هل يعود المتظاهرون لمطلب إسقاط النظام؟

هل يعود المتظاهرون لمطلب إسقاط النظام؟

فرضت الكتل السياسية محمد توفيق علاوي على المتظاهرين بالرغم من "جدليته" (Getty)

المتظاهرون، لم يكونوا على خطأ حينما صرخوا بإسقاط النظام بوجه فوهة القناص والكاتم، الصرخة التي هزت كل السائد المألوف بالنسبة للسلطة المتأتية من تراكمات الفشل والخراب وأنهار الدم، ذلك لأن القوى السياسية القابضة على الحكم لا تُنتج إلا مشاكل لأنها مشكلة، وفي المنطق؛ إن المشكلة لا يمكن أن  تكون جزءًا من الحل. مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمعاقين، كل هذه التضحيات لم تكن لولا إفرازات السلطة الحاكمة، ولا أقول الدولة، لأن الأخيرة لم نصلها بعد في ظل مراحل النمو التي تمر بها، تجليات الاضطراب والتخبط الذي نشهده حاليًا ليست سوى نتيجة حتمية وطبيعية لنشاط تجاري يتخذ من السياسة عملًا للكسب والغلبة بمغريات أثمن، ما يملكه الفرد العراقي والذي يرتبط به وجوديًا، وهو الدين الذي تتطوعه هذه الأحزاب لمصالحها والاستثمار به. 

لا تجد الكتل السياسية التي تقول إنها تمثل الطوائف حرجًا في اشتراط الحصول على مكاسبها ووزاراتها مقابل تمرير حكومة علاوي

توفيق علاوي لم يكن خيارًا للمتظاهرين، بل حلاً يُرضي الكبار الفاعلين لإشباع رغباتهم وترويض مزاجهم المتعكر بسبب عناد الشباب في الساحات، وتم الاتفاق عليه ثم كلّف بـ"توثية"، بالرغم من جدليته التي لا تتطابق مع المواصفات التي شكلت هاجسًا لعدم انسجامها مع كل المرشحين التي أسقطتهم تباعًا. علاوي لن يختلف عن سلفه، وسيقع في ذات الحفرة التي سقط فيها عبد المهدي، لأنه مرشح  لقيط، بلا كفالة سياسية، وقفز على كل الأعراف، لكنها الطريقة التي لا بد منها في النظام العراقي، فلا عجب في ذلك. 

اقرأ/ي أيضًا: هل سيرضى العراقيون بالقليل من حكومة علاوي؟

ولهذا، دائمًا ما تلجأ الكتل السياسية في حال وصولها لمرحلة "الانسداد" إلى البحث عن ثغرة التنفيس، وليس هناك ما هو أجدى نفعًا من الخطاب الطائفي. إنه كالصولجان السحري بالنسبة لهم، الخيار الأخير على فراش الموت لإنقاذ العليل، فيما أصبح التوظيف السياسي للخطاب الطائفي جزءًا لا يتجزأ من السياسي العراقي، وإن كان على غير ما يريده، ولكنه ضامن لوجوده واستمراريته، خاصة في المناطق ذات الطائفة الواحدة. 

لا تجد الكتل السنية ولا الكردية حرجًا في اشتراط الحصول على مكاسبها ووزاراتها مقابل تمرير حكومة علاوي، ولا الكتل الشيعية التي تراهن على ذلك،  لكن الجو الملائم للشحن السياسي الطائفي سيوفر عليهم الكثير من الوقت لإبعاد شبح الأسئلة المزعجة التي تطرق سمعهم حول كيفية التكليف، والسياق الذي اعتمدته في ذلك، السلطة الشيعية تحشد جمهورها لصد الجشع السني والكردي والسني والكرد يستصرخ أبناءه لاسترجاع ما نُهب منهم وإيقاف المد الشيعي.. وهكذا، وفي الواقع لم تعد الأطروحات والخطب ذات النفس الطائفي التي ظهرت بعد عام 2003، تجد اليوم تفاعلًا من قبل الشارع العراقي كما كانت قبل سنوات، وتحولت كلمة "طائفي" إلى وصف يقترب من الشتيمة للسياسيين ورجال الدين والإعلاميين والمثقفين بشكل أسهم في تراجع شعبيتهم وزاد من عزلتهم، وهو الأمر الذي كان من إفرازات الاحتجاجات العراقية المستمرة منذ 2011 وإلى الآن. 

تتبع القوى السياسية حاليًا هذه الصيغة، حتى وإن لم تكن معلنة بشكلها الصريح على طبيعة حكومة علاوي، ومالذي يمكن أن يأتي به ليضمن حصصها على إثر دماء الشباب المنتفض التي سقطت لأجل تغيير هذا المفهوم السائد في إدارة الحكم، غير أنها تواجه دوامة صراع سياسي جوهره يقوم على الأصل في سياق هذه العملية السياسية المشكّلة على التحاصص المكوناتي لا الإداري الذي من المفترض أن يعتمد على الشخص المناسب في المكان المناسب، فهل كان المتظاهرون مخطئون للمطالبة بإسقاط النظام بمجمله لعدم جدوى إصلاحه أصلًا؟!

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

ديمقراطية التوافق.. رؤساء بلا أب ومكلف بـ"التواثي"

المقاومة والسلطة.. معركة النفور المتبادل