250 ألف خريج سنويًا دون عمل.. هل يحل مجلس الخدمة

250 ألف خريج سنويًا دون عمل.. هل يحل مجلس الخدمة "سُنّة" النزول للشارع؟

الموظف يعمل 10 دقائق في العراق (فيسبوك)

تراكمت منذ عام 2003 أعداد كبيرة من الخريجين في العراق من جميع الاختصاصات العلمية في المعاهد والجامعات الحكومية والأهلية، وسط غياب متعدد الأسباب لإجراءات حكومية رصينة تضع حدًا لمسألة التوظيف الأصولي في دوائر الدولة وفق السياقات والأولوية لسنوات التخرج أو حتى وفقًا لشرط التخصّص إلى أن وصل الحال بالحكومة لعدم قدرتها دفع رواتب الموظفين فور هبوط أسعار النفط الذي يشكل 95 % من وارداتها الشهرية والسنوية أيضًا، وهو ما يعتبر نتيجة حتمية للاقتصاد الريعي المتحكم بالبلاد.

 تضمن قانون الموازنة المالية لعام 2021 منح حق التوظيف لمجلس الخدمة الاتحادية المتشكل حديثًا 

وتقدّر الزيادة السكانية في العراق بمليون نسمة سنويًا، بحسب وزير التخطيط العراقي، خالد بتال، الذي قال إن "10 % من إجمالي عدد السكّان موظفين في الدوائر الحكومية وهذا ما لا يحصل في كل دول العالم".

اقرأ/ي أيضًا: نائب: بعض فقرات الموازنة المنشورة في جريدة الوقائع لم يصوت عليها البرلمان

بالمقابل، تضمن قانون الموازنة المالية لعام 2021 منح حق التوظيف لمجلس الخدمة الاتحادية المتشكل حديثًا بعد تعطل عمله منذ فترة تشريع قانونه بعام 2009، والذي يجب أن يكون مسؤولًا عن كل ما يتعلّق بالوظائف في البلاد وإيجاد الحلول للأعداد المتراكمة.

سنوات مرّت والوظائف تمنح في العراق وفقًا للمزاجات السياسية والانتماءات الحزبية، بحسب نظام المحاصصة الذي دخل في أدق تفاصيل الحياة بين الطبقة السياسية والمواطنين، كما وصل الحال لوجود تسعيرات بمبالغ كبيرة، مقابل الدرجة الوظيفية وصلت لمئات آلاف الدولارات وتختلف الأرقام من وزارة لأخرى.

عضو اللجنة المالية في مجلي النواب، أحمد رشيد، يؤكد أن قانون موازنة 2021 حصر ملف التعيينات عند المجلس الاتحادي فقط، وهو قد باشر مهامه منذ مطلع العام الجاري، مبينًا في حديث لـ"ألترا عراق"، أنه "سابقًا كانت الوزارات والحكومات المحلية تتحكم بملف التعيينات للخريجين، بلا أي معايير مهنية  لكن اليوم مجلس الخدمة الاتحادي سيكون بوابة للتعيين بلا أي شبهات للفساد بمعايير رصينة وواضحة دون المرور بأي جهة أخرى".

من جهته، يقول رئيس مجلس الخدمة الاتحادي محمود التميمي، إنه "بعد إقرار موازنة 2021 أحيل ملف التوظيف المدني بالكامل إلى مجلس الخدمة وأصبحت صلاحية التوظيف الآن حصرًا بيد مجلس الخدمة الاتحادي، مشيرًا إلى أن "المجلس يهتم بإدارة الموظف داخل المؤسسة وينظم العمل الإداري داخل المؤسسات، مؤكدًا أن "التعيينات في القطاع الخاص ليست من اختصاص المجلس، إلا أنه يقوم بدراسة حلول لمنع ظاهرة التسرّب الوظيفي مع أعداد سلم موحد لرواتب الموظفين".

وعن مهام المجلس الأخرى، يقول التميمي إنه سيقوم بالقضاء على ما يسمى "الفضائيين" في دوائر الدولة من خلال استخدام الحوسبة والاتمتة في المؤسسات الحكومية، والتي بدورها ستقضي على ظاهرة التسرب الوظيفي الذي أثر بعدم بيان العدد الحقيقي لموظفي الدولة الفعليين بسبب غياب الشفافية، وكذلك غياب البرامج الحديثة التي تبين أعداد العاملين في المؤسسات.

لكن أزمة الوظائف واتساع رقعة البطالة بين الشباب ممكن أن "تعد الأزمة الأولى بالاهتمام من قبل السياسيين والتحدي الأكبر لهم"، بحسب الباحث بالشأن السياسي والاقتصادي، نبيل العلي الذي أشار إلى أنها "أكثر أولوية حتى من الملفات الأمنية أو ملفات العلاقات الخارجية وسياسة التوازنات والوساطات الخارجية". 

ويقول العلي لـ"ألترا عراق"، إنه "تشير الإحصائيات إلى دخول ما يقارب ربع  مليون شاب وشابة (250 ألف) إلى سوق العمل سنويًا من الخريجيين الأكادميين أو غيرهم، دون أن تتاح لهم فرصة للحصول على عمل يمكنهم من تحقيق غاياتهم المعيشية والاجتماعية، لافتًا إلى أنه "منذ ما يقارب 6 سنوات، أي منذ بداية الأزمة المالية في 2014 واجتياح التنظيمات الإرهابية العراق انخفضت معدلات التوظيف الحكومي حتى قاربت الصفر في بعض السنوات، كما أصاب السوق خارج البيئة الحكومية مزيدًا من الركود والانكماش بفعل سياسات التقشف المستمرة  وتوقف الأعمال، والتي فاقمت من مشكلة البطالة وأدت إلى ارتفاع مؤشراتها من نسبة 9% في سنة 2013 إلى نسبة 22% في سنة 2019، بحسب الإحصائيات الرسمية، في حين تشير مؤشرات المنظمات الدولية إلى نسب أكبر من التقديرات الحكومية".

ويعتقد الباحث أن "ارتفاع مؤشرات البطالة والفقر هي المسبب الرئيسي في تنامي حركات الاحتجاج الشعبي سنة 2019 و2020، والتي من الممكن أن تتزايد وتشهد مواقف احتجاجية مماثلة قريبًا أن لم يجد الشباب العاطل ضالته من الإجراءات  الحكومية التي تنقذه من وضعه المأساوي".

تشير الإحصائيات إلى دخول ما يقارب ربع  مليون شاب وشابة إلى سوق العمل سنويًا من الخريجيين الأكادميين أو غيرهم

أما عن خطوة تفعيل مجلس الخدمة الاتحادي، يقول العلي إنها "خطوة ممكن أن تكون جيدة ومفيدة وأن أتت متأخرة بعد سنين من تشريع قانون المجلس في سنة 2009، وتشكيلة سنة 2019، ويمكن أن تساهم هذه الخطوة أن تمت إدارتها بشكل سليم بمنع وتحييد دور المحسوبية الحزبية والفئوية في التعيين بمؤسسات الدولة، وإتاحة الفرصة العادلة أمام المتقدمين حسب الكفاءة والمعايير الاجتماعية الأخرى، لافتًا إلى أن "من إيجابيات تفعيل مجلس الخدمة هو بإمكان  الجهات الرقابية التركيز في الإشراف على أداء هذه المؤسسة المختصة بالتعيين بدل تشتتها في مراقبة الوزارات كافة ومؤسساتها المختلفة".

اقرأ/ي أيضًا: موازنة 2021 لـ 3 سنوات.. مقترح لتلافي أزمة الانتخابات المبكرة

ويوضح نبيل العلي: "كما من الضروري ذكر المبادرة التي قدمها مجلس الخدمة الاتحادي بالتعاون مع الحكومة العراقية لتوفير وظائف في القطاع الخاص عبر منصة (توظيف) الالكترونية التي أطلقها قبل ما يقارب 6 أشهر، إلا أنه إلى اليوم، لم يتمّ التعرف على مدى تحقيقها للنتائج وتوفيرها للفرص الوظيفية للعاطلين".

وتعتقد رئيس تجمع وطن لحملة الشهادات العليا من الدكتوراه والمجاستير، رواء الجاف، أن "مجلس الخدمة الاتحادي هو الحل الوحيد لإنهاء سُنّة النزول للشارع للمطالبة بالتعيينات، والتي جاءت بفعل أعداد سابقة من الخريجين قاموا بالتظاهر للحصول على درجات وظيفية، وهو ما دفع تجمع وطن لحملة الشهادات العليا من الماجستير والدكتوراه للخروج أيضًا برفقة تجمعات أخرى على مدى أكثر من سنة".

وتشير الجاف في حديث لـ"ألترا عراق"، إلى أن "مجلس الخدمة سيجعل مركزية لملف التعيين يقدّم الخريج من خلالها ليحصل على درجة وظيفية تحدد له، مبينة أن "القطاع الخاص مهمل في العراق وليس فيه ضمانات للخريج ليقبل به كبديل عن الحكومي، ولذلك يجب تفعيل قانون الضمان ليكون هنا حقوق مضمونة للموظف في هذا القطاع أسوة بالموظف الحكومي".

وعن آخر خطوات المجلس بشأن تعيين حملة الشهادات العليا، نقلت الجاف عن رئيس المجلس محمود التميمي، في مقابلة معه، قوله إن "الدرجات الوظيفية في جميع الوزارات وليست في وزارة محددة، كما تم مخاطبة جميع الوزارات بارسال الاختصاصات المطلوبة لديهم، بالإضافة إلى الدرجات المتوفرة لديهم".

وقال التميمي، بحسب الجاف، إنه "تم مخاطبة وزارة المالية لإطلاق التخصيص المالي لدرجات الحذف والاستحداث المستثنى منه حملة الشهادات والأوائل، وتصميم برنامج خاص للتسجيل عن طريقها في التقديم يسمى (البوابة المغلقة) خاصة الشهادات العليا والأوائل من البكالوريوس ، موضحًا أنه "سيتمّ تزويد كل حامل شهادة عليا سواء الدارسين داخل العراق أو خارجه بكود من وزارة التعليم العالي يطلب منه عند الدخول لبرنامج التقديم أما الأوائل يستلمون الكود من الكلية، كما بيّن أنه "سيتم إطلاق التقديم في حال وصول رد وزارة المالية بالتخصيص المالي لهذه الدرجات التي تكفي حملة الشهادات العليا في حال موافقة وزارة المالية على إطلاق التخصيصات المالية".

ينفق العراق سنويًا لرواتب الموظفين 42.5 مليار دولار

وكان الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، قد كشف في تدوينة له عبر "فيسبوك"، عن إحصائية خاصة بإعداد ورواتب موظفي الدولة في العراق خلال عامي 2012 و2019، مبينًا أن "عدد الموظفين على الملاك الدائم في موازنة 2012 = 2.809 مليون موظف، لافتًا إلى أن "رواتب الموظفين على الملاك الدائم في موازنة 2012 = 31.967 ترليون دينار".

اقرأ/ي أيضًا: ماذا يعني خروج العراق من قائمة الدول ذات المخاطر المرتفعة؟

وأضاف أن "عدد الموظفين على الملاك الدائم في موازنة 2019= 2.941 مليون موظف، ورواتب الموظفين على الملاك الدائم في موازنة 2019= 40.633 ترليون دينار، موضحًا أن "الزيادة في عدد الموظفين بين عامي 2012 و2019= 132 ألف موظف، مؤكدًا أن "الزيادة في رواتب الموظفين بين عامي 2012 و2019= 8.666 ترليون دينار".

وأشار إلى أنه "في حالة إضافة أعداد العاملين بالأجور اليومية والمتعاقدين والمتقاعدين والعاملين في شركات التمويل الذاتي والمشمولين بالحماية الاجتماعية فسيرتفع العدد إلى نحو 8 ملايين، فيما تصل رواتبهم إلى نحو 60 ترليون دينار سنويًا".

ويشهد العراق منذ سنوات أزمة تضخم في أعداد الموظفين الحكوميين، إذ ينفق سنويًا لرواتبهم 42.5 مليار دولار، في حين تشير تقارير دولية إلى أن الموظف العراقي يعمل فقط عشر دقائق من أصل 8 ساعات، بحسب تصريحات لوزير التخطيط خالد بتال.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

بيع الشركات الحكومية "الخاسرة": فرصة جديدة لـ"نهب الثروات" أم حل لأزمة الفساد؟

رد من اللجنة المالية على مقترح "الاستقطاعات الضريبية"