هستيريا الطشّة: دراما على خطى

هستيريا الطشّة: دراما على خطى "إعلام البرتقالة"

لا يفرّق الكثير من الباحثين عن الشهرة بينها وبين الفضيحة والابتذال (تويتر)

تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي موجة من الانتقادات الساخرة لمسلسلات عراقية تعرض في شهر رمضان على الشاشات المحلية فضلًا عن شاشة MBC عراق حديثة العهد، التي توقع المتابعون قبل انطلاقها أن تكتسح جميع القنوات التلفزيونية المحلية بأعمال ذات جودة وحرفية عالية ومحتوى مُغاير ومختلف عن الإنتاج المحلي لما تحمله القناة من شهرة عربية.

افتتحت أغنية "البرتقالة" مشهد العراق الجديد بعد 2003 فيما يخص الغناء، وانتشرت الأغنية بفضل "راقصاتها" على الصعيد العربي، بل اتخذها بعض الأشقاء عنوانًا للسخرية من العراقيين

لست مُتابعًا للأعمال الدرامية العراقية، ولا تستهويني منذ البدء، كما أن مُتابعتها ونقدها يستلزم ـ على الصعيد الجاد ـ ناقدًا متخصصًا عارفًا بتفاصيل نقده. هذا لا يمنع أن يُقدّم الجمهور البسيط رأيهُ الخاص بوصفه الجهة التي تخاطبها تلك الأعمال، ولا يُطلب من الجمهور المُتابِع أن يفهم في حيثيات النقد الأكاديمي طالما أن العمل غير نخبوي، وموجهٌ للناس بمختلف شرائحهم. مع ذلك، فلَستُ بصدد الحديث عن الأعمال فنيًا، أو التأشير على أخطائها وسلبياتها. أقول هنا إن نسبة واسعة من المشاهدين يُصدرِون انتقادات لاذعة لهذه الأعمال، ولأني أفترض ذكاء القائمين على العمل الدرامي من المنتج ومالك القناة حتى أصغر ممثل في العمل، فَهُم يعرفون ما يُقدمونه للناس، خصوصًا في مثل هذا الشهر، لهذا الافتراض فقط، أتناول الموضوع من زاوية معينة.

اقرأ/ي أيضًا: الدراما التلفزيونية والسياسة.. لا صوت يعلو على الأيديولوجيا!

لقد افتتحت أغنية "البرتقالة" مشهد العراق الجديد بعد 2003 فيما يخص الغناء، وانتشرت الأغنية بفضل "راقصاتها" على الصعيد العربي، بل اتخذها بعض الأشقاء عنوانًا للسخرية من العراقيين. ظهرت البرتقالة بعد سنوات من الرقابة الحكومية على الإنتاج الفني، التي لم تمنع ـ أي الرقابة ـ ظهور أعمال فنية تافهة، لكنها على أية حال ليست بالشكل الإخراجي الذي ظهرت عليه البرتقالة مُشكّلة صدمة للمُشاهد العراقي والعربي. لست بصدد الانتقاص من أغنية البرتقالة، وأعتقد أنها تمثيل لشريحة من المجتمع العراقي، من وجهة نظر ليبرالية خاصة؛ لكنها ـ وهنا مكمن الأسف ـ أصبحت رمزًا لكل فنان أراد الشهرة من بابها الأسهل والأوسع، ما جعل الفنان الذي يُفكر بتقديم أغنية جادة، هو مجرد مغفل في سوق الشعبوية الرخيص. إنه "كمش" كما يُعبر العراقيون عمّن تنطلي عليه عمليات الخداع، أو من لا يأخذ حقه "المُتخيّل" كما يجب. ولم تقتصر هذه الطريقة في التعامل مع الأمور على الأغنية، بل أنها انعكاسٌ لواقع نشأ بعد سقوط النظام، يُسمّي السارق قويًا، والنزيه ضعيفًا. هكذا تتابعًا، مع انهيار مؤسسات الدولة التقليدية التي كانت مهترئة أصلًا بفعل الحصار والحروب، بات التفاضلُ على أساس الشهرة وكسب المال والوصول إلى مواقع متميزة والحصول على وظائف دون أي معايير قيمية تحكم هذا التنافس، يُحاكي ـ أي هذا التفاضل ـ الحرب بين أفراد المجتمع على طريقة توماس هوبز.

مجالٌ ثالث، يُفترض أن يكون من ضمن أدوات التثقيف والنمذجة التي تقوم بها السلطة أو النخب، خضع هو الآخر لمعايير الشهرة وكسب المال والوصول السريع دون أي قيمٍ ومبادئ تحكم هذه العملية. وأقصد هنا الإعلام، حيث صار "نوع" طريق الوصول إلى الشهرة ليس مهمًا إطلاقًا، بقدر المدة التي يسلكها هذا الطريق، وحجم الناس الذين سوف تصلهم هذه الوسيلة الإعلامية.

هنا، نجد هذا التنافس، الذي لا يأخذ من الفكرة الرأسمالية إلا قشورها العامة، وهو غير منضبط بمؤسسات رقابية، ينسحب على المطاعم والرياضة "الانتقال بين الأندية" والتنافس الوظيفي، والتنافس بين المدونين والكتّاب والمهرجين كذلك في مواقع التواصل الاجتماع، بل بين السياسيين ذاتهم.

الكمُ على حساب الكيف. كم الناس الذي سنصلهم، لا نوعهم، ولا نوع المادة التي نُقدِّمُها لهم. هذا الشعار الأول في التنافس الآن، والذي يجعل المغني الشاب يبحث عن مدى "طشة" أغنيته قبل أن يُقبِل على تسجيلها. الإعلامي يُبارز زميله في أيهما أكثر شعبويةً ووضاعة في التقديم واللغة المبتذلة. إعلاميٌ على خطى البرتقالة. ليُنّتجُ سباقٌ على تسطيح الوعي الاجتماعي بالنزول إلى مستوى المُشاهد البسيط لا الصعود بمستواه إلى حيث يُفترض في بلد ديمقراطي!

 ذلك مسارٌ لنظام المحاصصة الطائفية القائم على استجداء عواطف الناس المذهبية والقومية القاتلة غير العقلانية.

تَشعبَ الحديثُ وُيمكن التشعب أكثر في حالة "الفوضى" ولا شيء أكثر دقة بوصفها. الحالةُ التي هي الأعم، والمسلسلات هي فرع بسيط منها، طالما الغاية كانت حصاد أكبر عددٍ من الناس بغض النظر إن كانوا مدّاحين أم شتّامين. ومن وجهة نظري، أن كُتابَ وممثلي ومخرجي الأعمال التي تتعرض لنقد شديد في مواقع التواصل الاجتماعي فرحون بهذا الإنجاز الذي يُعتبر "طشة" لأعمالهم. أفترض أنهم سعداء بهذا النقد الذي يُوصلُ أعمالهم لأكبر عددٍ حتى لو شُتمتْ أعمالهم أو بُصِقْ في الشاشة التي عُرضت عليها. لا يَهم، المهم والأهم أن العملَ هذا يصل للناس، مثل وصول الماء للبيوت، سواء عبر الأنابيب النظيفة، أو أنابيب الصرف الصحي، فأن الماء سيصل، وهذا المبتغى.

 حالةُ النقد التي تطال العديد من مرضى الشهرة على كافة المستويات، وإن كانت تُحقّق أحلامهم، إلا أنها تُشير لحالة وعيٍ داخل الأوساط الشعبية لا الأكاديمية والنخبوية

في النهاية دعونا ألّا نتشائم كثيرًا، فوصول هؤلاء بمختلف وظائفهم إلى مبتغاهم "الطشة"، عبر طرق وضيعة، لا يعني أنهم باقون ويتمددون. حالةُ النقد التي تطال العديد من مرضى الشهرة على كافة المستويات، وإن كانت تُحقق أحلامهم، إلا أنها تُشير لحالة وعيٍ داخل الأوساط الشعبية لا الأكاديمية والنخبوية، والنقد والوعي في نهاية المطاف سيرميهم في ساحات التاريخ الخلفية، على المستوى الزمني البعيد نسبيًا.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مساعٍ غربية للهيمنة على فيسبوك العراق.. حديث صناعة الوهم

كيف ساهمت دور النشر بصناعة "كُتاب الرداءة"؟