2018 في العراق.. المحاصصة أقوى والاحتجاج أوسع

2018 في العراق.. المحاصصة أقوى والاحتجاج أوسع

أصبحت الاحتجاجات على الفساد والمحاصصة أقوى في العراق (Getty)

يعتبرها بعض العراقيين من أسوأ السنين، مستشهدين بالأزمة الحادة في الخدمات وكذا الفساد والقمع المنظم، لكن آخرين يبدون أكثر تفاؤلًا بخصوصها على المستوى البعيد. إنها سنة 2018.

شهدت 2018 بدايةً للقمع والتنكيل الممنهج وتجاهل مطالب الناس في سياق الاحتجاجات التي بدأت في مطلع تموز/ يوليو في البصرة والمحافظات العراقية

يرى أصحاب الرأي الأول فيها بدايةً للقمع والتنكيل وتجاهل مطالب الناس في سياق الاحتجاجات التي بدأت في مطلع تموز/يوليو في البصرة والمحافظات العراقية، وقوبلت بالتجاهل وعدم طرح حلول جدية حتى الآن، فضلًا عن عدد القتلى الذي وصل إلى 907 بحسب الأمم المتحدة، بينهم متظاهرون قتلوا بالرصاص الحي. أما أصحاب الرأي المتفائل، فيستشهدون بإعلان النصر على داعش قبل نحو 20 يومًا من بدايتها، في 9 كانون الأول/ديسمبر 2017، ثم بانبثاق تحالفات خارجة عن عقدة المحاصصة في تشكيل الحكومة، بالرغم من ضعفها وتهاونها في إطار "براغماتي" من جهة أخرى، وفوق ذلك، بالاحتجاجات الواسعة، التي قال العراقيون فيها لا بصوت عالٍ للمحاصصة والاستغلال والفساد.

عودة العلاقات بين بغداد وأربيل

تسبّب الاستفتاء الذي أجري في 25 أيلول/سبتمبر 2017 لانفصال كردستان العراق، بتوتر في العلاقات بين الطرفين، بعدما كانت جيّدة نسبيًا، خاصة بعد دخول القوات الاتحادية العراقية إلى محافظة كركوك ومناطق أخرى كانت تحت سيطرة القوات الكردية "بيشمركة"، لكن بغداد شهدت في بداية 2018 زيارات عدّة من سياسيين في أربيل والسليمانية في محاولة لترميم ما أحدثه الاستفتاء الذي اعتبر "قرارًا فرديًا"، من قبل زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني.

اقرأ/ي أيضًا: آلاف حالات التسمم في البصرة.. مشهد مكتمل لمدينة منكوبة

أثمرت هذه الزيارات والحوارات التي أجراها رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، وأطراف سياسية في بغداد في كانون الثاني/يناير، بأن يقوم الإقليم بتسليم 250 ألف برميل يوميًا، وتسليم كافة الواردات المتحققة من جباية الضرائب والرسوم، فضلًا عن تشكيل إدارة مشتركة للمنافذ الحدودية والمطارات وغيرها.

وقد أمر رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، في منتصف آذار/مارس، بفتح مطاري أربيل والسليمانية في كردستان أمام الرحلات الدولية ورفع الحظر رسميًا عنهما، بعد موافقة حكومة إقليم كردستان على إخضاعهما لسلطة بغداد الاتحادية، وبذلك ينتهي حظر جوي فرضته الحكومة العراقية الاتحادية من وإلى مطاري أربيل والسليمانية عقب الاستفتاء الذي أجرته سلطة الإقليم، واعتبرته بغداد "غير قانوني"، وبذلك تنتهي أشهر من الخلافات وتبادل التصريحات والاتهامات.

الانتخابات: ائتلافات بلا "برامج" ونتائج غير متوقعة!

منذ مطلع نيسان/أبريل، بدأت الكيانات السياسية بالدعاية الانتخابية في جميع المحافظات العراقية والتي كان من المقرر اجراؤها في 12 أيار/مايو، وكان التنافس الأكبر بين الكتل السياسية في "استثمار النصر" على داعش كمنجز انتخابي، حيث أسس رئيس الوزراء العراقي السابق، والقائد العام للقوات المسلحة، حيدر العبادي "تحالف النصر"، في إشارة إلى النصر الذي تحقّق بوجوده على داعش.

وفي مقابل تحالف النصر، كان تحالف الفتح، الجناح السياسي للفصائل المسلحة من الحشد الشعبي التي قاتلت داعش، والذي تشكل عام 2018 للمشاركة في الانتخابات المقبلة، برئاسة الأمين العام لمنظمة بدر، هادي العامري؛ فقد وضع التحالف صورة أسد في الشعار الرسمي الخاص به، في إشارة أيضًا إلى "سطوة المنتصر"، مع كلمة الفتح بأبعادها التراثية، حيث رأى مراقبون، أن التنافس في الانتخابات كان في استثمار النصر، لكن دون برامج انتخابية يتطلع إليها المواطن العراقي.

شهدت الانتخابات العراقية، تحالفات كثيرة، كانت لا تجري على أساس البرامج المشتركة، وإنما لحيازة النفوذ على عملية تشكيل الحكومة

بعد إجراء الانتخابات التي تمت مقاطعتها من بعض النشطاء والمدونين وشرائح اجتماعية، أعلن عن نتائجها بعد أيام، والتي أبعدت ما يقارب أكثر من 200 نائب من الوجوه القديمة، منهم رئيس البرلمان السابق، سليم الجبوري ونائبه همام حمودي رئيس المجلس الأعلى الإسلامي، فضلًا عن خسارة الكتل الكبيرة التي كانت مهيمنة على الانتخابات، حيث حصل تحالف سائرون الذي يضم الحزب الشيوعي وبعض الكتل المدنية مع التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، على المركز الأول في الانتخابات، يليه ائتلاف الفتح بزعامة هادي العامري، ثم ائتلاف النصر، برئاسة حيدر العبادي.

وشهدت الانتخابات، تحالفات كثيرة، كانت لا تجري على أساس البرامج المشتركة، إنما لحيازة النفوذ على عملية تشكيل الحكومة، إذ تحالف حيدر العبادي مع ائتلاف الفتح، المنافس له، لينفرط التحالف بعد ساعات من إعلانه، ثم تحالف مقتدى الصدر وسائرون مع الفتح رغم إعلانه فيما سبق عن تطابق وجهات نظره مع تحالف النصر برئاسة العبادي، ورغم أن الفتح كان منافسًا له أيضًا ويطلق التصريحات عنه بوصفه "يتاجر بالنصر ويدعم الميليشات الوقحة"، بحسب قوله.

اتهامات بـ"تزوير" الانتخابات

في حزيران/يونيو، اندلع حريق داخل مخازن كانت المفوضية العليا للانتخابات استأجرتها لوضع صناديق الاقتراع في داخلها، وكانت المخازن تحتوي على صناديق اقتراع وأوراق كاملة وسيرفرات تابعة للمفوضية، رافق ذلك اتهامات بـ"تزوير الانتخابات"، أدى إلى أن يقر البرلمان بإعادة الفرز والعد اليدوي، بدلًا من الإلكتروني.

وتم إعادة الفرز والعد اليدوي للنتائج، لكنها كانت متطابقة، إذ لم يتغير في المشهد الذي أفرزته انتخابات أيار/مايو أي شيء، وبقيت الكتل السياسية المتصدرة ذاتها، مع بقاء الخاسرين خارج أروقة البرلمان العراقي، لتستعد بعد ذلك الكتل المتصدرة حديثًا لتشكيل الحكومة التي سيطول الصراع حول تشكيلها.

احتجاجات البصرة.. ستنتهي 2018 ولا تزال!

في 2018، بدأت بوادر أزمة المياه تلوح في الأفق بعد أن أعلنت تركيا إكمال بناء سد أليسو الذي يعتبر خامس أضخم سد على مستوى العالم، وثاني أضخم سد في تركيا، وهو يقع على مقربة من الحدود العراقية، والذي سيؤدي ـ بحسب مختصين ـ إلى انخفاض مياه نهر دجلة في الأراضي العراقية إلى 9.7 مليار متر مكعب بالسنة، فضلًا عن الآثار الأخرى على الزراعة ومياه الشرب والصناعة وإنعاش الأهوار والبيئة، وتوليد الطاقة.

في خضم أزمة المياه التي تهدّد العراق، بدأت تظاهرات في عدة محافظات عراقية، النجف والسماوة والديوانية وكربلاء وذي قار وميسان، لكن أبرزها كانت البصرة، للمطالبة بتحسين الواقع الخدمي والمعيشي في المحافظة. وفي الثامن من تموز/ يوليو، تظاهر مئات المواطنين شمال المحافظة، لكن القوات الأمنية واجهتها بالرصاص الحي ما أدى إلى مقتل متظاهر شاب اسمه "أسعد يعقوب المنصوري"، وكذلك إصابة 3 آخرين، وكان هذا بداية لمواجهة الاحتجاجات بالرصاص الحي، والتي ستؤدي فيما بعد إلى سقوط 9 قتلى وإصابة 93 بين صفوف المتظاهرين في عموم المحافظة، بحسب المفوضية العليا لحقوق الإنسان.

تفاقمت الأزمة في البصرة جرّاء تلوّث المياه بسبب صعود الألسن الملحية في مياه شط العرب، وأفرزت فيما بعد عن إصابات بين المواطنين بلغت أكثر من 119 ألف إصابة، تتنوع بين التسمم والإصابة بالإسهال والتقيؤ والمغص المعوي، دون أية حلول صحية أو خدمية للمحافظة التي تستمر التظاهرات فيها إلى كانون الأول/ ديسمبر، دون انقطاع.

اقرأ/ي أيضًا: تظاهرات البصرة.. نار القمع والإفقار تأكل عاصمة اقتصاد العراق!

حرق "مقرات الأحزاب" والقنصلية الإيرانية

وبعد التصعيد الذي شهدته البصرة في التظاهرات، والتصعيد الذي قوبلت به من ناحية القوات الأمنية، أقدم عدد من المتظاهرين على حرق مقرات الأحزاب السياسية في مناطق متفرقة من المحافظة، أبرزها الأحزاب المقربة من إيران، ومنها مقر عصائب أهل الحق، وحركة النجباء، وأنصار الله الأوفياء، بالإضافة إلى مقرات حزب الدعوة والفضيلة والمجلس الأعلى ومكتب منظمة بدر، ومقر كتائب حزب الله، ومقر سرايا الخراساني ومكتب النائب فالح الخزعلي، ومقر القنصلية الإيرانية التي اعتبرها المتظاهرون حامية للمتسببين "في الأزمة"، من كبار النظام وصغاره.

لم يقتصر حرق المقرات على محافظة البصرة، إنما شهدت محافظة النجف أيضًا حرق عدة مقرات للأحزاب المقربة من إيران، ومحافظة الديوانية وميسان، ومناطق أخرى، أدت إلى أن تتخذ الأحزاب تحصينات أخرى للحماية من الحرق في احتجاجات مقبلة، وكان ما يثير الاستغراب، أن معظم المقرات التي أحرقت هي تابعة لفصائل مسلحة، وتمتلك السلاح الذي يوازي قوة الدولة.

لقي نشطاء مصرعهم على يد "مجهولين" في كل من البصرة وذي قار وبغداد، ونجا عدد آخر منهم من محاولات اغتيال

الاغتيالات الأسبوعية!

شهدت فترة التظاهرات اغتيالات وصفها نشطاء بـ"الأسبوعية"، حيث تعرضت الناشطة المدنية في تظاهرات البصرة، سعاد العلي إلى اغتيال من مسلحين مجهولين، وبعدها عارضة الأزياء تارة فارس وسط بغداد، وبعدها اغتيل معاون طبي في البصرة، وفي آب/ أغسطس، لقيت خبيرتا التجميل رشا الحسن ورفيف الياسري، حتفهما في ظروف غامضة.

كما لقي نشطاء مصرعهم على يد "مجهولين" في كل من البصرة وذي قار وبغداد، ونجا عدد آخر منهم، إلى أن اغتيل أحد أبرز ناشطي تظاهرات البصرة، الشيخ وسام الغراوي، في تشرين الثاني/ نوفمبر، ويتهم نشطاء في التظاهرات ومدونين "الميليشات"، بتنفيذ عمليات الاغتيال بين فترة وأخرى لإفشاء الرعب بين الناس.

تشكيل الحكومة العراقية

بعد صراع طويل بين الكتل السياسية حول اختيار رئيس للبرلمان العراقي، تم انتخاب محمد الحلبوسي لرئاسة مجلس النواب في جلسة عقدت في أيلول/ سبتمبر، وهي جلسة قالت النائبة عن تحالف سائرون، ماجدة التميمي، بأنها شهدت "تزويرًا وشراء ذمم"، من قبل رئيس كتلة المحور الوطني، أحمد الجبوري، الملقب بـ"أبو مازن" لانتخاب الحلبوسي بدلًا من خالد العبيدي، مرشح تحالف الإصلاح.

لم يمض على اختيار محمد الحلبوسي وقت طويل حتى تم التصويت على برهم صالح رئيسًا لجمهورية العراق في تشرين الأول/أكتوبر، ويقوم بدوره بتكليف عادل عبد المهدي بتشكيل الحكومة، ويكون رئيسًا لوزراء العراق بديلًا عن حيدر العبادي.

عادل عبد المهدي هو مرشح مدعوم من مرجعية النجف، وتحالف الإصلاح الذي يضم سائرون المدعوم من زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، وتحالف النصر، وتيار الحكمة، في مقابل تحالف البناء الذي دعم محمد الحلبوسي لرئاسة البرلمان.

اقرأ/ي أيضًا: معركة التكنوقراط في العراق.. المحاصصة توحد الأضداد

استمر الصراع ولا يزال قائمًا حول تشكيل الحكومة، بسبب الخلاف على وزيري الدفاع والداخلية، وفي 24 كانون الأول/ديسمبر الجاري، عقد البرلمان جلسة للتصويت على الكابينة الوزارية، لكنه فشل أيضًا، وقام بتأجيلها إلى الثامن من كانون الثاني/يناير 2019، لتنتهي هذه السنة دون استكمال الكابينة الحكومية.

نهاية "حزب الدعوة"

يحكم العراق حزب الدعوة منذ 2005، بعد تولي إبراهيم الجعفري، رئاسة الوزراء، ليليه بعد ذلك نوري المالكي وحيدر العبادي اللذين ينتميان إلى الحزب أيضًا، وبعد انتخاب عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء، تعتبر هذه السنة هي التي تم فيها إبعاد حزب الدعوة من حكم العراق، بعدما كانوا يعتبرون أن لا منافس أمامهم ولا يوجد غيرهم جديرًا بالحكم في العراق.

يرى مراقبون أن 2018 كانت سنة إيجابية من ناحية تراجع القوى التقليدية وخسارتها في الانتخابات في العراق، فضلًا عن حرق مقراتها في الاحتجاجات

رواتب الحشد الشعبي

في تشرين الثاني/ نوفمبر، أعلن الحشد الشعبي، عن موافقة مجلس الوزراء على مساواة رواتب منتسبيه مع القوات الأمنية، وفي 19 كانون الأول/ديسمبر كشفت وزارة المالية عن تخصيص أكثر من ترليوني دينار ضمن قانون الموازنة الاتحادية للعام 2019 لرواتب الحشد الشعبي.

في 20 كانون الأول/ ديسمبر استقبل رئيس الوزراء، عبد المهدي، نظيره الاسترالي، ليظهر أثناء مراسم الاستقبال، وقوف قوات من الحشد الشعبي مع "حرس الشرف الرئاسي"، ما أثار جدلًا واسعًا بين العراقيين، عادين إياه ممهدًا لشرعنة السلاح خارج إطار الدولة، وهو ما ينبئ أن الحشد الشعبي في 2019 سيكون أقوى بدل تذويبه في القوات الأمنية العراقية.

على أية حال؛ يرى مراقبون أن 2018 كانت سنة إيجابية من ناحية تراجع القوى التقليدية وخسارتها في الانتخابات، فضلًا عن حرق مقراتها في الاحتجاجات، وهو ما يعطي تصورًا عن تراجع المحاصصة أيضًا، إذ احترقت مقرات الأحزاب التي تمثل المحاصصة في مواطن قواعدها، لكنها كانت سنة قاسية على المحتجين في العراق، من حيث القمع ومواجهتهم بالرصاص الحي والاعتقالات المستمرة، فضلًا عن استمرار الهيمنة الخارجية في فرض بعض الوزارات والسيطرة على بعض المناصب وتشكيل الحكومة العراقية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العراق.. فضائيات التناحر السياسي

"ترامبات" العراق