ففي البصرة مثلًا منحت إحدى عشائرها نحو 50 امرأة بينهن قاصرات، لعشيرة أخرى لحل النزاع بينهما.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا ينتحر الشباب في العراق؟

أما حوادث قتل النساء فجارية على قدم وساق، بحجج العادات والتقاليد ضمن حفلات الموت في البلاد، كما حصل في مدينة النجف العام الماضي، حيث أقدم شاب على قتل شقيقته بعد إخباره من قبل زوجها بأنها ليست "عذراء" وعند تشريح الجثة كانت المفاجأة، حيث بينت النتائج أن الفتاة كانت عذراء وأن غشاء بكارتها كنا من النوع الذي يستدعي تدخلًا جراحيًا لفضه.

أو ما حصل في الديوانية في 5 آيار/مايو الجاري، حيث انتحرت امرأتان في ذات اليوم إحداهن لأسباب مجهولة أما الثانية والتي تبلغ من العمر 22 ربيعًا، فقد انتحرت نتيجة لـ "نهوة" ابن عمها بعد أن تمت خطبتها من قبل شاب من خارج العشيرة، حيث قامت بشنق نفسها بالحجاب الذي ترتديه.

وعلى الرغم من أن الدين الإسلامي لديه موقف واضح يحرم هذه الممارسات ومن بينها إعطاء المرأة كتعويض عن جريمة اقترفها أحد اقاربها "فصلية"، كما تؤكد مرجعيات دينية منها المرجعان محمد صادق الصدر والمرجع الأعلى علي السيستاني، بما يمتلكانه من ثقل في المجتمع، إلا أنها لا تزال قائمة في مناطق كثيرة من البلاد، خاصة الجنوب.

يقول الصدر في في كتابه فقه العشائر،: "لا تصلح المرأة للدية". وحول موضوع "النهوة" حيث يمنع ابن العم بنت عمه من الارتباط والزواج بغيره، افتى الصدر بأن ذلك غير شرعي ولا أثر له إطلاقًا. وقال، : "لا يجوز تأخير الزواج وإعضال المرأة بمثل هذه الحجج غير الشرعية". ما المرجع السيستاني فقد افتى بحرمة "النهوة" وعدها من الظلم وفيها تجاوز على حدود الله".


فتوى المرجع الصدر بشأن دفع المراة كدية 


فتوى المرجع الصدر بشأن "النهوة"

لا تلتزم العشائر بالتعاليم الدينية بشأن المرأة، أما القانون فلا اعتبار له في دواوين شيوخ العشائر التي يحج إليها السياسيون مع كل انتخابات

وهناك زواج يسمى شعبيًا بـ "الكصة بكصة" وهو عرف عشائري آخر جائر، يحدث عندما يرغب الشاب بخطبة فتاة ما يحبها فيضطر إلى أن تزويج شقيقته لشقيق خطيبته، وهذا الزواج إن حقق سعادة لأحد الطرفين فهو يحقق التعاسة للطرف الآخر، فتكون الفتاة هنا ضحية لأخيها دون أن يفكر بمصلحتها.

وعلى الرغم من أن المادة التاسعة من قانون الأحوال الشخصية العراقي قد نصت على منع الزواج بالإكراه وعقوباتها بالسجن بين 3 أو 10 سنوات، إلا إن سلطة العشيرة أكثر قوة في المجتمعات التي تفتقر إلى الثقافة القانونية والتي تكون سلطة القانون فيها ضعيفة وهشة، ربما بسبب تبادل المصالح بين رؤساء العشائر والسياسيين الذين يحجون إلى مضايف شيوخ العشائر مع كل انتخابات التشريعية، للحصول على الدعم والمؤازرة.

اقرأ/ي أيضًا: 

لشيوخ العشائر شريعتهم الخاصة التي تعرف بـ "السنينة العشائرية"، هي مجموعة من الأحكام والبنود يضعها رؤساء العشائر وتكون بمثابة الدستور الشرعي؛ لغرض السيطرة على شؤون العشائر ويوفر لها الأمن داخليًا وخارجيًا، على الرغم من مخالفة هذا النصوص للأحكام الدينية والقانونية لكونها تستند إلى عادات متوارثة من قبل أشخاص قد لا يجيدون حتى القراءة والكتابة ويتحكمون بمصائر أفراد العشيرة.

يشار إلى أن مجلس القضاء الأعلى، وجه خلال جلسته الأولى هذا العام المنعقدة في 10 كانون الثاني/يناير، بتطبيق أشد العقوبات بحق مرتكبي جريمة "النهوة" العشائرية، حيث قال أحد قضاة التحقيق "إذا كانت الفتاة بالغة لسن الرشد فان القانون يسمح لها بتحريك دعوى قضائية ضد من نهى عليها كما أن ذويها باستطاعتهم تقديم شكوى ضد الناهي في حال لم تبلغ السن القانوني".

تضع الأحكام العشائرية المرأة أمام خيارين، أما الاستسلام والتحول إلى سلعة تباع وتشترى مجردةً من كرامتها وشخصيتها، أو التمرد لتلقى حتفها قتلًا أو تقدم هي على الانتحار كخيار أخير للتخلص من قيود المجتمع والعشيرة وحتى الأسرة غالبًا.

ينتهي مصير النساء إلى الموت في حال التمرد على الأعراف القبلية والعشائرية الجائرة إما بالقتل أو الانتحار، الذي ارتفعت معدلاته بشكل كبير مؤخرًا

تشير إحصائيات الانتحار الرسمية والتي تصدر عن مفوضية حقوق الإنسان، إلى أن الحصة الأكبر للنساء، وذلك لعدة أسباب من أهمها القمع والتهميش، الذي تتعرض لها المرأة بشكل دائم وخصوصًا في المجتمعات العشائرية.  

 

اقرأ/ي أيضًا: 

قائمة "العار" تلاحق العراق بسبب العبودية وتجارة الجنس

أحرقت نفسها بسبب زوجها.. هذا ما قالته شابة في المثنى قبل وفاتها!