يا أرض العراق.. هل من مزيد؟

يا أرض العراق.. هل من مزيد؟

علاقة العراقيين بالموت تصل إلى حد الصداقة (فيسبوك)

سلامًا عليك حين كنت، وعندما تكون ويوم تُبعث حيا، سلامًا على الشهداء والأمهات والنخيل الباسقات، سلامًا على حرف العين والراء والألف والقاف.

عندما كُنا طلابًا صغارًا نجلس أمام السبورة، كان المعلم يكتب بالطباشير الآية (كُل نفسٍ ذائقة الموت) لكنه لم يكتب يومًا (كُل نفسٍ ذائقة الحياة) علّمتنا هذه الكلمات منذ الصغر أن علاقتنا بهذا (الموت) لن تكون مجرد تذوق، بل ربما تعبر إلى الصداقة.

وفي حرب الثمان سنوات كان هذا الصديق يطرق أبواب الجميع ويزور بيوت العراقيين بلا استئذان، بل حتى في أيام شهر رمضان عندما كان الصائمون يبدأون إفطارهم بكلمات (اللهم لك صمنا) وهم ينظرون إلى مذيع التلفزيون وهو يقرأ بيان القيادة العامة للقوات المسلحة، كان هذا الزائر يطلّ عليهم حتى من على شاشات التلفاز، وعندما كان المذيع يختم بيانه بمقولة (كانت خسائرنا طفيفة) كنا نشم رائحة الزائر من خلال عيون أمهاتنا، آبائنا عندما يتهافتون إلى الهاتف الأرضي ليسألوا الآخرين عن أبنائهم وأزواجهم، كنا نشاهده من خلال صور من المعركة يعرضها التلفزيون ليؤرق منامنا ويحولها إلى كوابيس، ورغم تلك العلاقة الجدلية بيننا، كان هذا الصديق يأبى أن يفارقنا، بل ظل ملازمًا لنا حتى في سنوات الحصار حين كان ينظر إلينا، وهو يمشي مُتبخترًا، وقد اختار فريق لمرافقته من أطفال الخُدج في توابيت خُصصت لهم تسير بهم مسيرات في الشوارع، قتلهم انقطاع الكهرباء والحصار، كنا ننظر إلى الملك، وهو يقود حاشيته، ونحن واقفون على أرصفة الشوارع لتوديع هؤلاء، كم كان المشهد قاسيًا ومؤلمًا، ورغم أننا كبرنا وامتلأ الرأس شيبًا، واعتقدنا أن الزمن كفيل بالنسيان، إلا أن صديقنا لم يكبر، بل على العكس، ازداد شبابًا وقوةً، فبدأ يختار الزمن والوقت الذي يحدده بدقة وعناية، متمردًا على الجميع، ينتقي ضحاياه في سوق أو شارع وفي أي يومٍ دامي أو ما يشاء، لم يعد يكتفي هذا الموت بعدد ضحاياه بل ازداد نهمًا، وفي ذروة غضبنا وحزننا وعندما كنا نعاتب هذه الأرض ونقول لها ألم تشبعي من هذه الدماء، فكان جوابها يأتينا وهل من مزيد؟

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حروف من الذاكرة السياسية

أمنيات حاضرة وشروط غائبة