نقد انتفاضة تشرين من الداخل (3ـ3)

نقد انتفاضة تشرين من الداخل (3ـ3)

من الممكن أن تنفجر تشرين ثانية ما دامت الأسباب موجودة (Getty)

"الشعب يريد إسقاط النظام" شعارٌ يكاد يُسمع حين قراءته بقدر ما رُدد في ثورات الربيع العربي، جاب هذا الشعار كل الدول التي حصلت بها الثورات من غرب الوطن العربي إلى شرقه. وكان هو المطلب الذي يكاد أن يكون الوحيد لدى العرب المنتفضين على واقعهم المليء بالاستبداد. أرادوا إسقاط الأحكام الشمولية الدكتاتورية واستبدالها بالحكم الديمقراطي - بغض النظر عن نجاحهم من عدمه - الحكم الذي يراه العقلانيون هو الحكم الأفضل للالتحاق بمصاف الدول المتقدّمة. حيث أين ما وجد الاستبداد وجد الخراب والفساد والعنف بأبشع أنواعه. في انتفاضة تشرين العراقية التي لحقت بالانتفاضات والثورات العربية بعد عقدٍ من الزمن تقريبًا كان هذا الشعار يُطرح من قبل بعض المنتفضين بشكل عام، وبعض المثقفين بشكل خاص - ضع عشرة خطوط تحت كلمة مثقفين - وإن كانت الديمقراطية التي أتى بها المحتل على دباباته هي ديمقراطية توافقية مزيّفه، تهدّم استبداد الشخص الواحد وتوزع الاستبداد على عدّة مراكز قوى وأشخاص لكنها في السياقات السياسة المنهجية تعد ديمقراطية. لأنها تحتوي على انتخابات كل أربع سنوات وعلى سلطة تشريعية "مُنتخبة من قبل الشعب" وسلطة قضائية "منفصلة عن السلطة التنفيذية والتشريعية" وباقي الأمور الشكلية التي توحي على وجود الديمقراطية. وهنا لو سألنا السؤال التالي: ماذا يعني إسقاط النظام في الحالة العراقية؟ هل نريد استبدال الديمقراطية -التي نتفق على أنها ليست ديمقراطية حقيقية تمثل تطلّعات الشعب - إلى الحكم الشمولي العسكري أو حكم الرجل الواحد؟ سيأتيك الجواب مباشرةً: لا.

تحرص القوى السياسية في العراق على غياب الدولة واستشراء الفساد

حسنًا، ماذا إذن؟ يأتي الجواب على أداة الاستفاهم السابقة كالتالي: نريد قلع الطبقة السياسية من جذورها وبناء طبقة جديدة. لنناقش هذا الموضوع برويّة بعض الشيء وعلى عدّة مستويات:

  • أولًا: في محاضرته بكلية الكوليج دو فرانس قال الباحث العربي عزمي بشارة مقولة دقيقة جدًا، مفادها: "الحالة العراقية واللبنانية على وجه الخصوص تختلف عن باقي الدول العربية، لتعدد مراكز القوى في الساحة السياسية، ولا يمكن تشبيهها بالثورة التونسية مثلًا، فعندما خرج الشباب في تونس وتم إسقاط زين العابدين بن علي تهدّم النظام لأنه نظام الرجل الواحد - الدكتاتور- وهذا غير وارد في لبنان والعراق". كان كلامه دقيقًا برأيي، خصوصًا إن أوقعناه بشكل مباشر على العراق. فمراكز القوى تمتلك النفوذ والسلاح المنفلت عن سيطرة الدولة ومن الصعب جدًا تهديم هذه المراكز من قبل إنتفاضة شعبية سلمية. لذلك قلع النظام هنا يكون غير ممكن استنادًا على المعطيات السابقة.
  • ثانيًا: وإن توفرت الإمكانية لقلع النظام المذكور في المستوى الأول، فهل لانتفاضة تشرين طبقة سياسية بديلة بعد قلع هذه الطبقة؟ هل يوجد شرخ داخل الطبقة نفسها بحيث يكون جزءًا مع النظام وجزءًا ضدّه لنقول من الممكن أن تستلم المعارضة زمام الأمور بعد إسقاط النظام "وفق تفسير الإسقاط الذي ذكرناه سابقًا، أي قلع الطبقة السياسية لا تغيير نظام الحكم"؟ لا يوجد بالطبع. فالكتل السياسية المتواجدة في سدّة الحكم كُتل متلاحمة وملتصقة شيءٌ بآخر، نتيجة التخادم الحاصل بينها والتوافق في توزيع مقدّرات هذا الشعب المنهوب على كل جزء من هذه الطبقة. فكلٌ يريد بقاء الآخر لتوفر ما يريدونه في بعضهم، أي غياب الدولة واستشراء الفساد في ظل عدم الرقابة.
  • ثالثًا: التغيير الراديكالي هو أحد الوسائل المستخدمة في كثير من الثورات لقلع النظام واستبداله بآخر. وهنا أعني التغيير بقوّة السلاح، وهذه الوسيلة ممكن أن تجرنا لسوريا ثانية ومن غير رحمة، بسبب امتلاك جبهة النظام وميليشياتها والدول السانده لها ما يكفي لردع وطمر أي حركة من هذا النوع.

رفع مطلب إسقاط النظام برأيي البسيط أعتقد من زاوية فهمي الضيقة أنه مطلب خالي من المنطقية وفق التحليل العقلاني، لذلك لا جدوى من الحديث بهِ على أنه المطلب المخلّص من كل هذا الخراب. هنالك أخطاء بنيوية في انتفاضة تشرين وهنالك ما دون البنيوية، وهذه التي دون البنيوية ممكن أن تسبب تراكمات خطيرة تودي بالانتفاضة إلى الضمور والتآكل وبعدها الانتهاء دون تحقيق المُراد. من هذه الأخطاء -التي كان بعضها مقصودًا لسبيل استغلال الانتفاضة لمنافع شخصية أو ما شابه - هو التقارب الحاصل بين بعض ناشطي تشرين ومرشحي رئاسة الوزراء ومع حكومة الكاظمي القائمة بالأخص. وهذا التقارب على ما يتّضح بإنه يقوم على أسس تخادمية لا جوهرية تصب في قضية الاحتجاج الرئيسية.

ومثلما قلنا سابقًا، ربّما لا يخضع هذا النقد للمعايير المنهجية للنقد الأكاديمي، ولكن لعله لا يجانب الموضوعية بعض مفاصله. في أي لحظة من الممكن أن تنفجر تشرين ثانية، فما دامت الأسباب التي خرج الشباب من أجلها موجودة فأن تشرين قائمة إلى الآن. ومن منطلق المسؤولية الأخلاقية؛ علينا حفظ أمانة الدماء التي لونت أرض العراق بعد ما كانت الأرض هذه تتكون من الأسود والأبيض. وهذا الحفظ يكون عبر تصحيح المسار وإرجاعه على السكة الصحيحة بعد أن عصفت بهِ رياح الأخطاء من هنا وهناك.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

نقد انتفاضة تشرين من الداخل (1ـ3)

نقد انتفاضة تشرين من الداخل (2ـ3)