25-سبتمبر-2015

طفلة في بغداد (Getty)

من العادات والتقاليد التي لا أحبذها عند أهلنا في العراق، خاصة مناطق الجنوب، هي زيارة القبور عند العيد. العراقيون الذين تعودوا الحرب والحزن يبدو أنهم لا يعرفون الفرح دون المرور بتراجيديا مفعمة بالدراما. صباح أول يوم عيد تعج المقابر بذوي المدفونين هناك، فهي أشبه بسنّة سار عليها سكان بلاد النهرين منذ سنوات.

أعياد العراقيين منقوصة، فإما حرب ينقصهم فيها الأمان، وإما حصار لا يجدون فيه جديدًا يلبسونه

كل شيء تغير في طقوس العيد بعد عام 2003 بالنسبة للعراقيين، إلا طقس الخروج منذ فجر أول يوم عيد والتوجه للموتى. يُشعلون "البخور" ويرشون القبور بماء الورد وكثير من النحيب وجلد الذات، ثم يعودون إلى منازلهم بعد ساعات. حتى قبل عام 2003 لم تكن الأعياد مكتملة بالنسبة للعراقيين، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي حتى الساعة الأولى لدخول القوات الأمريكية للعراق كان شيء ما يُنقص أعياد العراقيين. ففي الثمانينيات كانت نيران الحربة مع إيران مستعرة لمدة ثمان سنوات، وبعد إنتهائها بعامين دخل العراق بحرب جديدة مع الكويت، وبدأ الحصار.

أعيادنا دائمًا منقوصة، فإما حرب ينقصنا الأمان، وإما حصار لا نجد الجديد لنلبسه، وإما موت تنتشر بسببه سرادق مجالس العزاء في الشوارع. نحن دائمًا من دون عيد مكتمل، ومن دون فرح بلا شوائب.

العيد الذي يمر الآن على العراقيين هو العيد الأكثر بؤسًا، فالتنظيمات المتطرفة تحتل أجزاء كبيرة من البلاد، زيادة على ذلك انتشر في مناطق عدة وباء الكوليرا، وقبله وباء ساسة العراق الفاسدين. فالعيد حتى الآن لم يكتمل بالنسبة لنا نحن الذين لا حول ولا قوة. في هذا العيد جُمعت المأساة، الفقر، والحرب، والوباء، والنزوح، والموت. العراق الآن بنسبة فقر أكثر من 30% في ظل تدهور إقتصادي كبير وانتشار وباء الكوليرا منذ أيام، ووجود أكثر من ثلاثة ملايين نازح يعيشون أوضاعًا إنسانية صعبة جدًا، وثلث البلاد بيد الإرهاب.

لم تتمكن الحكومات العراقية، بعد زوال نظام صدام وحتى التي سبقتها، من خلق أجواء إيجابية للعراقيين بغية قضاء أيام العيد بشكل طبيعي مثل باقي الدول دون منغصات، لكنهم جميعًا تعاونوا على إيجاد مناخات سلبية تُسهم في اضطراب نفسية المواطن العراقي بشكل أكبر، وتزيد من حالة الكبت عنده. تحسر العراقي خلال تسعينيات القرن الماضي على لبس شيء جديد في أيام العيد، فاضطر لسنوات أن يلجأ ممنونًا لتلك الملابس المستخدمة "البالة" التي يفترشها الباعة على أرصفة السوق الشعبية، وهناك سيلعب الحظ دورًا كبيرًا، فمن هذا الذي سيجد قطعة غير مثقوبة أو لونها لا زال صالحاً ليُسمى لونًا.

 إذا ما أراد العراقيون التعبير عن فرحهم بشيء ما يبكون، وإذا أرادوا الراحة قليلًا يزورن القبور

أما بعد التسعينيات، وتحديدًا عند دخول القوات الأمريكية للبلاد، وازدهار الأسواق العراقية بالماركات من ملابس وأطعمة وأجهزة اتصال وغيرها، لكن الأعياد بقت منقوصة، هذه المرة لم يجد العراقي فسحة من الأمن ليستمتع بما هو متوفر بين يديه، فإكتمل نقص، ونقص ما كان موجودًا قبل ذلك التأريخ.

أسوأ عيد يُمكن للمرء أن يعيشه هو في العراق. لست متشائمًا فكل ما موجود في هذه الأرض يُشير إلى ذلك، حتى أؤلئك الأطفال الذين يُنهكهم السير قبل الوصول إلى أي متنزه ليركبوا بعض الألعاب، فالخطط الأمنية التي يضعها جنرالات المنطقة الخضراء وأصحاب الرتب المُترفين لا تتعدى كونها خطط تأمر بوضع الصبات الكونكريتية في بعض التقاطعات لغلق الطرقات أمام المركبات بإتجاه أية مدينة ألعاب.

مساكين نحن في العراق، نُفرط في الفرح ونُفرط في الحُزن، وبالتالي لا الحُزن نمارس طقوسه بشكلها الطبيعي ولا فرحنا مثل غيرنا، فحالة الإضطراب التي نعيشها أوصلتنا إلى هذه المرحلة. أعداد كبيرة من العراقيين إذا ما ارادوا التعبير عن فرحهم بشيء ما، يبكون، وإذا أرادوا الراحة قليلًا يزورن القبور.

أعيادنا منقوصة، تلك هي القصة الحقيقية لنا كعراقيين، لا عيد يمر دون وجود منغصات، ولا المنغصات يحلو لها العيش من دوننا.