الأسس الفلسفية للديمقراطية التوافقية

الأسس الفلسفية للديمقراطية التوافقية

الديمقراطية التوافقية قد لا تكون وصفة صحيحة لحل أزمة الثقة والاندماج دائمًا (فيسبوك)

تَخضع المشكلات السياسية الموجودة في مجتمع ما، إلى نوع من التسويات السياسية، خصوصًا في المجتمعات المنقسمة ثقافيًا وعرقيًا، وهذه التسويات تكون وفق ترتيبات معينة، لتضمن درجة من القبول المجتمعي، ولذلك فقد جاءت الديمقراطية التوافقية كواحدة من الحلول أو التسويات المؤقتة في بعض المجتمعات الأوروبية التي كانت تعاني من اختلالات إجتماعية وعدم اندماج مجتمعي. وكما هي تمثل تطور للديمقراطية بشكل عام، إذ ارتبط هذا النمط من التسويات الحديثة  بالعالم آرنت ليبهارت  والذي عدها "استراتيجية في إدارة النزاعات من خلال التعاون والوفاق بين مختلف النخب، بدلًا من التنافس واتخاذ القرار بالأكثرية"، فيما عبر عنها روبرت دال على أنها "عملية توزيع السلطة السياسية على العديد من مراكز  القرار ونخبها، وتكون السياسة في غالب الأحيان موضوع مساومات ونقاشات متعددة، تهدف للوصول إلى اجتماع معين أو إلى اتفاق بين مختلف الأجزاء المكونة للمجتمع". اذن تُعبّر الديمقراطية التوافقية على نمط حكم قائم على أساس التوافق بين الشركاء السياسيين، يرتكز على قاعدة التشاور أو المساومة للوصول إلى حلول مرضية اتجاه سياسة عامة معينة.

 تعمل الديمقراطية التوافقية على إذابة مفهوم المعارضة السياسية التي تسهم بشكل كبير في تصحيح سياسات الحكومة

ويبدو أن آرنت ليبهارت انطلق من أساسين فلسفيين هما؛ الاشتراك بدلًا عن الإقصاء، والتجانس والانسجام بدلًا عن التنافر والتجزئة، وكلا الأساسين لا يؤمنان بموضوع (حكم الأغلبية) التي نادت به الديمقراطية الأم.

اقرأ/ي أيضًا: سوق "المحاصصة الأمريكية" في بلادنا

فالأساس الأول: ينطلق من أن المعنى الحقيقي أو الرئيس للديمقراطية  "ينبغي على الجميع المتأثرين بقرار معين أن تتوافر لهم فرصة المشاركة في اتخاذ القرار وهذا القرار أما بشكل مباشر وأما من خلال ممثلين منتخبين"، لأن "استبعاد الجماعات الخاسرة من المشاركة في صنع القرار أمر ينطوي على انتهاك واضح للمعنى الرئيس للديمقراطية التوافقية". 

أما الأساس الثاني: ينطلق من أن أسلوب حكم الأغلبية في مجتمع غير متجانس أو قليل الانسجام يدفع بتمسك الأغلبية في السلطة من خلال أحزابها، وتأتي هنا ولاءات الناخبين لتتخذ طابعًا أكثر صرامة على نحو متكرر، وربما يقلل من احتمالات تناوب الأحزاب على الحكم، وبهذه الظروف يجد آرنت ليبهارت أن "حكم الأغلبية لا يكون غير ديمقراطي فحسب بل يتسم بالخطورة"، أي خطورة استبداد الأغلبية في الحكم.

وقد قدم ليبهارت وسائل عدة لتحقيق هذا التعاون ويتمثل بـ"الائتلاف الموسع الذي يضم أكثر من طيف أو مكون اجتماعي، والفيدرالية، والنسبية في تمثيل المكونات داخل مؤسسات الدولة، والفيتو وحق الاعتراض للأقلية على بعض القرارات والتشريعات كضمانة تستطيع من خلالها الأقلية المشاركة في عملية صنع القرار.

ومن خلال هذا التوضيح يمكن أن نُبَيّن سلبيات هذا النمط وفلسفته ومنها:

  • 1- إن ديمقراطية الأغلبية ليس بالضرورة نمط إقصائي للأقليات أو لفئات المجتمع، فمن الممكن أن تكون الأقلية أغلبية من خلال أساليب عدة، منها الدخول في ائتلافات سياسية أو نجاحها في المعارضة، وبيان إخفاقات الحكومة، ومن ثم وضع برامج سياسية يقبلها الجمهور.
  • 2- إن ديمقراطية الأغلبية ليست بالضرورة تمثل صراعًا حزبيًا بقدر ما هي صراع برامج سياسية انتخابية، فالمواطن ممكن أن يصوت للأقليات المعارضة، وفق ما تعرضه أحزابها برامج تحاول من خلال كسب ثقة الجماهير بها.
  • 3 -إذا كانت ديمقراطية الأغلبية هي إقصاء للأقلية المعارضة، وأن التوافقية هي اشتراك الجميع برسم السياسة العامة، فإن مفهوم العدالة السياسية والانتخابية لا وجود له، وهذا الأمر يدل على مصادرة رغبة الجماهير وربطها برغبة الأقلية.
  • 4- إن الوسائل التي قدمها ليبهارات التي تعتمد عليها الديمقراطية التوافقية، ربما قد تكون هي ذات الوسائل التي تعتمدها ديمقراطية الأغلبية، من خلال اعتمادها أسلوب اللامركزية السياسية، التي تتيح للأقليات مساحة محددة من النشاط السياسي والقانوني والإداري داخل الإقليم،  واعتمدها أسلوب النسبية في تمثيل المكونات، ولكن بعيد عن القياس العرقي والديني والإثني، فضلًا عن حق الاعتراض أو الفيتو.
  • 5- يمكن أن تكون الديمقراطية التوافقية آلية أو وسيلة مؤقتة لتحقيق الاندماج المجتمعي من خلال الاتفاق على تسويات جديدة تساهم بشكل أو بآخر في ردم أزمة الثقة، ولكن التوافقية لا تصلح أن تكون هدفًا سياسيًا لأن استمرارها خصوصًا في المجتمعات الشرقية قد  تعطل مفاصل الدولة، وهذا ما نلمسه في النظام السياسي العراقي.
  • 6- تعمل الديمقراطية التوافقية على إذابة مفهوم المعارضة السياسية التي تسهم بشكل كبير في تصحيح سياسات الحكومة.

لكن الديمقراطية التوافقية، وكما يبدو، قد لا تكون وصفة صحيحة لحل أزمة الثقة والاندماج والتكامل الاجتماعي دائمًا، خصوصًا في المجتمعات المشرقية ومنها العراق.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

العراق في المؤشر العربي.. إرث الاستبداد الثقيل

عراق "المحاصصة" الطائفية وسلطة ضد الدولة