واقعة فتاة المنصور وسط بغداد.. كيف يفلت جناة التحرش الجماعي في العراق؟
10 أغسطس 2026
في قلب بغداد، وثّقت كاميرا هاتف نقال واقعة مطاردة فتاة وحيدة في شارع التانكي بمنطقة الداوودي من قبل مجموعة من السيارات، في واقعة تحرش جنسي جماعي، أثارت مجددًا أسئلة كبيرة عن كفاية التشريعات القائمة لردع هذا النوع من حوادث التحرش، بالنظر إلى صعوبة إثبات التهم بحق المتورطين رغم القرائن المتوفرة، والتي وثقها المقطع المصور.
وبحسب ما أظهره المقطع المتداول، وقعت الحادثة في حدود الساعة الخامسة من فجر الأحد 9 آب/أغسطس، إذ شرع أشخاص في سيارات عدة بملاحقة فتاة تسير وحيدة، وحاول بعضهم إقناع الفتاة بمرافقتهم، قبل أن تركب في النهاية إحدى سيارات الدفع الرباعي.
وبعد نحو 24 ساعة من تداول الفيديو على نطاق واسع، أعلنت وزارة الداخلية في بيان رسمي، أنها تحركت بناءً على توجيهات الوكيل الأقدم حسين العوادي، وأن مفارز شرطة المنصور حددت هوية المتورطين وأوقفتهم "بعد وقت قصير من انتشار المقطع"، وجرت إحالتهم وفق المادة (402) من قانون العقوبات.
كما تداولت بعض الصفحات مقطع فيديو لشابين شقيقين يقرّان بالتورط في حادثة التحرش، ويقدمان اعتذارًا، فيما يقول أحدهما أنّ شقيقه "مريض نفسي"، ويقول الآخر أنّه لم يكن يعلم أنّ الحادثة تم رصدها لتتصدر الترند.
ثغرات قانونية
وبالعودة إلى الجدل الراهن، فإنّ قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 لا ينص مادة مستقلة تجرّم "التحرش الجنسي" بمعناه الحالي، وتتوزع الوقائع ذات الصلة على مواد قانونية عدة، يعالج كل منها جانبًا مختلفًا من السلوك.
أبرز هذه المواد هي المادة 402 المعدّلة بالقانون رقم 239 لسنة 1993، التي تجرّم من "طلب أمورًا مخالفة للآداب"، أو من "تعرّض لأنثى في محل عام بأقوال أو أفعال أو إشارات على وجه يخدش حياءها"، وعقوبتها الحبس مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر مع غرامة رمزية، وتُضاعف العقوبة عند تكرار الفعل. وهي المادة التي أُحيل بموجبها متورّشو حادثة المنصور.
ومع أنّ المادة 396 تجرّم الاعتداء على العرض بالقوة أو التهديد أو الحيلة بعقوبة تصل إلى سبع سنوات سجن، ترتفع إلى عشر سنوات في ظروف مشددة، غير أنّها لا تطبق في مثل هذه الحالات لاشتراطها إثبات الإكراه أو الحيلة.
وتعالج المادة 397 الاعتداء على عرض قاصر دون قوة أو تهديد، فيما تُستخدم المادة 400 الخاصة بالأفعال المخلة بالآداب في الأماكن العامة أحيانًا بديلاً عن المادة 402. ويُضاف إلى ذلك المادة العاشرة من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 التي تحرّم التحرش الجنسي في بيئة العمل، وتُعاقب عليه بالحبس مدة تصل إلى ستة أشهر وبغرامة تصل إلى مليون دينار، غير أن نطاقها يقتصر على بيئة العمل .
ويلفت الباحث القانوني علاء ناجي، في تحليل سابق، إلى أن "القانون العراقي لا يتضمن نصوصًا شديدة ورادعة" ضد التحرش، وأنّ "المادة 402 تحاكي غرامة زهيدة" لا تتناسب مع خطورة الفعل، مشيرًا إلى أنّ المقارنة الدولية تكشف فرقًا واضحًا بين عقوبة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في العراق، وعقوبات تصل إلى سنوات سجن وغرامات كبيرة في دول أخرى.
فيما تخلص دراسة صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، إلى أن "بعض أشكال التحرش الجنسي محظورة بموجب المادتين 400 و402"، دون أن يتضمن القانون العراقي تشريعًا شاملاً يجرّم الظاهرة في جميع صورها.
ويلخص الباحثون الثغرات التشريعية الرئيسية في غياب تعريف قانوني صريح للتحرش؛ إذ تركت صياغة "على وجه يخدش حياءها" للقضاء تفسير الجريمة من حالة إلى أخرى، ما يفتح الباب أمام اجتهادات متضاربة، وعدم تناسب العقوبة مع الفعل؛ حيث أنّ سقف الحبس ثلاثة أشهر مع غرامة رمزية يجعل الكلفة القانونية للتحرش منخفضة إلى حد بعيد حتى في صورته الجماعية.
وتكشف وثيقة صادرة عن مركز العدالة العالمي (Global Justice Center) أن محاكمات قضايا العنف الجنسي في العراق تقبل أسئلة عن السيرة الجنسية السابقة للضحية، وهي ممارسة تثني الضحايا عن اللجوء إلى القضاء.
وفي ظل غياب إحصاءات رسمية منتظمة عن جرائم التحرش وعدم توفر قاعدة بيانات قضائية متخصصة، تشير دراسة أجراها مركز "البيان" للدراسات والتخطيط عام 2019، على عينة من 595 امرأة، أن 42% منهن تعرضن للتحرش في بيئة العمل، وأن 98% من المتحرش بهن لم يقدمن دعوى قانونية، وأن 83% أكّدن عدم وجود جهات مختصة لحماية الضحايا، فيما اعترف مسؤول في الشرطة المجتمعية "بعدم وجود قضية مرفوعة بشأن التحرش ولا خط ساخن مخصص للإبلاغ.
كيف يفلت المتحرشون؟
بدوره، يشير المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إلى أنّ آلية الإفلات لمرتكبي هذه الجرائم تتمثل بسلسلة تبدأ من الشارع وتنتهي أحيانًا في ديوان العشيرة؛ إذ لا تتلقى الشرطة المجتمعية شكاوى تحرش منتظمة أساسًا، وإذا تقدمت ضحية بشكوى تواجه عبئ إثبات صعبًا وإجراءات قد تمس خصوصيتها، وفي حال صدر حكم تبقى عقوبته دون المستوى الرادع، ويبقى باب "الصلح العشائري" مفتوحًا في الممارسة العملية، ما يتطلب تدخلاً تشريعًا عاجلاً على غرار تشريعات في دول أخرى.
وفي مصر، عُدّل قانون العقوبات بالمادة (306 مكرر) في 2014 لتجريم التحرش صراحة، ثم رُفعت العقوبة في 2021، بعد حادثة شهيرة إلى السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات في الظروف المشددة، وتضاعفت إلى سبع سنوات إذا كان للمتحرش نفوذ أسري أو دراسي أو وظيفي على الضحية، مع إنشاء وحدات شرطة متخصصة لاستقبال شكاوى التحرش بضمان سرية المبلّغات.
وفي السعودية، صدر نظام مكافحة جريمة التحرش في 2018 بتعريف صريح للمفهوم هو "كل قول أو فعل ذي طابع جنسي يمس جسد أو عرض أو حياء الآخر»، وعقوبة تصل إلى سنتين وغرامة 120 ألف ريال، تُضاعف إلى خمس سنوات و300 ألف ريال في الظروف المشددة".
وفي المغرب، وسّع قانون 103-13 لمكافحة العنف ضد المرأة (2018) تجريم التحرش في الطريق العام. وفي تونس، أرسى القانون الأساسي 58-2017 تشريعًا شاملاً ضاعف العقوبات عند وجود سلطة على الضحية. أما فرنسا فعدّلت تشريعها عام 2018 بعقوبة تصل إلى سنتين و30 ألف يورو، ترتفع إلى ثلاث سنوات و45 ألف يورو في الحالات المشددة.
الكلمات المفتاحية

صدام حسين في حفلة "كاريوكي".. لا مداهمة ولا احتجاز للفرقة المصرية
نفى جهاز الأمن الوطني مداهمة حفل لفرقة "كاريوكي" المصرية أقيم في العاصمة بغداد بعد تداول صورة لرئيس النظام السابق صدام حسين ظهرت خلال العرض

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة
أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

وفاة اثنين من موظفي معمل الأسمدة والإصابات بلغت 50 حالة.. حصيلة رسمية
أعلنت مديرية الدفاع المدني حصيلة حادث تسرب غاز الأمونيا داخل معمل الأسمدة في خور الزبير بالبصرة

صحة البصرة: إصابات بحادثة تسرب الأمونيا والعلاج يجري في الردهات الحرجة
أكّدت دائرة صحة البصرة تسجيل حالات اختناق لعدد من موظفي معمل الأسمدة في خور الزبير

الحلبوسي يناقش مع القائم الأميركي تطورات الأحداث في العراق والمنطقة
عقد القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد لقاءً مع رئيس مجلس النواب تناول التطورات في العراق والمنطقة




