مقاطع حالمة

مقاطع حالمة

فرانك فان هالين/ هولندا

أضواء خافتة

تدخل الى القاعة. السقف مرتفع، الهواء متوقف، تشعر بأن القاعة الطويلة، فضاء رحب، أضواء تكاد تلامس جلدك، ثمة لوحات إعلانية عن حضارات قديمة، لوحات نيون، تقف وسط القاعة الرخام، صمت يخترق أذنك، تنظر الى الفتاة، تنظر الى السعادة والقلق في عينيها، الخجل في إغماضة جفنيها، لقد جاءت من مدينة أخرى، تتجول بين القاعات، المكان أشبه بمتاهة جميلة، الغرف ترميك الى غرف أخرى، دوار خفيف في رأسك، تيه حقيقي لطيف، نشوة المتاهة تأخذك بعيدًا، كأنكما وحيدان في هذا الكون. المشاهد صامتة، التماثيل تبدو مجمدة، الكون متوقف، صراخ لأطفال يتعالى من غرف اخرى، ثمالة خفيفة في رأسك، رأسك فارغ، تشعر بالخفة لأول مرة، تشعر بأنك طير من طباشير معلق على الحائط، لكنك تُحلق، تدخل إلى القاعة الكبيرة في المتحف، ملاحم منحوتة على حجر قاس، معركة كبرى قد جرت، ربما كنتَ حاضرًا، تنظر محاولًا أن تستذكر المعركة، الخيول، الرؤوس المقطوعة، تغمض عينيك وتعود إلى زمنك، تنظر بلطف إلى الفتاة، تقف خلفها، تحاول أن تحتفظ برائحتها داخلك، ثمة مسطبة في وسط القاعة، تتوسط الثيران المجنحة، تشاهد ريش الثور المجنح، تشاهد ريشة بيضاء تسقط، تجلسان هناك، تصمت أنت، تنظر اليك الفتاة، تغرق في عينيها، مثل رصاصة في رأسك، تستذكر أصوات صخب الشارع قبل ان تدخل المتحف، في طريق الخروج، تمسك يد الفتاة، بدت ناعمة وخائفة.

 

ارتعاشة يد

انعطافة في الشارع، تبقى السيارة تدور، الانعطافة مثل لحظة صامتة أبدية، دوار خفيف، تتفقد الفتاة التي تجلس في المقعد الخلفي، هي جيدة، تبتسم لك، الشمس تستلقي وسط الساحة، تمشي في ساحة كهرمانة، ما زالت تسكبُ الماء على رؤوسنا، تمشيان بخفة في الشارع، تنظر إلى المحلات على جانب الشارع، محلات بأضواء خفيفة، محلات خضاء، محلات زهور، تشتري أحمر شفاه للفتاة، تشعر بسعادة، تجلسان في مطعم في الطابق الثالث، تطلبان بيتزا بالخضار، تُقطع البيتزا للفتاة، تشاهد بابتسامة طريقة أكلها، يديها وهي تمسك العجينة، شفتيها الصغيرتين، خجلها وهي تنظر إليك، تتذكر عندما مسكت يديها في المتحف. يداك ترتجفان، تمسك الفتاة بيديك، تتلمس أصابعك، تتحس النبض، ربما تحاول أن تسمعُ ما يقول نبضك، رعشة تجتاح جسدك، تشعر بالخفة، تمسك أنت يدها الناعمة، تقوي قبضتك، تحاول أن تحتضن الفتاة، لكنك تحتضن يدها الناعمة، تتمتم بشيء، كأنك تتخطى الزمن، تشعر بأنك تحب الفتاة منذ بدء الخليقة.

 

أغنية لأعياد الميلاد

السماء مظلمة، تقف عند النافذة، تنظر إلى ما بعد السماء، النجوم متوهجة، الأفق ممتد، تتذكر فيلم كنت قد شاهدته لثلاث ساعات، الحُلم الذي يشبه ارتعاشة في جسدك، تُشغل أغنية هادئة لنهاية العام، دقائق تفصل العالم عن عام جديد، طير يقطع الأفق أمامك، بهجة تجتاحك، بدت غريبة عليك، شعور مألوف لكنه منسي، ما زالت الاغنية في ركن الغرفة، تبدأ الأضواء بالظهور من العدم، أضواء براقة، ملونة، أحمر، أخضر، أزرق، ما زال الأفق أمامك ممتد، تتبع الألعاب النارية، الأصوات وهي تُقلق أذنيك، تمر كل الأمنيات في رأسك، أمنيات العالم محفوظة في قلبك، نبضك مرتبك، ربما، أنها المرة الأولى التي ستتمنى أمنية للمستقبل، لكنك لا تعرف كيف تقول ذلك، الفتاة تقول لك ذلك.

 

المضي فوق العشب الأخضر

الشمسُ منبسطة بمهل فوق العشب، قطرات من الماء تتلألئ، رابية متموجة من العشب أمامك، تجلس على مسطبة خشبية، وسط صراخ الأطفال الذين ينظرون إليكما، تبتاع حلوى للفتاة، تبدو رائعة، أشعة الشمس تسقط على نصف وجهها الأسمر، قصائد بودلير في رأسك، سأم باريس الذي كُنت قد أهديته لشخص لا تعرفه، بائع الحلوى يذكرك بذلك، تعب في قدميك، تعب لذيذ، تنظر إلى الفتاة، تُمسك يدها الصغيرة، تزرع قبلة في خدك، تمشيان بجانب سور الحديقة، حيث أشجار الحور، أضواء المدينة، أصوات السيارات والبشر، نُصب لرجل يرفع شيئًا، كلمات حبيبتك المنزلقة على الأرض، الماضي، صوت صراخ يقطع بكائك الداخلي، يتضخم المشهد في رأسك مثل أفعى، تود لو تحتضن الفتاة، أن تضع قبلة على شفتيها، لكنها تمسك ذراعك، أنت، المرفأ الوحيد لسفينتها، تستأجر سيارة أجرة، وتندفعان إلى وسط المدينة، حيث ستتناولان العشاء.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حيث تتيه الأرواح المقتولة

الذي يفقد ظله