ومن التبرير ما قتل

ومن التبرير ما قتل

المشكل الأساس في آلامنا الذهنية والنفسية هو حلول العادات محل الحقيقة (فيسبوك)

الاعتياد على الشيء يغدو بمرور الزمن جزءًا من هويتنا الشخصية. وكل شيء يدخل في عداد الهوية يساهم في تعميق مشاعرنا نحو الوجود. بتعبير دقيق: الهوية شعور بالوجود. وبما أن العادة أضحت جزءًا لا يتجزأ من وجودنا الشخصي، وكل المحاولات التي تسعى لتنبيهنا من هذه العادة أو تلك تدخل في عِداد التهديد لوجودنا! ليس هذا فحسب، حتى لو قمنا بدوافع ذاتية بمعزل عن تنبيه الآخرين وجرّبنا تغيير بعض العادات فسنجابه مقاومة عنيفة لا نحصل منها سوى الألم النفسي. ويظهر أن شدة لمقاومة تتناسب طرديًا مع ضعف الهمّة؛ فكلما كانت همّتنا فاترة، ازدادت معها الآلام النفسية، ولكي نبرد لهيب الألم النفسي نسعى للتبرير قدر المستطاع لنضفي بعض الصوابية على التشبّث بعاداتنا السلبية.

الاعتياد المستمر على العادات السيئة أكسبها قدرة بارعة على الهروب من المشكل الأخلاقي وتم إدماجها بمرور الزمن كأحد مكونات الهوية الشخصية

لو سألت أحدهم: لماذا لا تخفف من تناول اللحوم، سيجيبك على الفور: لا أستطيع، لأني أشعر بالوهن والإرهاق الجسدي. ولو سألت الثاني: لماذا لا تقلع عن التدخين، فالجواب الجاهز هو كالآتي: كل شيء يمكنني النجاح فيه إلّا الإقلاع عن التدخين، فمغادرته بمنزلة الاستحالة. ولو سألت الآخر: لماذا لا تخفف من شراهة الطعام لكي تحافظ على صحتك، سيباشرك ببعض الأجوبة التالية: أنا لست شرهًا بالطعام أصلًا! حاولت أكثر من مرّة لكنّي لا أقاوم لذة الطعام وروائحه اللذيذة.. ويمكنك القياس على هذه الأمثلة الكثير من العادات المتأصلة فينا ولا نقوى على الانفكاك منها.

اقرأ/ي أيضًا: المعاناة كأفق للتبصر

والملاحظ في هذه الأمثلة سرعة التبرير. يمكنك أن تتلكأ في تفسير عدة ظواهر نفسية، لكنّك لا تتلكأ عادة في تبرير عاداتك المتأصلة. حتى الرذائل الأخلاقية؛ مثل الخيانة، والكذب، والنفاق، والغيبة، والتكبر، والتجاهل، والنفور.. الخ، تتذرع بتبريرات سريعة، ذلك أن الاعتياد المستمر على هذه العادات أكسبها قدرة بارعة على الهروب من المشكل الأخلاقي وتم إدماجها بمرور الزمن كأحد مكونات الهوية الشخصية. والاعتياد على الشيء ومعايشته فترة طويلة من الزمن يكسبه نوعًا من التدرب والبراعة، الأمر كما لو أنك تعمل على تربية طفلك الوحيد، فمن منّا لا يفهم طريقة تفكير وسلوك أبناءه؟ وبهذه الطريقة نعمل على تهيئة وجودنا الخاص وتغذيته بكل صنوف التبرير ليغدو مشروعًا بمرور الزمن. فمن هنا نفهم مقدار العدائية أو عدم الارتياح حينما يوجه أحدهم لنا بعض الملاحظات النقدية. وبالطبع كلما كانت هذه الملاحظات تتسم بالغلظة كانت إلى تحفيز العدائية أقرب، بينما تضمر هذه العدائية، وقد نتفهّم جزءًا منها لو كانت تتمتع بالمرونة واللطف. أما قدرتها على التأثير فهذا مرتبط بمدى انفتاحنا على هذه النصيحة التي قد لا نراها تشكّل تهديدًا لوجودنا.

لذلك يختلف التهديد من شخص لآخر؛ قد نتفهّم بعض النصائح التي يوجهها الآخر لطريقتنا الشرهة في الطعام أو لإدماننا على الكحول والتدخين، لكن قد لا نتفهم تلك النصائح الثقيلة التي تفسر طريقة تعلّقنا بالآخرين. على سبيل المثال: أصادف في تجاربي اليومية بعض العلاقات المتوترة بين الجنسين، وبالأخص تلك العلاقة التي يحلو لنا تسميتها بـ"الحب"؛ إذ يغلب عليها طابع التعلق المرضي، والنفور الحاد، وتقلّب المزاج، وفقدان التركيز، والدخول في شبه غيبوبة، وبالكاد نشعر بما حاولنا، ولا ننعم براحة البال. كل هذا يحدث لأننا وقعنا في "الحب"! ولشيوع هذه العادة عند معظمنا بات من الصعب للغاية التشكيك بطبيعتها المزيفة، ذلك أن أدبياتنا طافحة بهذا النمط المزيّف، وتم إدراجه في خانة الصواب والطبيعة الجوهرية للأشياء.

أنا لا أنفي بعض المشاعر الصادقة التي يتخللها هذا التعلق، غير أنني أنفي بالقطع أن تكون هذه الظاهرة النفسية المؤلمة تفسيرًا ناجزًا ونهائيًا لمعنى الحب. وقد يحلو لي أن أفسر الحب على هذا النحو: أنه رابطة  بينية عميقة قوامها التكامل بين الاثنين يعتمد أحدهما على تكامل الآخر، ولا يعتمد أحدهما بالتفوق على الآخر، أنها علاقة لا مشروطة تتلاشى فيها أوهام التمركز حول الذات، وينكسر فيها طوق الأنانية الضيق. فعلى سبيل المثال، في العملية الجنسية، لا وجود لذات متفردة تتمتع بإنتاج اللذة الجنسية لوحدها؛ كلاهما في نفس اللحظة يمدان أحدهما بالآخر كل صنوف اللذة النفسية والجسدية، ونحن كما نرى، لا أحد له الفضل على الآخر، بل كلا الذاتين ترتبطان وتشكلان تفسيرًا جليًا لمعنى الحب، ذلك أن الأنا تضمر في هذه اللحظات، ولا تبقى سوى هذه العلاقة البينية المعتمدة. لكن ينبغي الحذر في فهم الحب بهذه الطرقة فحسب، ذلك أنه كما أسلفنا تشكل هذه العلاقة إحدى تجليات الحب، فالعطاء المتبادل لا يقتصر على الجنس، فمن هنا نرى مقدار الإحباط الذي يتخلل نفوسنا بعد رحلة طويلة من المتعة الجنسية، إذ نعثر على الحب فلا نجده، لأننا حصرناه في هذه العلاقة بالتحديد.

إن المشكل الأساس في آلامنا الذهنية والنفسية هو حلول العادات محل الحقيقة، فما هو عادة يصبح بمرور الوقت جوهرًا متفرّدًا، وجزءًا أصيلًا في وجودنا. بمعنى آخر، كلنا عقائديون في العمق. أي أننا، وبمقتضى المقدمات البعيدة، "سلفيون" من غير عقيدة قومية أو دينية، فأوهام الذات لا تقل شراسة عن باقي الأوهام، وتمتعنا ببعض الانفتاح واعتيادنا على بعض الأشكال النقدية، لا يجعلنا في حلٍ من ذلك التزمت. وينبغي أن أذكر ما أسلفته قبل قليل: إن التزمت و"السلفية" التي أعنيها بالتحديد نابعة من تحليل بعيد، إذ لا توحي قشرتنا الخارجية بهذا التزمت، لكن لمجرد ولوج الأعماق سنصادف هناك شيخ كبير قابع في أعماقنا، وذلك الشيخ هو العادات المتأصلة التي أصبحت إحدى مكونات هويتنا الشخصية. وحدهم الأفراد من اختاروا طريق التغيير الحقيقي، أما نحن، في أحسن حالاتنا، فمتعلمون على سبيل نجاة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مواقع التواصل.. من الملهاة إلى المأساة

الخوف من التغيير