طائر يعبر الشارع

طائر يعبر الشارع

رينيه ماغريت/ بلجيكا

حبل غسيل مرتخي على سطح البناية المقابلة، أكمام لقميصين أبيضين يخفقان في الهواء، طائر صغير يحاول التحليق، أسلاك الكهرباء صدئة، أنهم يغيرونها باستمرار، لكنها تبقى صدئة، في الصبحِ، أنتَ تقف أمام هذا المشهد المتكرر، لقد غرزوا قبل ما يقارب خمس سنوات شجرتين بأوراق خضراء كثيفة، إنها المرة الأولى التي تنتبه بأن تلك الشجرتين، أصبحتا أكبر من الشجيرات الباقية، تجلبُ إبريق ماء، تسقي النبتات التي وضعت على شرفتك، تتكرر صباحاتكَ الرخوة، سيجارة قبل أن تغسل وجهكَ صباحًا، الدخان نفسه يدخل صدغك الأيمن، يترك فراغًا يمر عبره الهواء، الغيمات البيض ذاتها، التي تشاهدها عبر أسلاك الكهرباء، كأنها مثبتة بمسامير، لكي تكون خلفية هذا المشهد، على جانبك الأيمن، حيث صداع رأسك اليومي، عُش طائر صغير، أنه هناك أعلى عمود الكهرباء الرمادي، وطن صغير فوق عمود كهرباء رمادي، في طفولتكَ، كنت ترى الطائر ذاته، حركته السريعة بين الأرض و العمود، المسافة الخطوة التي تفصل بينهما، تقيس المسافة، تحسب عدد المرات التي يُحرك فيها جناحيه، عدد الأشياء التي يلتقطها، حتى يصنع عُشه، أنتَ تعلم بأنه ليس ذات الطائر، لكن الطفل في داخلك يرى من عينيك الأن .

أشعة شمس تلتصق برأسك، مثل مصباح أصفر رديء، تنظر إلى طائر يعبر فوق الشارع، يتخطى زحمة السيارات الخفيفة، يختبئ بين الأغصان الكثيفة، قرب أحد أعمدة الإنارة، البناية أمامك متهالكة، ثمة شرخ وسط الحائط الرمادي الهائل، أملاح مكدسة على جوانبها، من بعيد ترى ملامحك مبعثرة على زجاج أحد المحلات، شخص يمر، يضع ظلهُ الكثيف على ملامحك، ظلهُ الذي لا يسقط على الأرض، لكنه يخبئ ملامحك في زجاج المحل، قرقعة حديد من بعيد، تملأ أذنك الكبيرة، نوارس تُحلق متخبطة في رأسك، قطرات عرق تتكون على جبينك، مثل قطرات من الندى، الطقس جيد في الخارج، تستلقي في الشمس، مثل كلب بحر يستلقي في شمس شتائية على الجليد، لكن سجادة شقتك خشنة، أنها تحتك بجلد وجهك المُتعب، رأسك متجهاً الى الشرفة، حيث الجنوب، كأنك ذبيحة من السماء، نور يرتسمُ على جسدكَ، إغماءة عذبة، دُوار في رأسك، طعم دم بين أسنانك، صوت إطارات عجلتك الهوائية في رأسك، عندما كُنت صغيرًا، باحة منزل العائلة القديم، عندما كنت تلعب،  كنت لا تجيد قيادة الدراجة الهوائية، كنت تنزلق من الانزلاقة في الباحة، تسقط في حزُم الضوء، تضيع في الاصفرار العذب لأشعة الشمس الصفراء، خيوط ذهب، بياض جدار المنزل، الأرضية الخشنة وأنت تلتصق بها، كدمات جسدك وأنتَ تسقط باستمرار، الزرقة الداكنة في قدميك، الدم المتيبس، الذبابة التي تُزعجك، تُدخن سيجارة أخرى، خيوط دخان تتصاعد، تأخذ كتاب من الزاوية، تعدل من جلستك، تسند ظهرك الى الحائط، تقرأ شعرًا، تُعلي من صوتك، تقرأ الشعر لأشعة الشمس المبعثرة على الأرض، للطير وهو يقف عند نافذتك .

الزمن متوقف، أنها العاشرة صباحًا، تنظرُ الى الساعة الجدارية، أنها معلقة بمسمار صدئ منذ بدء الخليقة، أنها توهمكَ، مثل حلقة مفرغة، تدور دون الوصول الى النهاية، الحائط أبيض، اصفرار خفيف يلتصق بالطلاء، يد تلامس فخذك، تصعد وئيدة الى عضوك، تمسك خصيتك الرخوة، تضغط مطولًا، الأفعى تمتد على فخذك، ملمس ناعم وقوي، تستذكر النساء، رائحة أجسادهن، رائحة عرق ممزوج بأصوات الشارع، أصوات سيارات، صور أجساد تمر فوقك، تبقى معلقة على السقف، مثل ملائكة في كنيسة رومانية، الكآبة تزحف مثل جرو صغير، تصعد الى رأسك، دم يغلي في صدغك، تمسك عضوك، تحاول الإمساك بتلك الأجساد، مثل فسيفساء، تحاول جمع أعضاء النساء في جسد واحد، جسد مثالي وحي، تخض عضوك، يداك تتحركان بقوة، سائل شفاف يلتصق بأصابعك، تفتح ذراعيك مثل مسيح مصلوب، ينسحب عضوك، يرتخي مثل رقبة سلحفاة، تمسكه تعلم بأنه موجود، تتذكر عندما كنت طفلًا، حين بالكاد أنتصب لأول مرة، لم تنه دراستك الابتدائية بعد، كان يشبه برعم زهرة صغيرة، زهرة سوداء .

تصحو من إغمائتك القصيرة، أنت كالهلام، قطعة حلوى رخوة، تسمعُ صرير عظامك،  ثقل جلدكَ، أنها الظهيرة، الشمس صفراء، كأنك في مركز الكون، الشمس تضيء عالمك المغبر، تنظر الى الغبار، أشعة شمس تكشف عن جسيمات صغيرة تطفو في الهواء، تُعد وجبة غداء، وجبات جاهزة للأكل، تغلي الماء، يتصاعد بخار خفيف، الشارع فارغ، أطباق المنزل تشبه الأعمال الفنية في أحد المتاحف العالمية، تتنظرُ وتضحك بصمت، تكمل وجبتك السريعة، إنه العالم الجديد، تشغلُ موسيقى كلاسيكية، تستلقي على الكنبة القاسية، ذبابة فوق رأسك، الوسادة تشبه تلة رخوة، تبدأ الدخول في الحُلم، أحلام الظهيرة الثقيلة، أنتَ في الصحراء، لا شيء، سوى حبات رمل تملئ جسدك، تزحف مثل النمل، ما زالت الموسيقى تهدر، الصوت خفيض، تصحو عندما يغوص بك الحلم، ثقل رأسك ذاته، تمشي بخطوات قط سمين، أشعة الشمس خفيضة أيضًا، تقف عند الشرفة، تنظرُ الى النبتة، أنها امتداد لك، امتداد لروحك، أنها تقف عند حافة الهاوية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ليلة إيروتيكية مع شاعرة

باب القتلى: العائلة

:دلالات