"الضعف والتكرار" يستمر في الدراما العراقية.. والانتقاص من الجنوب حاضر

من مسلسل أحلام السنين (فيسبوك)

مع أولى أيام شهر رمضان يبدأ الجدل بشأن الدراما العراقية المعروضة خلاله، حيث ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بنقاش مستوى تلك الأعمال، وتباين تقييم المتلقي، فيما سقطت أعمال عديدة تحت مقصلة السخرية، بالرغم من عدم تجاوز الربع الأول من رمضان، لكن كثيرين وجدوا الأعمال المُنتقدة أنها تكرار للمواسم السابقة، فيما كانت المقارنة حاضرة مع تجارب الدراما في سوريا أو مصر.

فنّانون علّلوا "الضعف والتكرار" في الدراما بقلة الدعم الحكومي واعتماد الإنتاج على القنوات والشركات الخاصة

تتسابق أكثر من عشرة أعمال تلفزيونية في رمضان 2020 من إنتاج عدة قنوات، الحصة الأكبر منها للكوميديا، فيما يعلل بعض الفنّانين "الضعف والتكرار" في الدراما بقلّة الدعم الحكومي واعتماد الإنتاج على القنوات والشركات الخاصة، مقارنة بمصر وسوريا، فيما يرفض آخرون تحمل الممثل لوحده مسؤولية الجودة، فدورة حياة العمل تبدأ من الممول حكوميًا أو الخاص، وثم المنتج الذي يعتلي ضغط التكاليف هرم اهتماماته، مرورًا بالسيناريست والمخرج وصولًا للممثل.

اقرأ/ي أيضًا: الدراما المشتركة 2020.. بين دراما محاصرة وأخرى ميتة سريريًّا

غياب الإستراتيجية

يمثّل التمويل للأعمال الفنية العامل الأكثر تأثيرًا، وعلى ضوء الميزانية المرصودة يتم اختيار الفريق، فضلًا عن الهدف من العمل والرسائل التي يعمل على إيصالها، لكن الكثير يشكلون على قيمة المنتج العراقي في الدراما والتفاوت الكبير بين عمل وآخر.

يعزو المخرج علي فاضل التفاوت في جودة الأعمال الفنية إلى غياب الإستراتيجية في الإنتاج، مستشهدًا بوجود قطاعين للإنتاج في كل دول العالم، القطاع العام وهو تابع للدولة وقطاع خاص، مثل المسلسل الإسباني الحاصل على أعلى نسبة مشاهدة في العالم لاكاسا ديبا بيل، وهو إنتاج قناة الدولة الرسمية في إسبانيا في موسمه الأول، بحسب فاضل، والذي يقول إن "القطاع العام في العراق معطل منذ دخول تنظيم داعش، فضلًا عن إدارته التي كانت فاسدة قبل تعطيله، خاصة وإن المبالغ المخصصة بعد 2003 للإنتاج هائلة، وكان من الممكن أن تحقق قفزة نوعية، لكنها أنتجت أعمال سيئة لم يستطع أي عمل منها حجز مكان في ذاكرة الملتقي أو تاريخ الدراما".  

تابع فاضل وهو مخرج برنامج ولاية بطيخ خلال حديثه لـ"ألترا عراق"، أن "القنوات الفضائية في القطاع الخاص تابعة لجهات سياسية تعمل على تصدير خطابها، وعندما تنتج بعض هذه القنوات فهي لا توصل الأفكار المطلوبة وتعمل ضمن مساحة أجندتها".

يدعم فاضل رأيه بذكر التجربة السورية المصرية، حيث تعثرت الأخيرة بعد تغيير النظام وغياب الدعم لها، سرعان ما التفت الدولة وفتحت قناتين وتولت مهمة الإنتاج، وأدامت زخمها من خلال أعمال عديدة مثل مسلسل النهاية أو مسلسلات الفنان محمد رمضان و أمير كرارة، مبينًا "في سوريا فرضت الدولة السورية على البلدان الثرية شراء الأعمال السورية ونجحت في تسويقها في الخليج، مضيفًا أن "الحكومة تتحمل مسؤولية الأعمال الهابطة التي تستهدف البلد أو تنتقص من المجتمع".

رأى مخرج ولاية بطيخ أن الدولة يمكنها أن تستثمر الأعمال الفنية في إيصال رسائل مهمة سياسية وإنسانية للتوعية من أمور عديدة

يرى فاضل أن "الدولة عليها إنتاج أعمال تنتقد الظواهر السلبية في النظام لمد جسور المصداقية والثقة بينها وبين الجمهور، بالإضافة إلى ضرورة أن يكون هناك تقييمًا لكل عمل، ليعطي تصورًا عن الكتاب والمخرجين الجيدين من خلال نجاح أعمالهم وكسبها للجمهور، ولا تحاول استغفال الجمهور الذي أصبح أكثر ذكاءً من خلال متابعة الأعمال العالمية عبر المنصات الموجودة على الإنترنت"، مبينًا أن "الدولة يمكنها أن تستثمر الأعمال الفنية في إيصال رسائل مهمة سياسية وإنسانية للتوعية من أمور عديدة".   

الممثل ليس مسؤولًا

يعتقد ستار علوان أن الممثل آخر من يتحمل جودة العمل، معللًا ذلك بـ"وجود أدوار رئيسية في الإنتاج تبدأ من الممول الذي يحدد ميزانية العمل لينتقل المنتج، الذي يقوم باختيار فريق إنتاج من مخرج وسيناريست، مبينًا "يكون هنا المعيار الأساس هو ضغط النفقات والخروج بأقل تكلفة"، لافتًا إلى أن "الكاتب على ضوء الغطاء المالي يقوم بكتابة العمل ويراعي تعدد الأدوار وأماكن التمثيل بالتنسيق مع المخرج  الذي تقع عليه مسؤولية اختصار التصوير الخارجي المكلف".

اقرأ/ي أيضًا: الدراما المصرية في 2020 خارج المنافسة أيضًا

أضاف علوان وهو خريج كلية الفنون، أن "النقد يوجه دائمًا للممثل حتى في التفاصيل التي هي ليست من مسؤوليته، مثل الإغراق في الحوارات بعيدًا عن الحوارات الطبيعية بين الناس، فيما يقع ذلك في صلب عمل الكاتب والمخرج، وهما يحاولان ملء الساعات التلفزيونية المطلوبة"، لافتًا إلى أن "المتلقي يحاكم ما يشاهد فقط وهو الممثل دون معرفتهم بتفاصيل الوسط الفني الذي لا يختلف عن بقية الأوساط حيث يسيطر عليه مجموعة من الكتاب والمخرجين والذين بدورهم لديهم أصدقاء يستطيعون العمل معهم بالرؤية التي يتبنونها".

وتابع علوان أن "الكثير يتحجج بأن الجمهور يريد هذا النوع من الإنتاج الخفيف والسطحي، وهذا تجني كبير، لدينا جمهور كبير وذائقة ناضجة، وبساطة بعض المشاهدين لا يعفي الكتاب من مسؤولية، فهم بإمكانهم تمتين الذائقة من خلال أعمال راسخة تجعلهم يدركون الرديء في هذا الإنتاج الشحيح".

صعدنة الجنوب

لا يكاد يخلو موسم رمضاني من عمل عن الجنوب، كوميدي أو جاد، ويعتقد بعض المشاهدين أن تلك الأعمال تنتقص بشكل أو بآخر من سكان الجنوب، من خلال التركيز على الظواهر السلبية التي لا يخلو مجتمع منها، فضلًا عن إبراز اللهجة بطريقة ساخرة وغير دقيقة، وعلى ما يبدو، أن فريق الإنتاج كثيرًا ما يكون بعيدًا عن تلك البيئة، فتجد أخطاء فنية على مستوى الملابس والديكورات واللهجة، ما جعل كثيرون يشبهونها بالطريقة المصرية في التعامل مع الصعيد في الدراما، خاصة مع تقارب البيئتين، بالرغم من وجود أعمال مصرية تظهر الصعيد بصورة حقيقية ومؤثرة، وليست ساخرة.

يستغرب ماجد حسن "انتقاص الكاتب وفريق عمله الدرامي من الشخصية الجنوبية، خاصة شيخ العشيرة"، مستدلًا بمشهد من مسلسل أحلام السنين، والذي يقوم فيه شيخ عشيرة بإجبار أحد سكان القرية بتأدية دور الكلب وسط المضيف وأمام الجميع، معلقًا "لا أتحدث عن عصمة وطهرانية شيوخ العشائر ولا ننسى الإقطاع وتسلطه، مستدركًا "لكن هذا المشهد غير منطقي، وأن كان قد حدث مرة ما الغاية من إظهاره كنموذج لشريحة كبيرة"، لافتًا إلى أن "السخرية والانتقاص تتحول إلى سياق عام في معظم الأعمال التي تتحدث عن الجنوب، متجاهلين أسباب الظلم والحرمان والسياسيات والتهميش الذي تعرضوا له".

وتابع حسن خلال حديثه لـ"ألترا عراق"، أن "هذه الأموال والإمكانيات المتوفرة لهكذا عمل من الممكن أن تنتج أعمالًا عن عشرات الشخصيات المؤثرة بالواقع العشائري وأدوارها المهمة في تاريخ العراق، مثل عن شخصية ناصر السعدون مؤسس الناصرية الحديثة أو عن الأمير خزعل الكعبي أمير المحمرة والذي كان قاب قوسين أن يكون ملكًا للعراق لولا اختطافه من شاه إيران وقتله في القصر، أو عن عمران الخفاجي الذي قاوم الدولة الصفوية ونفى نفسه بعد محاصرته إلى النجف وتحول لرجل عابد متصوف".

السخرية والانتقاص تتحول إلى سياق عام في معظم الأعمال التي تتحدث عن الجنوب

ولم يتسن لـ"ألترا عراق"، في التواصل مع أي من فريق العمل الذي تحدث عنه ماجد حسن، فيما اعتذر بعض الفنّانين من التعليق تجنبًا "للإحراج مع الوسط الفني"، بحسب تعبيرهم.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الدراما السورية في 2020.. الجدار لا يزال مسدودًا

الدراما الخليجية في السنوات الأخيرة.. مسلسلات لصناعة تاريخ آخر