نقد انتفاضة تشرين من الداخل (1ـ3)

نقد انتفاضة تشرين من الداخل (1ـ3)

المحافظات المنتفضة في تشرين كانت أكثر تنظيمًا من بغداد (Getty)

لكي تنقد أي ثورة أو انتفاضة لا بد أن تكون منحازًا لها بشكل كامل قبل نقدها، والانحياز هنا لفكرة الثورة التي تتبلور وتتكون لرفض الظلم والتعسف والاستبداد الواقع. وعندما تتوفر العناصر التي تكون سببًا رئيسيًا لانعدام العدالة الاجتماعية تكون فكرة الخروج ضد الحاكم مقدّسة. لكن هذا لا يعني أن يكون أفراد الثورة مقدّسين، فهم كسائر البشر معرّضين للخطأ أكثر من الصواب، خصوصًا بأوقات عصيبة ومصيرية أثناء قيام الثورات. علاوةً على ذلك، هم نتاج حكم سنين طويلة من القهر والحرمان الذي مارسته السلطة بحقهم وحرمتهم من أدنى حقوقهم، فمن الطبيعي جدًا أن تشاهد في بعض الأحيان ردات فعل عصبية أو عنيفة في بعض الأحيان، فالثورات تخرج أفضل ما في الجماهير وأسوأ ما فيهم. وقد تنزلق ردات الفعل هذه لمنزلقات خطيرة لا يُحمد عقباها ما دام النظام يشمّع كلتا أذنيه ولا يصغي لمطالب الناس.

عدم وجود مركزية لانتفاضة تشرين من داخل الشباب الثائر قد أدى لتشتت المواقف وتعددها بعد إقالة حكومة عبد المهدي

لماذا يجب أن تكون منحازًا حتى تستطيع النقد؟ لأنه من غير المنطقي أن تنقد نقدًا بناءً للانتفاضة وأنت ضد فكرة استرجاع الحقوق وإرساء قيم العدالة الاجتماعية. أي مثقف يحترم نفسه وقيمته في ظل هكذا ظروف سينحاز بشكل كامل إلى جانب الناس. أما أن تكون ضدّ صرخات الناس لاسترجاع حقوقهم بل وتنظّر ضدّ خروجهم وتشجع على قمعهم وتأتي لتنقد ثورتهم، فهنا يجب أن تضع نقدك في جيبك وتصمت، بل وتشاهد التضحيات التي تُدرّس في سبيل استرجاع الحقوق المشروعة.

اقرأ/ي أيضًا: الحراك الشعبي وسبل تدعيمه في المرحلة القادمة

نحن لسنا نقّادًا في الأكاديمية، ولم نحصل على شهادات عليا في الاجتماع السياسي أو العلوم السياسية، ولم نحضر دورات متخصصة في نقد الثورات، لكننا أبناء هذه الانتفاضة. وربّما من أكثر الناس أحتكاكًا بالأمور المصيرية والمنعرجات التي خاضتها انتفاضة تشرين. ولعل أبناء التجربة يعرفون مكامن الضعف أكثر من الجالسين في بيوتهم أو مكاتبهم ويتابعون التجربة من على شاشات التلفاز أو شاشات الهواتف النقالة. يُحتمل لهذا النقد أن يكون سطحيًا وغير خاضع لشروط النقد المنهجي، لكنني أرى من واجبي وواجب غيري قول كل ما نملك في سبيل تصحيح المسار الاحتجاجي، لا سيّما أن الجولة القادمة من تشرين قادمةٌ لا محال. وإن كان قولنا لا يغيّر شيئًا فهو مسؤولية أخلاقية تفرضها علينا الدماء التي سُفكت.

لنخرج من النقد المبني على التصوّر الرومانسي وانتفاضة القلم والمسطرة التي يرسمها البعض، ويذهب أكثر من ذلك ويظن أن كل من خرج عن خطه الذي رسمه بالمسطرة والقلم لمسار الانتفاضة فهو مخرّبٌ وفاقد للوعي. لنخرج من نقد حرق الدواليب وقطع الشوارع والأهازيج التي من الممكن أن تعكر صفو فلان وهو مترنح في بيته وبيده سيجارته وكوب الشاي الذي يشربه بعد وجباته الدسمة، فأنا أرى أن هذا الأمر فضفاضًا بصراحة، لا يسمن ولا يُغني من جوع.

إن عفوية انتفاضة تشرين كانت سلاح ذو حدين، حدّها الأول هو عدم عدّ الانتفاضة من قبل الناس على أنها حزبية ومنتمية لجهة معينة، لذلك ترى أن أغلب فئات المجتمع قد ساندت الانتفاضة ماديًا ومعنويًا، وكان عدد المشاركين بها لهذا السبب كبير جدًا، وهذا ما كان إيجابيًا من هذا الجانب. أما حدّها الثاني، يكمن في عدم وجود مركزية لها من داخل الشباب الثائر قد أدى لتشتت المواقف وتعددها من الساحات بعد إقالة حكومة عبد المهدي، وهذا ما أضعف موقف المنتفضين بعض الشيء. وكان الضعف على عدّة مستويات:

  • أولًا: عدم قدرة معرفة المواقف الرسمية من غيرها، مما سبب اللبس عند بعض الناس، فهذا يصدّر بيانًا بالرفض وذاك بالقبول. هذا يرشّح رئيسًا للوزراء وهذا لا يرشح، ولو كانت هنالك مركزية لما حدث هذا التشتت بالأساس.
  • ثانيًا: وهو الأهم برأيي، افتقار الانتفاضة لإفراز نخبة معروفة من الممكن لها أن توجه الرأي العام للانتفاضة، بالإضافة إلى قدرتها على تكوين حركات سياسية ونقابات واتحادات بعد انتهاء الاحتجاج في شوارع البلد. حيث من الضروري أن تنتج انتفاضة تشرين شيئًا كهذا ليتسنّى لها مقارعة النظام عبر تأسيس قوى معارضة تضغط من الخارج، وقوى داخلية تشارك بالانتخابات وتحاول تغيير السياقات السياسية الفاسدة من الداخل.

ولو وجدت هذه النخبة السياسية لاختصرت علينا شوطًا طويلًا من التنظيم بشخوصها المعرّفة لدى المنتفضين. أعرف أن الموضوع أصعب مما يتخيله الفرد، فقد عملنا -وغيرنا الكثير- مع بعض الأصدقاء منذ اليوم الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر على جمع الخيم المعتصمة في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد للخروج بقرار موحّد، وقد نجحنا بتصدير بعض البيانات التي كانت تتبنى الرأي الجمعي للمعتصمين، ولم نطرح فكرة تكوين لجنة منظمة خوفًا من التخوين الذي كان يتراشق به بعض المنتفضين في مواقع التواصل الاجتماعي وفي أرض الواقع بشكل أقل. نعم، لم نملك الشجاعة لذلك، وهذا ما يجب علينا تصحيحه في حال حدوث الموجة الثانية لتشرين. ومن الممكن تفهّم خوف الناس من تسييس الانتفاضة لجهة معينة أو تسويف مطالب الناس.. إلى آخره من المخاوف، هذا إذا أردنا التفهم بحسن نيّة.

ويمكن معالجة الموضوع هذا بتقدّم من يخاف على الانتفاضة من التسويف خطوة للأمام ويعمل بيده إن كان هذا يرضيه! وقد أطلق بعض الأصدقاء هذه الدعوة في بداية تشرين، لكن المشككين اكتفوا برمي التهم لا أكثر ولا أقل. أما وأنت جالس في مكانك وتريد أن تتم استشارتك في كل شيء، وأن لم يعرض عليك الشيء يِعتبر مشكوك في أمره، فهذا عبث وقلّة معرفة بحجم المسؤولية. نحن نعمل لقضية واحدة من أجل وطنٍ واحد، فأما أن تقوم لتعمل أو تسكت حتى يعرف الشباب الآخر عملهم.

المحافظات المنتفضة في تشرين كانت أكثر تنظيمًا من بغداد لأن الأمزجة في الأخيرة مختلفة فضلًا عن كثرته في العاصمة

ربّما كانت المحافظات أكثر تنظيمًا من بغداد، لأن الأمزجة في بغداد مختلفة، بالإضافة إلى إن حجم اعتصام بغداد يفوق بكثير اعتصامات المدن. أيضًا فعل الـ "أنا" كان فعالًا بشكل كبير لدى بعض المحتجين الذين وجدوا من الانتفاضة منصة للشهرة على شاشات التلفاز والسوشيل ميديا، ناهيك عن من استغل الانتفاضة لقضايا وصولية وسرقات وتواطؤ.. الخ، وكما أسلفنا سابقًا بأن أن فكرة الثورة هي المقدّسة لا الثوار، فالناس أصنافٌ كثيرة، منها الجيد ومنها السيئ الانتهازي.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

معوقات إقامة النظام الديمقراطي في العراق

دماء تشرين والهاشمي: ألا تكفي لفرض حالة الدولة؟