03-فبراير-2019

تسعى كتلتا "الإصلاح" و"البناء" في البرلمان إلى اثبات أنهما الأكبر (Getty)

تحتدم في عدد كبير من محافظات العراق ومنها العاصمة بغداد، صراعات حادة على مستوى الحكومات المحلية، أدت إلى الإطاحة بعدد من المحافظين في سلسلة جلسات طارئة "مطعون بها"، في ظل أزمة خدمات كبيرة تعانيها تلك المحافظات وسخط شعبي، دون أمل بموعد قريب للانتخابات المحلية.

تمارس مجالس المحافظات المكلّفة دستوريًّا باختيار المحافظين عملها بشكل غير شرعي منذ نيسان/إبريل 2017

اقرأ/ي أيضًا: القطاع العام في العراق.. اسأل الكهرباء

ويأتي الصراع على مناصب المحافظين، انعكاسًا للصراع في البرلمان بعد تغير الخارطة السياسية فيه، إثر الانتخابات التشريعية الأخيرة في آيار/مايو 2018، والتي أدت إلى تفكك الكتل السابقة المتشكلة على أسس مذهبية وقومية، وتشكيل أكبر كتلتين برلمانيّتين هما "الإصلاح" التي يقودها مقتدى الصدر وعمّار الحكيم، و"البناء" بقيادة نوري المالكي وهادي العامري، واللتان تتسابقان لنيل الوزارات والهيئات والمناصب في الحكومة.

بينما تمارس مجالس المحافظات الحاليّة المكلّفة دستوريًّا باختيار المحافظين، عملها بشكل غير شرعي، حيث انتهت ولايتها منذ نيسان/إبريل من عام 2017، فيما تأجّل موعد انتخابات المحافظات مرّات عدة.

منصب.. بوابة البرلمان!

في العاصمة بغداد، انتخب فاضل الشويلي عن تحالف "سائرون" الذي يحظى بدعم زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، محافظا للعاصمة، في جلسة عقدها مجلس المحافظة، في 12 كانون الأول/ديسمبر 2018، خلفًا للمحافظ السابق عن ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، عطوان العطواني والذي فاز بمقعد برلماني في انتخابات آيار/مايو 2018، حيث يعد منصب المحافظ بوابة تؤدي إلى البرلمان غالبًا.

لكن ذات المجلس عاد بعد عشرة أيام لسحب الثقة عن الشويلي، وإعادة المنصب إلى ائتلاف المالكي، بحجة عدم شرعية الجلسة الأولى لغياب رئيس المجلس ونائبه أثناء التصويت، وينتخب فلاح الجزائري محافظًا بعد حشد التأييد اللازم من قبل الائتلاف، ليفرض الأخير نفسه محافظًا حتى قبل صدور مرسوم جمهوري يمنحه الثقة.

وكان ائتلاف دولة القانون قد انتزع المنصب من كتلة "الأحرار" الممثل السابق للتيار الصدري داخل البرلمان والحكومات المحلية، بعد إقالة المحافظ الأسبق، علي التميمي، في 19 كانون الثاني/يناير 2017، على خلفية اتهامات بالفساد.

في حين لا يزال المنصب حائرًا بين "سائرون" و"دولة القانون"، بعد أن طعن الأول بشرعية مرشح الثاني، حيث رفضت رئاسة الجمهورية والبرلمان الاعتراف بالجزائري محافظًا لحين بت القضاء بالأزمة.

مجمد ومنتخب.. ثالث بالوكالة!

ليس بعيدًا عن العاصمة، حيث مدينة الكوت مركز محافظة واسط، تدور رحى أزمة أكبر، خلفها فوز محافظها السابق عن تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، محمود ملا طلال، بعضوية مجلس النواب، انتهت بوجود ثلاثة محافظين كل يدعي شرعيته.

وكان مجلس المحافظة قد انتخب، في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، المرشح عن تيار الحكمة محمد المياحي خلفًا لطلال، لكنه عاد ليجمده، في 22 كانون الثاني/يناير 2019، ويفتح باب الترشيح للمنصب من جديد، فيما خول نائبه الأول عادل الزركاني، بإدارة شؤون المحافظة مؤقتًا.

أما الزركاني  فبادر إلى اقتحام مكتب المياحي "المجمد" وتسريح موظفيه، وفق مصدر هناك، ثم تشبث بالمنصب، على الرغم من انتخاب غنضفر الشمري وهو "مرشح مستقل"، محافظًا جديدًا من قبل المجلس، في 27 كانون الثاني/يناير، في حين سارع المياحي بالطعن بقرار تجميده، لينتهي الأمر بوجود ثلاثة محافظين بانتظار حسم القضاء للأزمة.

الياسري يصمد.. والطريحي ينتظر!

في النجف صوت مجلس محافظة، الأربعاء 19 كانون الأول/نوفمبر، على إقالة المحافظ لؤي الياسري، لـ "قضايا تتعلق بالفساد"، لكن القضاء أبطل القرار، ليستمر في مهامه.

ويتولى الياسري المنصب، منذ انتخابه محافظًا عن حزب الدعوة الإسلامي، في أيلول/سبتمبر 2015، دون أن تزعزعه مواجات المتظاهرين المطالبين باقالته، ولا حتى قضية نجله جواد، الذي ضبط متلبساً بتهريب 6 كغم من المخدرات، ومئات الحبوب المخدرة، إلى العاصمة بغداد.

كما دعا الياسري، عقب عودته للمنصب، أعضاء الحكومة المحلية، إلى ترك الخلافات والعمل معًا، فيما أكد خلال مؤتمر صحافي، أنه "لاينوي الثأر منهم، بفتح ملفات فساد ضد بعضهم"، مشددًا على ضرورة أن "يأخذ القضاء العادل وهيئة النزاهة دورهما في كشف تلك الملفات".

فشلت محاولة الإطاحة بمحافظ النجف الذي لم يتأثر بتورط نجله بنقل كمية كبيرة من المخدرات إلى بغداد

لكن محكمة القضاء الإداري، لم تبت حتى الآن، في جلسة إقالة محافظ كربلاء عن ائتلاف دولة القانون، عقيل الطريحي، التي عقدها مجلس المحافظة في 8 كانون الثاني/يناير 2019، والتي طعن بها المحافظ، فيما قيده المجلس بتسيير الأعمال فقط، وهدد بمقاضاته في حال خالف ذلك. 

البصرة وكركوك.. تشبث بينابيع النفط!

أما في البصرة التي تشهد احتجاجات مستمرة تطالب باقالة الحكومة المحلية بأكملها، فإن الصراع بين "الاصلاح" و"البناء" يبدو في أوضح صوره، حيث لا يزال المحافظ أسعد العيداني متمسكًا بالمنصب، على الرغم من فوزه بعضوية مجلس النواب عن ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، دون الالتحاق به منذ التئامه منذ أشهر.

وفشل مجلس المحافظة حتى الآن، بعقد جلسة لانتخاب خلف للعيداني، حيث يدعم الصدريون مرشّح تيّار "الحكمة" علي الشداد، إلاّ أنّه يواجه رفضًا كبيراً من قبل كتلة "البناء".

وكان العيداني قد تسلم مهامه بعد جلسة تصويت طارئة، عقدت في آب/اغسطس 2017، خلفًا لماجد النصراوي، الذي قدم استقالته وهرب من البلاد، بعد على خلفية اتهامات بالتورط بصفقات فساد تخص مشاريع خدمية في المحافظة.

وأكد العيداني في بيان صحافي مؤخرًا، عزمه البقاء كمحافظ للبصرة، والتنازل عن مقعده البرلماني، دون تحديد موعد لذلك، فيما تعهد بأن يشهد العام الجاري "تنسيقًا بين السلطة التنفيذية والتشريعية لخدمة البصرة".

احتدم الصراع الكردي على منصب محافظة كركوك بعد تكليف عبد المهدي برئاسة الحكومة

ونحو شمال البلاد حيث كركوك المتنازع عليها، فإن الأزمة تبدو أعقد من ذلك بكثير، حيث لا يزال مجلس المحافظة معطلًا منذ عمليات "فرض الأمن"، التي نفذها رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، والتي أدت إلى إخراج قوات البيشمركة، وهروب المحافظ السابق عن الاتحاد الوطني الكردستاني، نجم الدين كريم.

وأقال البرلمان، كريم، عقب رفضه قرارًا اتحاديًا بعدم اشراك المحافظة باستفتاء الانفصال الذي أجرته حكومة إقليم كردستان في 25 ايلول/سبتمبر 2017، فيما صدر أمر حكومي بتعيين نائبه راكان الجبوري في المنصب.

واحتدم السباق الكردي نحو المنصب مجددًا، بعد تكليف عادل عبد المهدي، رئاسة الحكومة الحالية، حيث يؤكد كل من الحزبين الكرديين الرئيسيين (الديمقراطي والوطني)، أن المنصب من حصته، في ظل صراع آخر على حقيبة وزارة العدل في بغداد.

حمى النفوذ.. وغليان الشارع!

ويرجح مراقبون، انتقال حمى الصراع على المناصب المحلية إلى بقية المحافظات الجنوبيّة، دون نهاية قريبة لها في حال عدم إجراء الانتخابات المحلية، تعيد تشكيل الحكومات في المحافظات بشكل كامل.

اقرأ/ي أيضًا: طريق الكحول إلى العراق.. تجارة تحكمها ميليشيات دينية وأحزاب سياسية

ويؤكد الصحافي أنس عادل لـ "الترا عراق"، على أهمية تحقق ذلك في وقت قريب، للتفرغ للمشاريع والخدمات والالتفات إلى "الشارع الذي لم يعد يطيق تلك الحكومات"، على حد قوله.

يرجح أن تنتقل حمى الصراع على المناصب إلى محافظات أخرى وسط غضب شعبي كبير

لكن ذلك لن يتحقق على المدى القريب، حيث أعلنت مفوضية الانتخابات، تأجيل إجراء الانتخابات، التي كان يفترض أن تجري في 22 كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، إلى العام الجاري دون تحديد موعد جديد محدد، فيما بررت ذلك بأسباب كثيرة منها "عدم توفر الوقت الكافي لإكمال جميع إجراءاتها الخاصة بعملية الاقتراع".

ويبدو أن الصراع الدائر على مناصب المحافظين، يعكس قناعة الأطراف السياسيّة بصعوبة تحديد موعد قريب للانتخابات المحليّة، الأمر الذي دفعها إلى تغييرهم عبر صفقات في تلك المحافظات، لضمان استمرار نفوذها، وهو ما يشي بمخاطر كبيرة منها تصاعد نسق الاحتجاجات مجددًا في ظلّ استمرار الغليان الشعبيّ في المحافظات الجنوبيّة بسبب غياب الخدمات والوظائف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

احتجاجات الكهرباء في كربلاء.. أيادٍ حزبية وراء الفوضى وتشويش الحراك

مليشيات القتل الطائفي.. تقسيم "داعشي" للعراق